السباقات رقمية وكذلك الإعلانات.. لكن المال حقيقي!

سائق سيارة رقم 11 ضمن فريق فيديكس، والذي يقود سيارة تويوتا يصطدم أثناء سباق افتراضي يوم الثالث من مايو/أيار 2020 على طريق دوفر السريع الافتراضي (تصوير كريس جرايثين/غيتي)
سائق سيارة رقم 11 ضمن فريق فيديكس، والذي يقود سيارة تويوتا يصطدم أثناء سباق افتراضي يوم الثالث من مايو/أيار 2020 على طريق دوفر السريع الافتراضي (تصوير كريس جرايثين/غيتي)

يتطلب الأمر أكثر من مجرد ملء الخزان بالبنزين لتشغيل سيارة سباق.

سوف تحتاج إلى المال، والمال يتطلب عقود رعاية، والرعاة يريدون جمهورا شغوفا يمكن تحويله إلى جمهور مستهلك.

كل ذلك توقّف بسبب أزمة كوفيد-19، حيث أُلغيت جميع سباقات الرياضات الميكانيكية في مختلف أنحاء العالم منذ أوائل العام الماضي. وبسبب نقص التمويل، واجهت الفرق والحلبات ومنظمو السباقات أزمة غير مسبوقة.

أدى ذلك إلى ظاهرة جديدة، حيث تحوّلت السباقات إلى العالم الافتراضي. وفي هذه السباقات التي تحاكي الواقع بجودة عالية تخضع السيارات إلى قوانين الفيزياء، وتتسابق على مسارات مطابقة لحلبات السباق الحقيقية.

في تجربة جديدة، عرضت قناتا "إن بي سي" (NBC) و"فوكس" (FOX) سباقات افتراضية بدلا من السباقات الحقيقية التي توقفت بسبب الجائحة. ولم يكن أحد يعلم حينها إذا كانت السباقات الرقمية قادرة على جذب المشاهدين وتحقيق أرباح للشركات الراعية.

تقليديا، تشكل سيارات السباق واجهة إعلانية مربحة، لأن الجمهور يندفع تلقائيا إلى استهلاك زيت المحرك الذي تستخدمه السيارة الفائزة. لكن هل يمكن لسيارة سباق افتراضية أن تساعد في ترويج أحد أنواع الزيوت، وهي لا تعمل بالزيت ولا تملك محركا من الأساس؟

دانيال سواريز، سائق السيارة رقم 96 كومسكوب تويوتا يتعطل أثناء سباق “إي ناسكار” (eNASCAR) الافتراضي على طريق دوفر السريع الافتراضي الدولي بولاية ديلاوير الأميركية في الثالث من مايو/أيار 2020 (كريس غرايثين/غيتي) – ملاحظة من المحرر: تم إنشاء هذه الصورة بواسطة الكمبيوتر داخل اللعبة (Getty)

بعد 10 أشهر على انطلاق هذه التجربة، يبدو أن سباقات السيارات الافتراضية بدأت تؤتي ثمارها، حيث ساعد الجمهور على شاشات التلفزيون وشبكة الإنترنت في إنقاذ موسم 2020.

بدأت هذه السباقات توفر بعض المداخيل للفرق، وتمنح الرعاة فرصا جديدة لتسويق منتجاتهم وتحقيق الأرباح، وتجذب المزيد من الشباب، وهي الفئة التي واجهت الرياضات الميكانيكية صعوبة كبيرة في استقطابها لفترة طويلة.

قريبا، ستواجه السباقات الافتراضية الاختبار الحقيقي، وهو القدرة على أن تحافظ على الجمهور والرعاة عندما تُستأنف السباقات الحقيقية وتعود الجماهير إلى المدرجات.

في الواقع، لا تُعتبر سباقات السيارات في ألعاب الفيديو ظاهرة جديدة، فقد قدمت أتاري سباقي "إندي 500″ و"ستريت ريسر" منذ عام 1977، وفي تسعينيات القرن الماضي، ظهرت سباقات فورمولا 1 بصورة أفضل. وقد تطور غرافيك هذه الألعاب خلال السنوات اللاحقة بفضل "إكس بوكس" و"بلاي ستيشن" و"نينتندو". والآن، وصل تطور الصورة إلى درجة أنك قد لا تلاحظ للوهلة الأولى أن السباق غير حقيقي.

