"سلامات" تطبيق أفغاني ناشئ يكافح الروتين وينقذ الصحة العامة

عاليا رسولي -منشئة تطبيق سلامات- توزع المكملات الغذائية على أطفال يعانون من سوء التغذية في قندهار، بأفغانستان، في مارس/آذار 2020 (عطية موسى زي - الجزيرة)
عاليا رسولي -منشئة تطبيق سلامات- توزع المكملات الغذائية على أطفال يعانون من سوء التغذية في قندهار، بأفغانستان، في مارس/آذار 2020 (عطية موسى زي - الجزيرة)

كابل، أفغانستان – بينما كانت عاليا رسولي توزع الإمدادات على جناح الولادة شرقي أفغانستان، رأت نساءً يلدنَ على الأرض بسبب نفاد الأَسِرّة.

وهناك يتنقل الأطباء بشكل محموم من غرفة إلى أخرى يدونون معلومات المرضى سريعا على أوراق تسجيل متعددة. ويُصرف المرضى من المكان حتى بعد سفرهم إليه من مسافات طويلة.. إنه مشهد تقليدي يتكرر بجميع العيادات في بلد لديه أحد أعلى معدلات وفيات الأمهات في العالم، وفقًا للأمم المتحدة.

وقالت رسولي، الأميركية من أصل أفغاني والمقيمة بسان فرانسيسكو، في لقاء مع صفحة "ريادة"، "في البداية كنتُ أحاول أن أكون مثل الأطباء الآخرين وأُشعِر نفسي بأن الوضع طبيعي مع كل هذه الفوضى، لكني سألت نفسي بعدها: لماذا أحاول أن أجعل هذا طبيعيا، ألا يمكننا تحسين الأمور؟".

تكمن إجابة سؤالها في تطبيق واعد جديد ابتكرته بنفسها باسم "سلامات"، أو "صحي" يهدف لتحسن الخدمة الطبية والقضاء على الاستخدام المفرط للأوراق والروتين.

وتشغل رسولي، البالغة من العمر 30 عاما، وظيفة مديرة التخطيط الإستراتيجي لشركة رعاية صحية في ولاية كاليفورنيا، وعندما بدأ فريقها بالعمل في بناء تطبيق لإدارة المرضى في أميركا، استلهمت رسولي الفكرة من أجل تطبيق مماثل للعيادات في بلدها الأم أفغانستان، إذ كانت تعلم أن تأثيره سيكون ملموسا في بلد يعتمد على الأوراق حاليًا وليست لديه بوابة اتصال بين المرضى ومقدمي الرعاية الصحية.

وكانت خطوة رسولي التالية أن طلبت من وزارة الصحة العامة في أفغانستان بيانات المرضى وقامت برقمنتها، ثم طوّرت التطبيق مجانا بمساعدة اثنين من أصدقائها المهتمين بالتقنية في منطقة خليج سان فرانسيسكو، المعروفة باسم منطقة وادي السيليكون حيث مقرات شركات التقنية العملاقة.

واستطاعت لاحقا أن تحصل على بعض التمويل من كلية جونز هوبكنز للصحة العامة في مدينة بالتيمور بولاية ميريلاند حيث استخدم التطبيق في 5 عيادات فقط في أفغانستان، وتمكنت هذه العيادات من البحث والعثور على جميع سجلات المرضى أسرع بـ9 مرات مع استخدام التطبيق.

رسولي سعت إلى الحصول على التمويل من أكثر من مصدر، ونجحت بدعم من مؤسسات أكاديمية كبرى (خاص تم توفيرها من عاليا رسولي عبر الجزيرة)

ووفقًا لنتائج التجربة، فإن النساء اللواتي تلقين رسائل نصية ومكالمات كنّ أكثر احتمالية بـ6.5 مرات لإكمال 4 زيارات أو أكثر قبل الولادة والتي أوصت بها منظمة الصحة العالمية.

وسعت رسولي إلى المزيد من التمويل من أكثر من مصدر حيث قام معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا "إم آي تي" (MIT) بعرض طلبها للرواد ومبتكري الحلول ومقدمي الأفكار الجديدة، وتحقق لها بعض النجاح بالفعل كشركة ناشئة متناهية الصغر.

ففي عام 2020، حصل تطبيق "سلامات" على جزء كبير من جائزة مؤسسة "بيل آند ميليندا غيتس" بقيمة 100 ألف دولار من خلال مبادرة "سولف" التي نظمها "إم آي تي"، وهي مبادرة تسعى لدعم رواد الأعمال الاجتماعيين المعتمدين على التقنية لمواجهة التحديات العالمية.

وتعرف ريادة الأعمال الاجتماعية، وهي اتجاه شائع في البلدان النامية، باعتبارها استخدام الأعمال التجارية لخلق قيمة وتأثير اجتماعي على نطاق واسع. وكانت رسولي تهدف إلى إيجاد حل لا يعتمد على تمويل المانحين المستمر، ومن ثم أنشئ التطبيق بمبادرات تطوعية وتمويل خاص بداية، على أن يتوسع نطاق الاستخدام من خلال الشراكة مع وزارة الصحة العامة والمستشفيات غير المجانية.

ويعطي المسؤولون الحكوميون في أفغانستان الأولوية للتحديثات التقنية عبر الإدارات المختلفة ويأملون في أن يخلق هذا الزخم مساحة لريادة الأعمال في ذلك البلد الفقير الذي اشتهر عنه النزاعات السياسية والحروب ويبلغ عدد سكانه 40 مليون نسمة.

