في قناة السويس.. السفينة العالقة تمثل تحذيرا من العولمة المفرطة

قارب يبحر بالقرب من سفينة حاويات الشحن "إيفر غيفن"، المملوكة لشركة "إيفر غرين"، والتي عطلت الملاحة في قناة السويس بعد أن علقت هناك (هيئة قناة السويس عبر نيويورك تايمز)
قارب يبحر بالقرب من سفينة حاويات الشحن "إيفر غيفن"، المملوكة لشركة "إيفر غرين"، والتي عطلت الملاحة في قناة السويس بعد أن علقت هناك (هيئة قناة السويس عبر نيويورك تايمز)

لندن – تلقى العالم تحذيرا آخر هذا الأسبوع بخصوص مخاطر اعتماده الشديد على سلاسل التوريد العالمية، فعندما جنحت سفينة واحدة في قناة السويس، وهو ما أدى إلى توقف الحركة المرورية في كلا الاتجاهين، واجهت التجارة الدولية ازدحاما هائلا ومن ثَم عواقب وخيمة محتملة.

المركبة المتعثرة ليست مجرد سفينة، إذ تعتبر "إيفر غيفن" (Ever Given) واحدة من أكبر سفن الحاويات في العالم، حيث تتسع لـ20 ألف صندوق معدني لنقل البضائع عبر البحر. وقناة السويس ليست مجرد مجرى مائي، إنها قناة حيوية تربط مصانع آسيا بالعملاء الأثرياء في أوروبا، فضلا عن كونها قناة رئيسية للنفط.

كون أن حادثًا مؤسفًا واحدًا يمكن أن ينشر فوضى جديدة من لوس أنجلوس إلى روتردام إلى شنغهاي أكد إلى أي مدى أصبحت التجارة الحديثة تتمحور حقيقة حول سلاسل التوريد العالمية.

خلال العقود الأخيرة، ناصر خبراء الإدارة وشركات الاستشارات ما يسمى بالتصنيع في الوقت المناسب، للحد من التكاليف وزيادة الأرباح. فبدلا من إهدار الأموال في تخزين البضائع الزائدة في المستودعات، يمكن للشركات أن تعتمد على سحر الإنترنت وصناعة الشحن العالمية لاستدعاء ما يحتاجون إليه عندما يحتاجون إليه.

لقد أدى تبني هذه الفكرة إلى إحداث ما هو ليس أقل من ثورة في الصناعات الكبرى، مثل تصنيع السيارات، والأجهزة الطبية، وتجارة التجزئة، والمستحضرات الصيدلية، وغيرها. كذلك أثمر أيضًا عن منجم أرباح للمديرين التنفيذيين للشركات والمساهمين الآخرين.. تلك الأموال التي لم يتم إنفاقها على ملء المستودعات بقطع غيار السيارات غير الضرورية هي، جزئيا على الأقل، أموال يمكن منحها للمساهمين في شكل توزيع ريع الأرباح.

ومع ذلك، وكما هي الحال في كل شيء في الحياة، يمكن للمبالغة في فعل شيء جيد أن تجلب الخطر.

إذ يساعد الاعتماد المفرط على التصنيع الفوري على تفسير كيف وجدت الطواقم الطبية من إنديانا إلى إيطاليا أنفسهم يعتنون بمرضى فيروس كورونا خلال الموجة الأولى من الوباء من دون معدات واقية مناسبة مثل الأقنعة والملابس الطبية.

افترضت أنظمة الرعاية الصحية، والعديد منها يقع تحت سيطرة الشركات الربحية المسؤولة أمام المساهمين، أن بإمكانها الاعتماد على الشبكة وعلى صناعة الشحن العالمية لتقديم ما تحتاجه في الوقت الفعلي. وقد ثبتت فداحة هذا التقدير الخاطئ.

لقد حذر بعض الخبراء لسنوات من أن مصالح المساهمين قصيرة المدى قد طغت على الإدارة الحصيفة في دفع الشركات إلى التقتير في تخزين السلع.

وقال إيان غولدين، أستاذ العولمة في جامعة أوكسفورد، "كلما أصبحنا أكثر ترابطًا، أصبحنا أكثر عرضة لنقاط الهشاشة التي تظهر، والتي دائمًا ما تكون غير متوقعة". وقال "لا يمكن لأحد أن يتنبأ بجنوح سفينة في منتصف القناة، تمامًا كما لم يتوقع أحد من أين سيأتي الوباء، وتمامًا مثلما لا يمكننا توقع الهجوم الإلكتروني القادم، أو الأزمة المالية التالية، لكننا نعلم أنها ستحدث".

