اجعل طفلك يعمل (فذلك صحي بالفعل)

السماح للأطفال بمحاولة مواجهة تحديات الحياة الواقعية هو أفضل طريقة لهم لبناء كفاءة ذاتية الصحية. (غيتي إيميجز)
السماح للأطفال بمحاولة مواجهة تحديات الحياة الواقعية هو أفضل طريقة لهم لبناء كفاءة ذاتية الصحية. (غيتي إيميجز)

لقد توسلت إلى ابني البالغ (12 عامًا) لمساعدتي في مهمة أثناء الوباء المتمثلة في تعلم صبغ شعري في المنزل. كان بإمكاني أن أفعل ذلك بنفسي، لكنني تعلمت أن الفرص الصغيرة للشعور بالنفع والنجاح مفيدة للصحة العقلية للأطفال، وهو ما انسجمت معه بشكل خاص في ظروفنا الحالية.

من بين الأفكار الأخرى التي جربتها خلال تلك الأشهر الطويلة؛ السماح لأطفالي بالتدرب على مهارات الهاتف من خلال جعلهم يتصلون لطلب الوجبات السريعة، ومطالبتهم بالمساعدة في إعداد تركيب مقوي الإنترنت الهوائي. وفي بعض الحالات، لربما كان من الأسرع القيام بهذه الأشياء من دون "مساعدتهم"، لكنني أفعل ذلك عن عمد لإفادة أطفالي.

قد يبدو هذا وقتًا غريبًا أن نطلب من الآباء اتباع نهج جديد ليس لدينا ما يكفي لموازنته، لكن التركيز على مساعدة أطفالنا في تطوير ما يسميه علماء النفس "الفعالية الذاتية"، أو اعتقاد الشخص بأنه قادر على تلبية المهام أو التحديات التي تواجهه بنجاح؛ يمكن أن يؤدي إلى فوائد فورية.

ولكن، هل يمكن لمثل هذه المهام الصغيرة أن تغرس حقًا إحساسًا بالتحكم في الأمور الآن، في وجود الوباء؟ يقول الخبراء إن ذلك من الممكن؛ فالسماح للأطفال بمحاولة مواجهة تحديات الحياة الواقعية هو أفضل طريقة لهم لبناء تلك الكفاءة الذاتية الصحية. وسمى ألبرت باندورا، عالم النفس بجامعة ستانفورد، الذي طور لأول مرة مفهوم الفعالية الذاتية في السبعينيات؛ هذه الإنجازات المهمة من منظور الذات بأنها "تجارب الإتقان".

وقالت أستاذة علم النفس الإيجابي بجامعة ملبورن بأستراليا ليا ووترز إن الفعالية الذاتية "جزء أولي من صيغة الصحة العقلية الجيدة، لأنه من دون هذا الإحساس بالفعالية، ومن دون هذا الاعتقاد أنه بإمكاني إنجاز الأمور، يمكنك حقًا أن ترى بسهولة كيف أن شابا أو حتى شخص راشد لا يفقد ثقته في نفسه وحسب، بل يفقد كذلك الدافع للمضي قدمًا".

إذ إن البشر يحيون على الشعور بالتحكم والقدرة؛ وقالت إن تدني الفعالية الذاتية، أو العجز المكتسب، مرتبط بالقلق والاكتئاب وانعدام الأمل وقلة الحافز، في حين ترتبط الفعالية الذاتية المرتفعة بالرضا عن الحياة والثقة بالنفس والتواصل الاجتماعي وعقلية النمو.

ولا يجب أن تكون تجارب الإتقان بالضرورة إنجازات عملاقة، فقد أشارت ووترز إلى أنها أشياء صغيرة، مثل أن يكمل الأطفال "بناء ألعاب تركيب كانت صعبة بعض الشيء"، أو حزم حقائب الظهر الخاصة بهم، أو تمشية الكلب بمفردهم.

وتقترح أن يصبح الآباء مراقبين يلحظون نجاحات الطفل ويسردونها، حيث يساعد هذا التحول المقصود نحو ملاحظة المكاسب الصغيرة والاعتراف بها في اتباع نهج إيجابي، كما أنه يساعد الأطفال أيضًا في استيعاب الشعور بقدراتهم المتنامية.

وقالت "يمكننا أن نكتشف تلك الأشياء ونقر لهم بقول لقد فعلت ذلك جيدًا؛ لقد فعلت ذلك بنفسك، أو لم تكن بحاجة إلى نفس القدر من المساعدة مني هذه المرة".

وتؤدي هذه النجاحات إلى بناء ما أسمته "حسابًا مصرفيًّا" من المشاعر الفعالة للأطفال يمكنهم الاعتماد عليها في المرة القادمة التي يواجهون فيها تحديًا، والتي حينها يمكن للوالدين تذكير الطفل بالقول "كما تعلم، لقد كنت آخر مرة تشعر أيضا بهذه الطريقة، ولكن انتهى بك الأمر أن أصبحت قادرًا على القيام بكل ذلك بمفردك تماما".

وقال نيد جونسون، المؤلف المشارك في كتاب "الطفل المدفوع ذاتيًا.. العلم والإحساس بإعطاء أطفالك المزيد من التحكم"؛ إن الدافع إلى "مساعدة" أطفالنا من خلال تقديم المزيد من أجلهم هو أحيانًا أمر يتعلق بنا نحن أكثر مما يتعلق بأطفالنا.

وقال جونسون إن الأبحاث أظهرت أنه عندما يقفز الآباء لمساعدة الأطفال الذين يعانون من مشكلة محبطة، فإن هذا التدخل يمكن أن يقلل من قلق الوالدين، بينما يترك قلق الطفل مرتفعًا. ذلك أن الوالد القلق يكتسب إحساسًا بالسيطرة من التصرف بدل البقاء عاجزًا على الهامش، لكن الطفل لا يزال يشعر بعدم الكفاءة والتوتر.

وقد يكون من الصعب على الوالدين السماح لأطفالهم بالقيام بالمزيد، وربما بإرباك الأمور، عندما يتمكن أحد الوالدين من القيام بمهمة بشكل أسرع وأكثر فعالية. لكن الوباء قلل المخاطر في بعض المواقف العائلية الشائعة. على سبيل المثال، عندما يتعلم الأطفال عن بعد ولا يضطرون إلى ركوب الحافلة، يمكنهم تحمل مسؤولية إيقاظ أنفسهم. وإذا كان الطفل ينام أكثر من اللازم، فلن يكون الوالدان مضطرين للعب دور السائق؛ وقال جونسون إن الطفل وحده هو الذي سيتعرض للعواقب الطبيعية للتأخير، مما يسهل على الآباء التخلي عن بعض الرغبة في السيطرة.

و كورتني أكرمان، مؤلفة العديد من كتب علم النفس الإيجابي، تنصح الآباء بعدم الانتظار حتى تنتهي الأزمة الحالية لغرس المزيد من الفعالية الذاتية لدى الأطفال. نعم، قد يشبه العمل على تطوير المرونة في هذه الأوقات غير المتوقعة مثل عملية جرف الثلج، بينما لا يزال يتساقط -على حد قولها- لكن هذا حسن.

وقالت "اعتقد أن الدنيا تمطر ثلجا دائما؛ فالأمر صعب بشكل خاص الآن مع وجود الجائحة، لكن الدنيا مليئة بالتقلبات".

 © مؤسسة نيويورك تايمز 2021

المصدر : نيويورك تايمز

المزيد من ريادة
الأكثر قراءة