وقال نائب وزير الصحة الأفغاني وحيد مجروح لصفحة "ريادة"، "هذا العام سيكون عام الرقمنة ونريد أن نجعل قطاع الصحة نموذجا".

نساء يحضرن أطفالهن لتلقي فيتامينات سوء التغذية في ملجأ بجلال أباد، في أفغانستان (عطية موسى زي – الجزيرة)

وأقر مجروح بأن منصة الهواتف النقالة التي تنبه الأمهات بمواعيدهن قبل الولادة وبعدها -بالإضافة إلى تزويدهن بأرقام وعناوين أقرب العيادات أو القابلات- يعد أمرا ضروريا لخفض معدلات وفيات الأمهات.

ويسعى تطبيق رسولي إلى تحقيق هذا الهدف بالتحديد، إذ يمكّن المرضى والأطباء من التواصل خارج العيادة. ووفقًا لمنظمة "بناء القدرات النسائية الأفغانية"، فإن 80% على الأقل من النساء لديهن هاتف محمول. وكذلك فإن التطبيق لا يحتاج إلى الاتصال بالإنترنت، فالكهرباء والإنترنت غير مستقرتين في معظم أنحاء البلاد.

ويرجع ارتفاع معدل وفيات الأمهات في أفغانستان إلى سوء إدارة الموارد والفساد ونظام الرعاية الصحية غير الفعال، والذي لا يملك فيه الأطباء أي وسيلة للتواصل مع المرضى بانتظام، ولا يتم تشجيع الأمهات على إكمال زيارات ما قبل الولادة. ووفقًا لوزارة الصحة العامة الأفغانية تموت امرأة كل 27 دقيقة بسبب مضاعفات الولادة، ويموت مولود جديد في 3 من أصل 4 حالات.

ووفقًا لشكرية بابكرخيل -الطبيبة المتدربة في "سلامات" وفي عيادة هدخيل بمنطقة ريفية في كابل- غالبًا ما تنسى النساء مواعيدهن أو لا تعتبرها أسرهن أمرًا مهمًا.

ومع ذلك، وعندما ينبه التطبيق النساء لمواعيدهن بالعيادة، تأخذ العائلات الأمر بجدية أكبر، كما تصبح النساء على دراية أكبر بكيفية مراقبة الأوضاع الصحية الموجودة مسبقا، مثل ارتفاع ضغط الدم.

كذلك يستطيع الأطباء -من خلال التطبيق- الوصول إلى السجلات في وقت قياسي، وتسجيل المرضى في غضون ثوانٍ. ومع ذلك، تأمل رسولي أن يكون التطبيق بمثابة أداة لجمع البيانات لوزارة الصحة العامة أيضا.

من جانبه، قال فرشيد غياسي، مؤسس شركة نيتلينكس، وهي شركة تقنية في أفغانستان "ليس لدينا حاليًا نظام وطني مناسب لجمع البيانات حول الأمراض والأوبئة التي من شأنها أن تساعد وزارة الصحة في التخطيط والاستعدادات".

وأضاف أن شركته وقّعت مذكرة تفاهم مع الحكومة لتطوير تطبيق لتوصيل الأدوية في كابل، غير أن التقدم كان بطيئًا.

وتتطلع الحكومة الأفغانية أيضًا إلى تقنية تسجيل المعلومات "بلوك تشين" من أجل تحسين نظام الرعاية الصحية الخاص بها، كما تستفيد من شركة "فانتوم" الناشئة في مكافحة الأدوية المزيفة ذات الإنتاج الضخم والمتفشية في أفغانستان.

وتسعى الحكومة للاستفادة من التكنولوجيا في التحقق من صحة الأدوية. وتستهدف التجربة الحالية معقمات اليدين وكريمات المفاصل وأقراص المضغ وكريمات القدم.

في أفغانستان لا يوجد حاليًا نظام لجمع البيانات حول الأمراض والأوبئة لمساعدة وزارة الصحة في التخطيط والاستعدادات (عطية موسى زي – الجزيرة)

ومع ذلك، فإن التحديات كثيرة أمام بلد يترنح بعد عقود طويلة من الحرب، حيث مات مليون إنسان في الغزو السوفياتي وعدد كبير أثناء التدخل الأميركي والناتو الأخير.

وبحسب مجروح، فإن الأمر يتطلب تحولا حقيقيا في التفكير، في ظل مجتمع تقليدي يفتقر إلى قوة عاملة مهنية قوية ومهارات لاستخدام نظام الحاسوب وقواعد البيانات.

ووجدت رسولي، التي تدير أيضًا مدرسة للبنات في قندهار في إطار منظمتها غير الربحية التي تحمل اسم "مبادرة تقوية وتمكين المرأة"، وجدت أن الحل يكمن في العمل مع المجتمعات لفهم احتياجاتهم وزيادة الوعي.

وقالت رسولي في لقائها مع "ريادة"، "أخبرني بعض الأطباء شخصيا أنهم أصبحوا على دراية بحالات مرضاهم المزمنة بسبب تطبيقنا"، وبالتالي فعلى الأقل بالنسبة لبعض المرضى فإن وجود هذه السجلات يعني حقا الفرق بين الحياة والموت.

 © الجزيرة

المصدر : الجزيرة

المزيد من ريادة
الأكثر قراءة