بالمال والإسراف.. تحارب الصين من أجل استقلالها في رقائق الكمبيوتر

خط إنتاج في تسينغون وهي شركة ناشئة لتصنيع الشرائط والمواد اللاصقة عالية التقنية لرقائق الكمبيوتر وتضم الشركة الآن 36 موظفا (غيل سابري-نيويورك تايمز)
خط إنتاج في تسينغون وهي شركة ناشئة لتصنيع الشرائط والمواد اللاصقة عالية التقنية لرقائق الكمبيوتر وتضم الشركة الآن 36 موظفا (غيل سابري-نيويورك تايمز)

قضى ليو فينغفينغ أكثر من عقد من الزمان في واحدة من أبرز شركات التكنولوجيا في العالم قبل أن يدرك من أين تؤكل الكتف في الصين.

إن رقائق الكمبيوتر هي عصب وجوهر جميع الأجهزة الإلكترونية التي تخرجها مصانع ذلك البلد، ومع ذلك يتم تصميمها وابتكارها في الأغلب في الخارج، وتغدق الحكومة الصينية المال الآن على أي شخص يمكنه المساعدة في تغيير ذلك.

لذلك ترك ليو (40 عاما) وظيفته العام الماضي في "فوكسكون" (Foxconn)، ذلك العملاق التايواني الذي يقوم بتجميع أجهزة آيفون في الصين لشركة آبل (Apple)، لقد وجد المنتج الخاص، وهو عبارة عن شرائط رقيقة عالية الجودة ومواد لاصقة لمنتجات الرقائق، وسرعان ما جمع 5 ملايين دولار.

واليوم، يعمل في شركته الناشئة 36 موظفا، معظمهم في محور التكنولوجيا في شينزهين، ويهدف إلى بدء الإنتاج الضخم العام المقبل.

وقال ليو "في السابق، ربما كان عليك أن تتوسل لجدك وتلجأ للجدة من أجل المال، الآن يكون لديك عدد قليل من المحادثات فقط، ثم يأمل الجميع أن يتم تدشين المشاريع في أقرب وقت ممكن".

إن الصين في خضم تعبئة جماهيرية من أجل السيطرة على الرقائق، وهو مسعى يمكن أن تبدو أهدافه متسرعة ومستحيلة -على الأقل حتى تتحقق- مثله مثل إرسال مركبات إلى القمر أو الهيمنة على الميداليات الذهبية الأولمبية، ففي كل ركن من أركان البلاد يدخل المستثمرون ورجال الأعمال والمسؤولون المحليون في حالة محمومة من أجل رفع قدرات أشباه الموصلات الكهربائية، وذلك استجابة لنداء من زعيم الدولة شي جين بينغ، للاعتماد بشكل أقل على العالم الخارجي في التقنيات الرئيسية.

وبدأت جهودهم تؤتي ثمارها، لكن لا تزال الصين بعيدة عن استضافة منافسين حقيقيين لعمالقة الرقائق الأميركية مثل "إنتل" (Intel) و"نفيديا" (Nvidia)، ويتأخر مصنعوها لأشباه الموصلات 4 سنوات على الأقل عن ريادة تايوان في المجال.

ومع ذلك، تعمل الشركات المحلية على توسيع قدرتها على تلبية احتياجات البلاد، ولا سيما بالنسبة للمنتجات مثل الأجهزة الذكية والمركبات الكهربائية التي تحتاج متطلبات أكثر تواضعا عن أجهزة الكمبيوتر العملاقة والهواتف الذكية فائقة التطور.

يقول ليو مؤسس تسينغون ورئيسها التنفيذي "في السابق ربما كان عليك أن تتوسل لجدك وتلجأ للجدة من أجل المال" لكن الآن يتنافس المستثمرون من أجل الانضمام إلى شركتنا (غيل سابري-نيويورك تايمز)

قد تكون الحملة المشحونة وراء الرقائق واحدة من أكثر الآثار الباقية لسياسات الرئيس دونالد ترامب التجارية المائلة للعراك مع الصين، فمن خلال تحويل اعتماد تلك البلاد على الرقائق الأجنبية إلى هراوة لضرب شركات مثل هواوي (HUAWEI) جعلت الإدارة رجال الأعمال والسياسيين الصينيين عازمين على عدم اصطيادهم أبدا بهذه الطريقة مرة أخرى.

لكن مع قيام بكين بتوسيع طموحاتها في مجال أشباه الموصلات فإنها تعد نفسها أيضا لإخفاقات محتملة أكبر، وتزيد حجم الأموال التي قد تخسرها في هذه العملية، لقد جنحت العديد من مشروعات الرقائق مؤخرا بسبب تجميد التمويل وسوء الإدارة، وقد حذرت "تسينغهوا يوني غروب" (Tsinghua Unigroup) -وهي مجموعة إنتاج رقائق تدعمها الدولة- هذا الشهر من أنها معرضة لخطر التخلف عن سداد ما يقارب 2.5 مليار دولار من السندات الدولية.

وبطريقة ما، تأمل الصين في تحقيق نفس النوع من الانطلاق الذي ساعدها على التقدم، من تصنيع الألعاب البلاستيكية إلى إتقان الألواح الشمسية.