عندما تتحرك السفن مرة أخرى عبر القناة، فمن المحتمل أن تصل إلى الموانئ المزدحمة دفعة واحدة، ما سيجبر الكثير منها على الانتظار قبل أن تتمكن من التفريغ (NYT)

لقد تركت الكارثة الحالية، والتي يعمل فيها المهندسون على استخراج سفينة ضخمة من قناة السويس، أكثر من 100 سفينة عالقة على طرفي القناة في انتظار فتح الممر، بعضها يحمل النفط، وهو سبب ارتفاع أسعار الطاقة يوم الأربعاء، على الرغم من تراجعها يوم الخميس. ويحمل بعضها الآخر إلكترونيات وملابس ومعدات تمارين رياضية.

لن تصل أي من هذه السفن إلى حيث كان من المفترض أن تصل إلى أن يتم إطلاق السفينة التي تقطع الطريق. ووفقًا لتحليل بلومبيرغ، فكل يوم يستمر فيه هذا الجمود يتسبب في تعطيل بضائع تبلغ قيمتها 9.6 مليارات دولار.

ومنذ بداية عملها في الخمسينيات من القرن الماضي، أحدثت حاويات الشحن ثورة في التجارة العالمية. فبصفتها أوعية بحجم قياسي يمكن تثبيته بسرعة على خطوط السكك الحديدية والشاحنات، قللت بشكل كبير من الوقت اللازم لنقل البضائع من مكان إلى آخر.

وقد أدى التضاعف في عدد الحاويات التي يمكن تكديسها فوق سفينة واحدة إلى تقليص المسافات بشكل أكبر، فقد زادت السعة بنسبة 1500% خلال نصف القرن الماضي، وتضاعفت تقريبًا خلال العقد الأخير فقط، وفقًا لشركة "آليانز غلوبال كوربوريت أند سبيشاليتي" (Allianz Global Corporate and Specialty) وهي شركة تأمين على الشحن.

أسفرت هذه التطورات في التجارة عن أشكال متطورة وعالية الكفاءة من التخصص، حيث تعتمد مصانع السيارات في شمال إنجلترا على قطع من جميع أنحاء أوروبا وآسيا. وأدى ازدهار سفن الحاويات إلى زيادة توفر السلع الاستهلاكية وخفض الأسعار.

لكن هذه التطورات نفسها أسفرت عن نقاط ضعف، وزاد الاضطراب في قناة السويس، وهي ممر ما يقرب من عُشر التجارة العالمية، من الضغوط على صناعة الشحن، والتي طغى عليها الوباء ودوره في إعادة تشكيل التجارة العالمية.

وبينما اضطر الأميركيون للتعامل مع عمليات الإغلاق، طلبوا كميات هائلة من المصانع من آسيا، مثل دراجات التمرين للتعويض عن إغلاق الصالات الرياضية، والطابعات وشاشات الحاسب لتحويل غرف النوم إلى مكاتب، ومعدات الخبز وألعاب للترفيه عن الأطفال المحبوسين في المنزل.

استنفدت زيادة الطلبات إمدادات الحاويات في موانئ الصين. وزادت تكلفة شحن حاوية من آسيا إلى أميركا الشمالية بأكثر من الضعف منذ نوفمبر/تشرين الثاني. وفي الموانئ من لوس أنجلوس إلى سياتل، تم إبطاء تفريغ هذه الحاويات حيث أصيب عمال الموانئ وسائقو الشاحنات بفيروس كورونا، أو أُجبروا على البقاء في المنزل لرعاية الأطفال الذين لا يذهبون إلى المدارس.

لقد وصلت ثلاثة أرباع سفن الحاويات التي تسافر من آسيا إلى أوروبا والتي كان مقررًا وصولها في شهر فبراير/شباط متأخرة عن موعدها، وفقًا لشركة "سي إنتلجنس" (Sea-Intelligence)، وهي شركة أبحاث في كوبنهاغن بالدانمارك. وحتى أيام قليلة من الارتباك في قناة السويس، يمكن أن تؤدي إلى تفاقم هذا الوضع.

إذا استمر انسداد قناة السويس لأكثر من بضعة أيام، فإن المخاطر سترتفع بشكل كبير، إذ سوف تجد السفن العالقة الآن في القناة صعوبة في الالتفاف ومتابعة طرق أخرى نظرًا لضيق القناة.

وقد يختار أولئك الذين في طريقهم الآن إلى السويس أن يتوجهوا جنوبًا وأن يدوروا حول أفريقيا، ما سيضيف أسابيع إلى رحلاتهم ويحرقون وقودًا إضافيًا، الكلفة التي سيتحملها المستهلكون في نهاية الأمر.

وعندما تتحرك السفن مرة أخرى عبر القناة، فمن المحتمل أن تصل إلى الموانئ المزدحمة دفعة واحدة، ما سيجبر الكثير منها على الانتظار قبل أن تتمكن من التفريغ، وهو تأخير إضافي.

وقال آلان ميرفي، مؤسس سي إنتلجنس، "قد يؤدي هذا إلى مفاقمة أزمة متفاقمة بالفعل!".

 © مؤسسة نيويورك تايمز 2021

المصدر : نيويورك تايمز

المزيد من ريادة
الأكثر قراءة