يمكن للحواسيب المكتبية أيضا أن تُشغّل بعض السباقات الافتراضية الأكثر تطورا، مثل "آي ريسينغ"، وهو المنصة التي اختارها عدد من الجهات المنظمة للسباقات، مثل "ناسكار" و"إمسا" و"إندي كار" و"دابليو سيريز". واختارت فورمولا 1 منصة خاصة بها طورتها شركة "كودماسترز".

بدأ عدد من السائقين المحترفين يتدربون بشكل فردي على سباقات السيارات الافتراضية، ويمكنهم بكل تأكيد أن يتعرفوا على مسار السباق لأن الحلبات مطابقة تماما للواقع. تعتمد بعض الفرق أيضا برامج محاكاة خاصة لضبط إعدادات سياراتها قبل بدء السباقات.

يمكن لهذه السباقات الافتراضية أن تُطوّر مهارات سائقيها بشكل لا يصدّق، وهذا ما حصل مع ويليام بايرون، الذي انتقل من عالم الألعاب الإلكترونية إلى عالم السباقات الحقيقية.

ويملك بايرون، وهو أحد السائقين المحترفين في سباقات ناسكار، فريقا مشاركا في سباقات "إي ناسكار" الافتراضية، وقد فاز بمبلغ 100 ألف دولار في سباق "إي ناسكار كوكا كولا آي ريسينغ 2020".

بدأت الشركات المصنعة لسيارات السباق تلاحظ حجم التطور الذي بلغته السباقات الافتراضية، وخطفت شركة شيفروليه الأضواء عندما قدمت سيارتها "كورفيت سي 8 آر" ضمن سباقات إمسا الافتراضية في سبتمبر/أيلول الماضي. وتسمح شيفروليه -مثل شركات أخرى، منها مازدا وماكلارين- باستخدام علامتها التجارية في عشرات ألعاب الفيديو، مثل "فورزا" وبروجكت كارز" و"غران توريزمو سبورت".

ويقول كيفن كيلي، أحد المتحدثين باسم شركة شيفروليه، إن لاعبي سباقات السيارات الافتراضية لا يمثلون السوق الأمثل لترويج سيارة كورفيت التي يبلغ ثمنها 60 ألف دولار، "لكنها فرصة لجعلهم أوفياء لعلامتنا التجارية".

ويرى براين كوك، الذي عينته "جو غيبس ريسينغ" في 2009 للتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي، أن فكرة تنظيم السباقات الافتراضية لم تتبلور بشكلها الحالي إلا منذ 3 سنوات، حين بدأ التقارب بين عالم التكنولوجيا والمنصات الاجتماعية ومنظمي السباقات الحقيقية. ويضيف كوك أن سباق "آي ريسينغ" الافتراضي بدأ يتطور قبل 4 سنوات حين تم تنظيم دوري مغلق بين سائقي "جو غيبس ريسينغ" المحترفين والكمبيوتر.

مايكل ماكدويل يقود سيارة فورد رقم 34 ضمن سباق آي ريسينغ على طريق دوفر السريع الافتراضي (تصوير كريس جرايثين/غيتي)

قبل عام من الجائحة، أصبحت "آي ريسينغ" جزءا رسميا من برنامج التسويق في "جو غيبس ريسينغ"، حيث قدمت للرعاة جمهورا أصغر سنا ومجموعة بيانات على مواقع التواصل الاجتماعي مقابل مبالغ محددة.

يقول كوك "كنا في حاجة إلى المال من أجل أن ندفع للسائقين، وقلنا إنه يجب أن نغطي احتياجاتنا من هنا".

حققت السباقات الإلكترونية ذروة المشاهدة في 22 مارس/آذار الماضي، حين نُقلت سباقات "إي ناسكار" و"فورمولا 1 الافتراضية" على شاشات التلفزيون عوضا عن السباقات الحقيقية التي تم إلغاؤها. جذب سباق "إي ناسكار" 910 آلاف مشاهد، أي أقل بـ3 ملايين مشاهد من العدد الذي كان يتابع سباقات ناسكار الاعتيادية، لكن أكثر بـ400 ألف مشاهد من العدد الاعتيادي لمشاهدي السباق الافتراضي.

