"الجنون أصاب السوق"… الشركات الناشئة تجابه طوفانا من العروض

ديفيد باريت، الرئيس التنفيذي لشركة إكسبينسفاي الناشئة في مكتب الشركة في بورتلاند بولاية أوريغون (NYT)
ديفيد باريت، الرئيس التنفيذي لشركة إكسبينسفاي الناشئة في مكتب الشركة في بورتلاند بولاية أوريغون (NYT)

يشعر دومًا رايان شافر الرئيس التنفيذي المالي في شركة "إكسبينسيفاي" (Expensify) -وهي شركة ناشئة تصنع برمجيات إعداد تقارير نفقات الأعمال- أنه ملاحق بلا هوادة منذ العام الماضي.

لقد بدأ الأمر مع مجلس الإدارة في "إكسبينسيفاي"، ففي الخريف سأل شافر الأعضاءَ حول ما إذا كان لدى الشركة اهتمام بالاندماج مع "شركة استحواذ ذات أغراض خاصة" (SPAC)، وهي أداة مالية تعتمد عليها الشركات الخاصة بشكل متزايد للتحول إلى شركات اكتتاب عام، وأخبروه أنه في حال كان الاهتمام قائما فبوسعهم القيام بعملية التعريف المتبادلة، وبما أن "إكسبينسيفاي" قد كانت تفكر بالتحول إلى شركة اكتتاب عام ضمن خططها للعام 2021، فإن شافر قد قال نعم.

فتح ذلك الباب على مصراعيه، إذ بدأت تنهال على شافر رسائل بريد إلكتروني من عشرات شركات الاستحواذ ذات الأغراض الخاصة عبر المستثمرين والمصرفيين وغيرهم من الوسطاء، وتواصل ذلك حتى بلغ الاهتمام حدّا هائلا قرر عنده شافر أن يتوقف عن الرد على أي استفسارات جديدة، وقد قال إنه حتى محاسبه كان أمامه اتصال بإحدى شركات الاستحواذ ذات الأغراض الخاصة.

وقال شافر "يبدو أن السوق قد مسّه الجنون"، وأضاف "إنهم يريدون للأمر أن يتم بسرعة كبيرة".

تواجه العديد من الشركات الناشئة مثل هذا الزخم الغامر، لا سيما أن شركات الاستحواذ ذات الأغراض الخاصة قد أشعلت اهتماما جامحا لمثل هذه الصفقات، ففي الأشهر القليلة الماضية لم تترك هذه الأدوات الاستثمارية -والمعروفة أيضا باسم "شركات الشيكات على بياض"- وسيلة إلا اتبعتها من أجل عقد صفقات مع شركات مستهدفة، ومن بين إستراتيجياتها عرض تقييمات فلكيّة، والتلويح بزيادات تحفيزية مفتوحة، والاستعانة بالمشاهير، مثل سامي هيغر وشاكيل أونيل في مجالسهم الاستشارية لحيازة بعض التأثير النجومي.

وفي حال أخفق كل ما سبق تلجأ إلى الإلحاح المزعج على الشركات الخاصة.

لقد تصاعد هذا النشاط مع الانتشار الواسع لشركات الاستحواذ ذات الأغراض الخاصة ومطاردتها لمجموعة محدودة من الأهداف المحتملة. وهذه الأدوات المالية -التي تعد شركات على الورق فقط يُتداول عليها بلا عمليات حقيقية- تقوم في بنيتها على مطاردة الصفقات، فهي تجمع المال من المستثمرين، وتطرح الشركة الورقية تلك للاكتتاب العام، ويُتعهد بالعثور على شركة خاصة للاندماج معها، وفي حال نجح ذلك، فإن الشركة الهدف تستحوذ على الشركة الورقية وتتحول إلى شركة يتم التداول عليها، ويحصل راعي الصفقة على حصة من الشركة الورقية، تبلغ عادة 20%.

كان لهذه الأدوات -على مدى سنين- سمعة مريبة، لكن ذلك تغير العام الماضي حينما صعد السوق، ولذا قد يكون هناك عدد أكثر من اللازم من شركات الاستحواذ الخاصة تلك، فثمة 264 شركة من هذه الشركات قد جمعت 76.6 مليار دولار في عروض الاكتتابات العامة حتى الآن في هذا العام، مرتفعة بذلك عن 75.5 مليار دولار تم جمعها في عام 2020 كله، وذلك وفقا لشركة "رينيسانس كابيتال" (Renaissance Capital) التي تتابع عمليات الاكتتاب العام. وقد زادت شركات "الشيكات على بياض" عدديا على عمليات الاكتتاب العام التقليدية التي تشهد ازدهارا هي الأخرى، وذلك بنسبة 4% تقريبا.

لكن ثمة مشكلة تتمثل في عدم وجود ما يكفي من الشركات الناشئة للاندماج مع شركات الاستحواذ ذات الأغراض الخاصة، وهذا ما يجعلها تواجه قنبلة موقوتة، ففي حال لم تتم صفقة ما خلال عامين، فإن أداة الاستحواذ الخاصة تلك يتمّ حلّها، ويستعيد المستثمرون أموالهم.

تقول جولي كوبلاند -وهي شريكة في شركة "ستون تيرن" (StoneTurn) التي تقدم الاستشارات للشركات والمستثمرين حول القضايا والامتثال للتنظيمات- إن "هنالك ضغطا شديدا من أجل العثور على أهداف جيدة"، وتضيف "لا ترغب الكثير من الشركات في أن تقول لم نستطع العثور على هدف".