وقال جاي غولدبيرغ مستشار لصناعة التكنولوجيا والمدير التنفيذي السابق لشركة "كوالكوم" (Qualcomm) إنه في حالة أشباه الموصلات "يبدأ ذلك النموذج في الانهيار قليلا". إن تطوير هذه التقنية باهظ التكلفة، فقد أمضى اللاعبون الراسخون عقودا في تجميع تلك المعرفة.

وأشار غولدبيرغ إلى أن أوروبا كان لديها ذات يوم العديد من شركات الرقائق "المذهلة"، ويعد صانعو الرقائق في اليابان روادا في بعض المنتجات المتخصصة، لكن القليل من الناس يمكنه تسميتهم مبتكرين جريئين.

وقال إن "وجهة نظري هي أن هناك سلما ما، والصين تطلع عليه"، لكن "من غير الواضح ما هي النتيجة التي سيتوصلون إليها".

لقد بدأ شغف بكين الأخير بالرقائق مع إنشاء صندوق استثماري عملاق يركز على الرقائق في عام 2014، حيث وضعت الحكومة هدفا شامخا: على الصين إنتاج 40% من الرقائق التي تستهلكها بحلول عام 2020.

لكن لم يحدث ذلك، ويقدر محللو "مورغان ستانلي" (Morgan Stanley) أن العلامات التجارية الصينية اشترت 103 مليارات دولار من أشباه الموصلات العام الماضي، 17% منها من البائعين المحليين، ويتوقعون أن ترتفع الحصة إلى 40% في عام 2025، وهي أقل بكثير من هدف الحكومة البالغ 70%.

وقد واصلت الصين المضي قدما باضطرار متجدد بسبب هجوم الولايات المتحدة على شركة هواوي بطل التكنولوجيا الصيني، والتي تم منعها من شراء رقائق أميركية أو حتى رقائق مصنوعة باستخدام برمجيات وأدوات أميركية.

وفرضت وزارة التجارة الأميركية قيودا مماثلة هذا الشهر على الصادرات على شركة تصنيع الرقائق الأكثر تقدما في الصين "شركة تصنيع أشباه الموصلات الدولية"، مشيرة إلى مخاوف بشأن علاقاتها العسكرية، غير أن الشركة نفت أن يكون لمنتجاتها أي استخدام عسكري.

وهكذا، أصدرت الصين هذا العام إعفاءات ضريبية جديدة للرقائق، بما في ذلك إعفاء لمدة 10 سنوات من ضريبة الشركات، وإعفاء على واردات المدخلات من الرسوم الجمركية.

واستثمرت الصناديق المدعومة من الدولة في كل من الشركات الناشئة والشركات المتداولة في البورصة، بما في ذلك عندما أدرجت أسهم "شركة تصنيع أشباه الموصلات الدولية" في شنغهاي في يوليو/تموز.

وفي اجتماع رفيع المستوى حول الاقتصاد في ديسمبر/كانون الأول كرس قادة الحزب الشيوعي الاعتماد على الذات تكنولوجيا، كأحد "الأصول الخمسة" للتنمية الاقتصادية في البلاد.

ومع ذلك، فإن الاكتفاء الذاتي الكامل في الرقائق يعني إعادة إنشاء كل جزء من سلاسل التوريد المطولة لبعض أكثر التقنيات تعقيدا على وجه الأرض، وهي مهمة يبدو أنها تؤدي إن لم يكن إلى الجنون فإلى الإسراف على الأقل.

اختبار المواد اللاصقة في معمل بشركة تسينغون وقد ساهمت سياسات الرئيس السابق ترامب في دفع الصين إلى صناعة وتطوير رقائقها محليا (غيل سابري-نيويورك تايمز)

ووفقا لتحليل أجرته مجلة الصين الاقتصادية الأسبوعية، وهي مجلة تابعة للجريدة الرسمية للحزب الشيوعي "الناس" اليومية، فقد ارتفع عدد الشركات المرتبطة بالرقائق في الصين بمقدار 58 ألف شركة بين يناير/كانون الثاني وأكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، أو ما يقارب 200 شركة في اليوم، ولاحظت المجلة أن بعضها كان في التبت، وهو ليس مكانا مرتبطا تقليديا بأحدث التقنيات.

وقال جيمي غودريتش نائب الرئيس للسياسة العالمية في رابطة صناعة أشباه الموصلات، وهي مجموعة تمثل شركات الرقائق الأميركية "حتى وقت قريب جدا -هو هذا العام- كان الهدف هو: بدعم من الدولة أن أصعد في سلم إضافة القيمة، تخصص حيث تتمتع الصين بميزة نسبية، لكن حاول ألا تسقط في حفرة عميقة وأنت تحاول بناء كل شيء بنفسك".

وقال غودريتش إنه الآن "من الواضح جدا أن تشي جين بينغ يدعو إلى سلسلة توريد محلية زائدة عن الحاجة، وهكذا فإن قواعد الاقتصاد والميزة النسبية والكفاية الإنتاجية لسلسلة التوريد قد تم التخلص منها بشكل أساسي".

إن الحكومة واعية لتلك المخاطر، فقد غطت المنافذ الإخبارية التي تديرها الدولة بإسهاب عمليات التوقف عن العمل الأخيرة في إنتاج أشباه الموصلات، والرسالة إلى الشركات الناشئة الأخرى: عليك ألا تفسدي الأمر.

© مؤسسة نيويورك تايمز 2021

المصدر : نيويورك تايمز

المزيد من ريادة
الأكثر قراءة