ويقول براد زاغر مدير الإنتاج والعمليات في قناة فوكس سبورت "بدأنا حينها ندرك أن ذلك قد يكون بديلا جيدا لسباقات ناسكار".

جذب أول سباق فورمولا 1 بديل -وهو سباق جائزة البحرين الكبرى الافتراضي- 4 ملايين مشاهد على شبكة الإنترنت والتلفزيون، وهو أقل بكثير من المعدل العادي للمشاهدات خلال السباقات الواقعية، والذي يبلغ 38 مليون متابع، لكن أكثر من معدل مشاهدات السباقات المحترفة الافتراضية، والذي كان يصل إلى 1.8 مليون متابع.

وصرّح المسؤول عن المبادرات التجارية الرقمية والألعاب الإلكترونية في فورمولا 1جوليان تان بأن العام الماضي "خلق واقعا جديدا على مستوى متابعة سباقات فورمولا 1 الإلكترونية". وأضاف "شهدنا مستوى مشاهدات قياسيا على الصعيد الرقمي عندما عدنا للسباقات الواقعية في النمسا، كما شهدت بطولتنا الرسمية الافتراضية في الشتاء الماضي أعدادا قياسية".

ورغم أن ارتفاع معدلات المشاهدة على التلفزيون يُظهر بوضوح ما حققته السباقات الافتراضية من تطور، فإن ذلك ليس إلا جزءا يسيرا من الانتشار الذي حققه في الآونة الأخيرة. ويقول مدير موقع "آي ريسينغ.كوم" للسباقات الافتراضية أنتوني غاردنر إن عدد المتابعين على شبكة الإنترنت -وتحديدا على يوتيوب وفيسبوك وتويتش- بلغ 400 ألف متابع. والأهم من ذلك هو التفاعل المباشر خلال السباقات، من خلال التغريدات والإعجابات والتعليقات.

ويوضح غاردنر في هذا السياق "يُحصى عدد المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي خلال السباقات بالملايين".

فجأة أصبح جمهور السباقات الافتراضية ظاهرة تلفت الانتباه، لكن الشركات الراعية ما زالت تحاول اكتشاف أفضل السبل لاستثمارها. وينتهج الرعاة مقاربات متنوعة، لكنها تصب جميعا في هدف واحد، وهو استقطاب هذا الجمهور الجديد الذي تصعب السيطرة عليه.

تقلصت قاعدة جمهور سباقات ناسكار منذ 2005 لأن أغلبه من كبار السن، لكن السباقات الافتراضية تجذب جمهورا أقل سنا وأكثر تنوعا عرقيا، وهو ما يسيل لعاب الرعاة ومنظمي السباقات.

يقول مسؤول الرعاية في شركة فالفولين لزيوت المحركات باتريك دورتي "من الصعب التعامل مع الفئة العمرية بين 18 و35 عاما".

تعاقدت شركة فالفولين مع السائق الشهير المشارك في سباقات "إي ناسكار" الافتراضية باركر كليغرمان، قبل أن تبدأ أزمة كوفيد-19، ويؤكد دورتي أن "المشاهدات والمتابعات تخطت ما كان منتظرا. كنا محظوظين جدا وسنجدد التعاقد مع هؤلاء الشباب في 2021".

ورغم أنها الشواية الرسمية لسباقات ناسكار، فإن "بيت بوس" لم تكن قادرة في السابق على رعاية أحد المشاهير، لأن عقد رعاية سائق معروف قد يصل إلى 35 مليون دولار. الآن، تغيّر الأمر مع سباقات "إي ناسكار" الافتراضية.

يقول مدير علاقات الرعاية في شركة "بيت بوس" كارلوس باديلا إن "ذلك يعطينا الفرصة لتوقيع عقود رعاية من أعلى مستوى. هذا يسمح لنا بأن نكون على المباشر في بث إذاعي داخل السيارة، إن جاز التعبير، مقابل مبلغ معقول من المال لشركة من حجمنا".

وعلى حد تعبيره "يمكن أن تدفع مبلغا من 4 أرقام في السباق الواحد ليتابعك مليون مشاهد، إنها صفقة جيدة".

 © مؤسسة نيويورك تايمز 2021

المصدر : نيويورك تايمز

المزيد من ريادة
الأكثر قراءة