يجلس الرئيس الأميركي دونالد ترامب على قمة واحدة من أكثر الإدارات الأميركية الطاردة لموظفيها وكبار مسؤوليها، فلم تكد تمرّ ثلاثة أسابيع على تسلمه منصبه حتى بدأ مسلسل استقالات كبار المسؤولين في إدارته؛ بدءاً بمستشاره للأمن القومي الجنرال مايكل فلين، ومرورا بوزير الخارجية ريكس تيلرسون ووزير العدل جيف سيشنز ومندوبة واشنطن بالأمم المتحدة نيكي هايلي، وانتهاءً بوزير الدفاع جيمس ماتيس الذي أحدثت استقالته وقعا كبيرا داخل أميركا وخارجها.

برنامج "بلا حدود" استضاف عضوة الحزب الجمهوري والخبيرة في وضع الإستراتيجيات رينا شاه للحديث في هذا الموضوع؛ إذ ليست مشاكل ترامب مع إدارته إلا نزرا يسيرا مقارنة بمشاكله مع الكونغرس بجمهورييه وديمقراطييه، ومع الإعلام وحلفاء واشنطن بأوروبا والعالم. حتى إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمّح -لأول مرة- إلى أن واشنطن لم تعد حليفا يوثق به بعد إعلانها فجأة سحب القوات الأميركية من سوريا.

انعدام البدائل
وبشأن سؤال عن لماذا اختار الحزب الجمهوري أصلا ترامب مرشحا رئاسيا؟ قالت شاه إن ما حصل هو أن أعضاء الحزب قرروا ترشيحه لكونهم فقط رأوه صاحب الحظ الأكبر في هزيمة المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، مع أنها شخصيا لم تكن ترى أدلة على أنه منافس جدي لها، ورغم ذلك فإن الغالبية العظمى من الشعب لم تصوت له وإنما فاز بالمجمع الانتخابي، والكثيرون الآن نادمون على اختياره.

وأضافت أنها لا ترى إلا قليلا جدا يستحق الإعجاب في أفعال ترامب، خاصة أنه كان قبل وصوله للحكم يبدي إعجابه بالدكتاتورية ويعلن مناهضته للصحافة الحرة، وهو يريد البقاء في السلطة بأي ثمن، وكل سياساته لا تعكس أنه جمهوري ولا أنه يهتم بحياة أفضل لجميع الشعب.

وبشأن ما إن كانت تعتزم الهجرة إلى الحزب الديمقراطي؟ قالت شاه إنها مؤمنة بأنها يمكنها أن تكون عنصرا تغييريا داخل حزبها الجمهوري وبالتالي لا تفكر في مغادرته، كما أن علاقتها به أقدم زمنيا من ترامب وستتمسك به من أجل ترسيخ القيم الأميركية ولأن الحزب بحاجة لأناس مثلها لإعادة تصحيح مساره، ثم إنها مقتنعة جدا بأن سياسات الديمقراطيين أكثر خطورة على البلاد.

ولدى سؤالها: هل يمكن للحزب الجمهوري أن يخوض الانتخابات الرئاسية القادمة بدون ترامب؟ أكدت شاه أن ما يحزنها هو أنه لا يوجد نجم جمهوري يمكن أن ينافس ترامب في ترشيحات الحزب، لأن قوة الرئاسة ومنصب الرئيس أمر يصعب تحديه لكون الناس يميلون للتصويت للرئيس الموجود، ويجب على من سينافس ترامب من الديمقراطيين أن يمتلك الكاريزما ويكون ذا مال وقادرا على هزيمته بإقناع الناس خطابيا، وربما يكون جو بايدن هو الديمقراطي المناسب لمنافسة ترامب.

خسائر جسيمة
وشددت شاه على أن سحب القوات من سوريا وتراجع الاقتصاد الأميركي بمستويات غير مسبوقة منذ الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن العشرين؛ جعلت الجمهوريين في المؤسسة الحاكمة قلقين من سياسات ترامب، وسيتضعضع موقفه عندما يفقد تأييدهم بقراراته العشوائية التي تعرض البلاد للخطر، خاصة أنه كانت هناك خسائر جسيمة للجمهوريين في انتخابات الكونغرس الماضية فتركت آثارا سيئة.

وبخصوص دوافع ماتيس في استقالته من وزارة الدفاع؛ أوضحت شاه أن الدافع الأكبر هو قرار ترامب بسحب القوات من سوريا دون استشارته، ولأن ماتيس -لكونه من الصقور- يريد البقاء في المناطق الساخنة لضمان أمن أميركا القومي، كما أنه يريد وضع إستراتيجية أمنية قبل الانسحاب لضمان المصالح الأميركية وهناك كثيرون من اليمين يؤيدونه. وهذا عكس ما يراه ترامب الذي قرر الانسحاب بناء على مكالمة مع الرئيس التركي أردوغان دون حتى موافقة الكونغرس لأنه يتخذ قراراته ارتجاليا.

وفي موضوع تعاطي ترامب مع قضية اغتيال جمال خاشقجي؛ اتهمت شاه الرئيس الأميركي بأنه لا يقف مواقف قوية من السعودية، ومواقف الشيوخ الجمهوريين في هذه القضية دليل على ذلك، فهم قلقون للغاية لكون الرئيس لا يقوم بما يجب تجاه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في موضوع خاشقجي، وهم بذلك يدافعون عن القيم الأميركية ويتساءلون: كيف نبقي علاقتنا طبيعية مع بلد يقطّع أوصال صحفي بوحشية لمجرد أنه عبّر عن رأيه؟

وأوضحت رينا شاه أن غالبية الشيوخ الجمهوريين استسلموا لكون ترامب وصهره جاريد كوشنر سيستمران في علاقتهما مع بن سلمان بالطريقة التي تروق لهما، وكثير من الشيوخ قلقون من ظلال هذه العلاقة -غير الواضحة المضمون- على مصالح البلاد، لكن عام 2019 سيقدم كثيرا من الأجوبة -بشأن المصالح العائلية لترامب وصهره- ستظهر من خلال التحقيقات التي يعتزم إجراءها النواب الديمقراطيون.