بعد عام مؤلم.. صناعة النفط تواجه مستقبلا مضطربا

البخار والضباب يرتفعان من محطة تكرير تابعة لشركة توتال في بورت آرثر، تكساس، 21 ديسمبر/كانون الأول 2020 (نيويورك تايمز)
البخار والضباب يرتفعان من محطة تكرير تابعة لشركة توتال في بورت آرثر، تكساس، 21 ديسمبر/كانون الأول 2020 (نيويورك تايمز)

هيوستن- شركات النفط الكبرى لم تعد كبيرة.

خسرت شركات مثل إكسون موبيل وبريتش بتروليم وغيرهما من كبريات شركات النفط الأخرى عشرات المليارات من الدولارات في العام الماضي، مسجلة أسوأ أداء لها منذ سنوات، وبالنسبة لبعض الشركات منذ عقود.

ويقع اللوم في ذلك على الجائحة إلى حد كبير، إذ استنزفت الطلب على البنزين والديزل ووقود الطائرات مع إجراءات الإغلاق في الدول والولايات وبقاء الناس بمنازلهم. لكن مثل هذه السنوات المؤلمة ربما تصبح نمطا متكررا مع تزايد المخاوف بشأن تغير المناخ، وتشديد اللوائح، وصعود السيارات والشاحنات الكهربائية التي بدأت تفرض وجودها على صناعةٍ هيمنت على الاقتصاد العالمي خلال معظم القرن الماضي.

في يناير/كانون الثاني، رفعت شركة "جنرال موتورز" من مستوى المخاطر على الصناعة عندما قالت إنها تهدف إلى التخلص تماما من محركات الاحتراق الداخلي وبيع السيارات الكهربائية فقط بحلول عام 2035.

إن صناعة النفط إذًا تنتقل ببطء إلى مستقبل تهيمن عليه طاقة أكثر نظافة، حيث تستثمر بريتش بيتروليوم ورويال داتش شل وتوتال، وغيرها من الشركات الأوروبية، موارد كبيرة في شركات خارجية تنتج طاقة الرياح والطاقة الشمسية مع تقليص الاعتماد على النفط، غير أنه من غير المرجح أن تؤتي هذه الاستثمارات ثمارها لسنوات، وربما حتى لعقد أو عقدين.

ورغم أن شركات النفط الأميركية الكبرى أبطأ بكثير في التحول بعيدا عن الوقود الحفري، فإنها تشعر بضغط متزايد من المستثمرين لتغيير نماذج أعمالهم.

وقالت شركة إكسون هذا الأسبوع، إنها ستستثمر 3 مليارات دولار في شركة جديدة تسمى "لوكاربون سولشنز" (Low Carbon Solutions)، والتي ستركز في البداية على مشاريع الإمساك بالكربون وعزله.

وذكرت شركة إكسون مؤخرا، أنها خسرت 22.4 مليار دولار في عام 2020، مقارنة بأرباح بلغت 14.3 مليار دولار في عام 2019. وجزء كبير من تلك الخسارة جاء بسبب خفض القيمة الاسمية لأصول بقيمة 19.3 مليار دولار، بما في ذلك عمليات غاز طبيعي استحوذت عليها الشركة عندما كانت أسعار الطاقة أعلى مما هي عليه الآن بكثير.

بدورها، قالت شركة بريتش بتروليوم مؤخرا، إنها خسرت 5.7 مليار دولار العام الماضي، في أول خسارة لها منذ 10 سنوات. وكانت الشركة حققت أرباحًا قدرها 10 مليارات دولار في عام 2019، والآن تقوم بإلغاء ما لا يقل عن 10 آلاف وظيفة من أصل قوة عاملة تضم حوالي 70 ألف شخص، وبيع شركات بحوالي 25 مليار دولار قررت أنها لم تعد بحاجة إليها.

أما شركة كونوكو فيليبس -وهي أكبر منتِج أميركي مستقل- فقد خسرت 2.7 مليار دولار خلال العام، بينما قالت شركة شيفرون في يناير/كانون الثاني إنها خسرت 5.5 مليارات دولار، بعد تحقيقها أرباحا بلغت 2.9 مليار دولار في 2019.

ومع ذلك، حاول المسؤولون التنفيذيون في شركات النفط إبداء نبرة متفائلة عند الحديث عن المستقبل، بحجة أن أعمالهم ستعاود الازدهار في عام 2021 مع تسارع توزيع اللقاحات وتعافي النشاط الاقتصادي من براثن الجائحة.

وقال دارين وودز، الرئيس التنفيذي لشركة إكسون، الذي يتجنب في العادة المؤتمر الهاتفي ربع السنوي للشركة مع محللي وول ستريت، في المكالمة "نرى المزيد من الفرص في المستقبل. أشعر بالرضا عما نحن عليه اليوم. عندما ألقي نظرة على الربع الأول، أرى أننا متقدمون بالفعل عن المكان الذي اعتقدنا سابقا أننا سنكون فيه".

