خبراء يجيبون.. لماذا يفقد مؤسسو الشركات الناشئة حماسهم بعد تضخم حجم أعمالهم؟

جيف بيزوس - بيل غيتس - جاك دورسي
مصير كل الشركات -تحديدا الواعدة في مجال التكنولوجيا- هو فتور الحماس لدى المؤسسين مع تقدم نجاحها (الجزيرة)

حركة التغييرات الأخيرة في كبرى الشركات العملاقة التي كانت يوما ما شركات ناشئة وموطن إلهام ودفع لمؤسسيها دفعت محللين إلى القول بأن مصير كل الشركات -تحديدا الواعدة في مجال التكنولوجيا- هو فتور الحماس لدى المؤسسين مع تقدم نجاحها وتميزها وتحول قيمتها إلى عشرات أو مئات أو حتى آلاف مليارات الدولارات في البورصة.

يقول المحلل المستقل روب إندرله "عندما تكبر شركة ما، تشهد تحولات هائلة وتنتقل من مجرد شركة صغيرة يعرف الجميع فيها بعضهم بعضا إلى مجموعة كبيرة لا يعرفون فيها أحدا".

وأضاف: "ينتقل الوضع من عمل ميداني إلى مهام تتركز خاصة على الجانب الإداري والسياسة الداخلية"، موضحا أن أصحاب الشخصيات الخلاقة والمواهب الإبداعية وروح القيادة يميلون إلى فقدان حماستهم مع تعاظم حجم المجموعة ومأسستها.

"أصحاب الشخصيات الخلاقة والمواهب الإبداعية وروح القيادة يميلون إلى فقدان حماستهم مع تعاظم حجم المجموعة ومأسستها"

فبمغادرته رئاسة "تويتر" (Twitter) هذا الأسبوع، انضم جاك دورسي إلى قائمة طويلة من مؤسسي مجموعات تكنولوجيا أميركية عملاقة في القطاع الرقمي تخلوا عن إدارة شركاتهم لينقلوا دفة القيادة إلى مديرين جدد يتمتعون غالبا بخبرة أطول.

فمن بيل غيتس "مايكروسوفت" (Microsoft) إلى جيف بيزوس "أمازون" (Amazon) مرورا بسيرغي برين ولاري بايج "غوغل" (Google) جميعهم تركوا مهام قيادة شركاتهم بعد إدارتها لسنوات عدة.

وبعد إصابته بسرطان البنكرياس، أكد ستيف جوبز استقالته من منصب المدير العام لمجموعة "آبل" (Apple) أغسطس/آب 2011، قبل بضعة أسابيع من وفاته، واختار تيم كوك لخلافته.

وما يعزز هذا المنحى انخراط المؤسسين -في أحيان كثيرة- في مشاريع أخرى؛ إذ يكرس بيل غيتس جل وقته منذ زمن بعيد لمؤسسته الخيرية التي أنشأها مع زوجته السابقة، في حين أن جيف بيزوس منخرط بقوة في شركته "بلو أوريجن" (Blue Origin) لاستكشاف الفضاء. أما جاك دورسي، فيظهر منذ زمن بعيد اهتماما بـ"البتكوين" (Bitcoin) والعملات الافتراضية عموما.

لكن تخليه عن منصب المدير العام لا يعني بالضرورة ابتعادا كاملا عن تويتر، فبعض رؤساء الشركات -من أمثال لاري بايج وسيرغي برين وجيف بيزوس- يحتفظون على سبيل المثال بموقع لهم في مجالس إدارة شركاتهم ولهم كلمة في التوجهات الإستراتيجية الكبرى.

وهذا من دون احتساب الحصص التي قد يكون رؤساء الشركات السابقون احتفظوا بها في المؤسسات التي أنشؤوها وفي محفظة أصولها؛ إذ تتشكل ثروة جيف بيزوس الضخمة بنسبة 10% من أسهم متداولة يملكها في أمازون، أي ما يقرب من 180 مليار دولار.

 الخبرة: ميزة أم عائق؟

ومن التبريرات المقدمة في أحيان كثيرة لتفسير الانسحاب، الحاجة إلى نقل المسؤولية لمديرين مخضرمين أكثر ومؤهلين بصورة أكبر لتولي المهام اليومية للمجموعات التي تبلغ قيمتها عشرات أو مئات أو حتى آلاف مليارات الدولارات في البورصة.

وينعكس هذا المنحى في المؤهلات الشخصية للأشخاص الذين اختيروا لخلافة المؤسسين المستقيلين، إذ إن أكثرية رؤساء الشركات الجدد أمضوا سنوات طويلة في التقدم داخل شركاتهم، من بينهم ساتيا ناديلا لدى مايكروسوفت أو سوندار بيشاي لدى "ألفابت"(Alphabet) المجموعة الأم لغوغل، وأندي جاسي لدى أمازون وباراغ أغراوال لدى تويتر.

"تعيين أخصائيين في الإدارة -أيا كانت درجة كفاءتهم- ليس خاليا من المخاطرة؛ لأن الشركة قد تفقد طابعها الابتكاري"

لكن تعيين أخصائيين في الإدارة -أيا كانت درجة كفاءتهم- ليس خاليا من المخاطرة؛ لأن الشركة قد تفقد طابعها الابتكاري، وفقا لإندرله.

وأوضح المحلل أن "المؤسس يتصرف في كثير من الأحيان خلافا لرغبة أعضاء مجلس الإدارة الذين لديهم دوافع مالية، لأنه يريد حماية شركته".

وتكمن المخاطرة في أن تصبح الشركة "بالية لأن المديرين المقبلين يركزون على أرباح مالية على المدى القصير، بدل الصمود الإستراتيجي على المدى الطويل".

مع ذلك، لم يأفل نجم أي من شركات التكنولوجيا العملاقة بعد مغادرة مؤسسيها، إذ حافظ نموها على وتيرته أو حتى تسارع.

استثناء زوكربيرغ

لكن مارك زوكربيرغ وهو الرئيس المؤسس لشركة "فيسبوك" (Facebook) التي تغير اسمها إلى "ميتا" (Meta) أكتوبر/تشرين الأول الماضي يشكل استثناء في هذا المشهد، إذ إنه متمسك بمنصب المدير العام للمجموعة العملاقة منذ تأسيسها سنة 2004.

ورغم تأدية مديرة العمليات شيريل ساندبرغ دورا كبيرا في السنوات الأخيرة، فإن زوكربيرغ يبقى وجه وصوت الشبكة الاجتماعية الرائدة عالميا.

ويثير زوكربيرغ بإحكام قبضته تساؤلات وانتقادات كثيرة، خاصة في ظل مواجهة فيسبوك إحدى أسوأ الأزمات في تاريخها خلال الأسابيع الأخيرة.

وقال إندرله إن زوكربيرغ "لم يتعلم يوما حقا كيف يكون مديرا عاما، واقترف أخطاء جسيمة عرّضت فيسبوك لخطر كبير"، معتبرا أن أي مدير مخضرم أكثر كان ليتصرف بصورة مغايرة.

المصدر : الفرنسية