وقد دفع هذا الاختلال في العرض والطلب العديد من شركات "الشيكات على بياض" إلى مطاردة شركات ناشئة أصغر لم يتم اختبارها، ففي الشهر الماضي أعلنت "جوبي آفييشن" (Joby Aviation) و"آركر أفييشن" (Archer Aviation) -وكلتاهما شركتان لتأجير مركبات الطيران الكهربائية ولا تتوقعان أي إيرادات لعدة سنوات- عن نيتهما للاكتتاب العام عبر شركات استحواذ ذات أغراض خاصة، بتقييم 6.6 مليارات دولار، و3.8 مليارات دولار على التوالي.

ولقد خلقت هذه الموجة العارمة العديد من المشاكل بالفعل، فسهم "نيكولا" (Nikola) -وهي شركة سيارات كهربائية ناشئة طرحت للاكتتاب العام عبر شركة استحواذ ذات أغراض خاصة في يونيو/حزيران الماضي- هبط بأكثر من 80%، وذلك بعد أن اتّهم صندوق استثماري -يدعى "هايندينبيرغ ريسيرش" (Hindenburg Research) في سبتمبر/أيلول الماضي- شركةَ "نيكولا" بالكذب بشأن تقنيتها، والمبالغة في تقييم صفقات أعمالها، وأنها عمدت إلى التضليل بتصوير شاحنة وهي تنزلق على طريق منحدر في مقطع فيديو ترويجي، وقد استقال تريفور ميلتون، مؤسس نيكولا ورئيس مجلس إدارتها، وبدأت هيئة الأوراق المالية والمقايضة ووزارة العدل في التحقيق حول الشركة.

كما باشرت الهيئة بتحقيقات بشأن شركة "كلوفر هيلث" (Clover Health)، وهي شركة ناشئة للتأمين الطبي، وشركة "لوردستاون موتورز" (Lordstown Motors)، وهي شركة ناشئة للشاحنات الكهربائية، وكلتاهما طُرحتا للاكتتاب العام عبر شركات "الشيكات على بياض" في الأشهر القليلة الماضية.

وفي 10 مارس/آذار الجاري، حذرت هيئة الأوراق المالية والمقايضة من كون شركات الاستحواذ ذات الأغراض الخاصة تواجه مخاطر من نوع مختلف، إضافة إلى تضاربات محتملة في المصالح. كما أبدت الهيئة انتقادا واضحا لتلك الشركات التي يدعمها مشاهير، وخلصت إلى أن "المشاهير -كغيرهم من البشر- يمكن أن يتم استدراجهم للمشاركة في استثمار خطر".

ولتمهيد الطريق للمزيد من الصفقات، قال بعض المستثمرين إنهم كانوا يسعون إلى إقناع رواد الأعمال بمنافع شركات الاستحواذ ذات الأغراض الخاصة.

بيتر هيبرت -وهو مدير شريك في شركة "لوكس كابيتال" (Lux Capital) لرأس المال المخاطر- قال إنه منذ جمعت الشركة 345 مليون دولار لشركة استحواذ ذات أغراض خاصة تركز أنشطتها في مجال الرعاية الصحية والتكنولوجيا، قد سوّق هذه الأدوات لما لا يقل عن 100 شركة ومستثمر.

وقال هيبرت إنه كان ينقل رسالة تفيد بأن هذه الأدوات المالية لم تعد مجرد مساحة ينشط بها المستثمرون المريبون الأشبه بصورة "ذئب وول ستريت"، بل إنها قد تفيد الشركات الناشئة كونها طريقة سريعة وغير مكلفة للاكتتاب العام. ومع أن هيئة الأوراق المالية والمقايضة تحظر على الشركات تقديم توقعات مالية في عمليات الاكتتاب العامة التقليدية، إلا أن هذه القيود لا تسري على الشركات التي تدخل الاكتتاب العام عبر شركات الاستحواذ ذات الأغراض الخاصة.

وقال هيبرت "أنظر إلى دورنا على أنه ينزع الريبة عن أمر له سمعة سيئة حقا"، وقال إن الشركات الناشئة تستجيب لذلك، مع أن شركة "لوكس" لم تعلن بعد عن أي صفقة لشركتها للاستحواذ ذات الأغراض الخاصة.

أمّا في "إكسبينسيفاي" فقد قال شافر إن هذا الطوفان من الاهتمام قد كان في البداية مصدر إطراء، فالشركة التي تأسست قبل 12 عاما ومقرها في سان فرانسيسكو هي شركة تحقق أرباحا، وقد تجاوز إيرادها السنوي الدوري مؤخرا 100 مليون دولار، وهو الحد الذي تستغله بعد شركات البرمجيات من أجل التحوّل إلى شركات اكتتاب عام، إلا أن اللقاءات سرعان ما تحولت بحسب شافر إلى ما يشبه مسابقات ملكات الجمال، إذ يأتيه ممثلو شركات الاستحواذ ذات الأغراض الخاصة لاستعراض ما لديهم من الخبرة ذات العلاقة والمشروعية.

يقول شافر إن بوسع "إكسبينسيفاي" أن تلجأ دوما إلى صفقة مع شركة استحواذ ذات أغراض خاصّة، وذلك على اعتبار أنها قد تكون أسرع من عملية الاكتتاب العام التقليدية، كما أن هنالك المئات من الشركات للاختيار من بينها.

وقال "سيكون هذا مثل الخيار الثالث، الموجود على الجانب" و"يمكن دوما اللجوء إليه".

 © مؤسسة نيويورك تايمز 2021

المصدر : نيويورك تايمز

المزيد من ريادة
الأكثر قراءة