وخلال معظم العام الماضي، لم يظهر المستثمرون حماسا تجاه شركة إكسون، وامتلأ وول ستريت بالشائعات بأن الشركة ستخفض توزيع أرباحها للحفاظ على السيولة. وانخفض سعر السهم بمقدار النصف تقريبا منذ أوائل يناير/كانون الثاني الماضي، إذ انحدر إلى 31 دولارًا في نوفمبر/تشرين الماضي، في أدنى مستوى له منذ ما يقرب من 20 عاما.

غير أن سعر سهم إكسون صعد مرة أخرى إلى قرابة 46 دولارًا، مما يرجع بالأساس إلى تعافي أسعار الطاقة بقوة في الأسابيع الأخيرة. وارتفعت أسعار النفط بنحو 10% هذا العام، كما تسببت العاصفة الثلجية في الشمال الشرقي في ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي نظرا لاستخدامه في تدفئة المنازل والشركات. والآن يبدو توزيع أرباح إكسون آمنًا. وبصرف النظر عن عمليات التخفيض، حققت شركة إكسون ربحًا صغيرًا في الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام.

من جانبه، قال مايكل سي لينش -رئيس الأبحاث الإستراتيجية في الطاقة والاقتصاد- قال "لقد ذهبت هذه الصناعة إلى الجحيم ثم عادت، نجوا تقريبا من أسوأ الظروف التي واجهوها على الإطلاق، ونحن من الآن نتطلع لأشياء جميعها مؤكد تقريبا في ما يتعلق بالسعر والطلب".

وتوقع بنك غولدمان ساكس ارتفاع أسعار النفط بمقدار 10 دولارات أخرى للبرميل، لتصل إلى 65 دولارًا بحلول يوليو/تموز. وسيكون هذا انتعاشًا رائعًا بعدما ظلت الأسعار أقل من نصف ذلك السعر خلال معظم عام 2020، رغم أن هذا سيظل أقل بكثير من الأسعار منذ 10 سنوات أو نحوها حينما تجاوز برميل النفط 140 دولارًا وحققت شركات النفط أرباحا قياسية.

ورغم أن الظروف بادية بالتحسن في الوقت الحالي، فإن آفاق الصناعة تظل غير مؤكدة. فبسبب ظهور سلالات جديدة لفيروس كورونا، ليس من الواضح مدى السرعة التي ستنجح فيها الولايات المتحدة وأوروبا والاقتصادات الكبرى الأخرى في السيطرة على انتشار الفيروس، ثم إن هناك الأسئلة الكبرى التي تتعلق بتغير المناخ.

الرئيس التنفيذي لشركة بريتش بتروليوم -برنارد لوني- دفع شركته إلى الاستثمار بكثافة في مجالات مثل شركات مزارع الرياح وإنتاج الهيدروجين بهدف التحضير لعالم يستخدم كميات أقل من النفط والغاز، لكنه أقر مؤخرا بأن عائد بعض هذه الاستثمارات ربما لا يأتي حتى ثلاثينيات هذا القرن، وأن الشركة ستظل معتمدة على النفط والغاز لتحقيق أرباحها لبعض الوقت.

ومع ذلك، قال لوني في مقابلة إنه يرحب بالتزام الرئيس جو بايدن بمكافحة تغير المناخ. وكان الرئيس الجديد قد وقع أوامر تنفيذية لتوجيه الحكومة برفع معايير الاقتصاد في الوقود والحد من التنقيب عن النفط والغاز في الأراضي الفدرالية.

وقال لوني "هذه أحد الأشياء الجيدة لكونك شركة تمر بمرحلة انتقالية".

أما إكسون فقد اتخذت مسارا مختلفا. وحتى رئيسها التنفيذي بدا وكأنه يعترف بأن الصناعة في طريقها لمواجهة اضطراب أكبر.

وقال وودز للمحللين "لا نعرف إلى أين ستتجه الأسعار. خطتنا هي إعادة بناء الميزانية العمومية حتى نتمكن من المضي قدمًا لامتصاص أي صدمات قادمة في المستقبل".

 © مؤسسة نيويورك تايمز 2021


(تنويه: في نسخة سابقة من هذا المقال ذُكر أن شركة بريتش بتروليم تقوم بإلغاء "ما لا يقل عن 00 آلاف وظيفة"، والصواب أن الشركة تقوم بإلغاء "ما لا يقل عن 10 آلاف وظيفة".)

المصدر : نيويورك تايمز

المزيد من ريادة
الأكثر قراءة