- أهداف الدساتير ووضعها في العالم العربي
- عوامل فساد الدساتير وسبل حمايتها وتفعيلها

- العلاقة بين القضاء والدستور ومخاطر الفساد

- موقع المساءلة وحقوق الإنسان في الدساتير

أهداف الدساتير ووضعها في العالم العربي

أحمد منصور
يحيى الجمل
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أحييكم على الهواء مباشرة من القاهرة وأرحب بكم في حلقة جديدة من برنامج بلا حدود. تلعب الدساتير دورا هاما في ترتيب العلاقة بين الحاكم والمحكوم لكن الدساتير في الدول العربية لها شأن آخر فهي تصاغ بالشكل الذي يريده الحاكم حتى أن بعضها يمنح الحاكم السلطات المطلقة أو يفصل الحكم عليه وعلى من شاء من أبنائه وربما أحفاده. غير أن الدساتير ليست دائما بنصوصها فقط وإنما بما يتم تطبيقه منها على أرض الواقع، فهناك دول بها دساتير لكنها تظل حبرا على ورق في ظل الأنظمة القمعية والمستبدة التي تحكم تلك الدول بينما هناك دول ليس بها دساتير مثل بريطانيا لكنها تحفظ العلاقة بين الحاكم والمحكوم وفق عقد اجتماعي يضمن المساواة ولو من الناحية الشكلية بين الناس. أما ما يحدث في بلادنا ودساتيرها فهذا ما نحاول التعرف عليه في حلقة اليوم في حوارنا مع أحد أبرز خبراء الفقه الدستوري في العالم العربي الدكتور يحيى الجمل. شارك الدكتور يحيى الجمل في صياغة دساتير عدد من الدول العربية منها قطر وأريتيريا وجزر القمر -ليست أريتيريا دولة عربية- شارك في إعداد الدستور المصري وقد صدرت له مؤلفات كثيرة منها ما يتعلق بالقانون والدستور، منها "الأنظمة السياسية المعاصرة" و "القانون الدستوري الكويتي"، "النظام الدستوري المصري"، "القضاء الإداري" ، "القضاء الدستوري"، "نظرية الضرورة في القانون الدستوري"، "حماية القضاء الدستوري للحق في المساهمة في الحياة" ومؤلفات أخرى. ولمشاهدينا الراغبين في المشاركة يمكنهم الاتصال بنا على أرقام هواتف البرنامج التي ستظهر تباعا على الشاشة 4888873 (974 +)، أو يكتبوا إلينا على موقعنا عبر شبكة الإنترنت. دكتور مرحبا بك.

يحيى الجمل: يا أهلا بك، يا مرحبا بكم.

أحمد منصور: بداية ما هو الدستور؟

يحيى الجمل: يا سيدي أنت في تقديمك يعني أوضحت معنى الدستور، الدستور هو الذي يحد سلطات الدولة، اختصاصات هذه السلطات، علاقتها ببعضها، علاقتها بالمواطن العادي وحقوق المواطن العادي في مواجهة سلطات الدولة.

أحمد منصور: لماذا توضع الدساتير؟

يحيى الجمل: لماذا؟ هذا سؤال بالغ الأهمية. متى بدأ وضع الدساتير في التاريخ الحديث؟ يمكن أقدم بلد عرف نظاما ديمقراطيا أو نظاما دستوريا حتى بغير نصوص، إنجلترا، والتطور في إنجلترا بدأ من سنة 1215 ما يقال له المغناكارتا أو العهد الأعظم، وبدأ التطور البطيء البطيء هذا التطور أخذ سمة معينة، الانتقاص من سلطة الملوك والإضافة إلى سلطة ممثلي الشعب، والممثلون دول كانوا محدودين في الأول وانتهى الأمر لغاية ما وصلنا..

أحمد منصور: إلى مجلس العموم البريطاني.

يحيى الجمل: إلى مجلس العموم البريطاني وانتهى دور مجلس اللوردات في سنة 1911 تقريبا انتهى نهائيا 1918 وأخذت المرأة حق الانتخاب واتسعت قاعدة هيئة الناخبين. النهارده مجلس العموم البريطاني هو الذي يملك كل شيء، حتى الفقراء الإنجليز يقولون إيه؟ إلا أن يجعل المرأة رجلا والرجل امرأة! وبعض فقهاء الإنجليز قالوا لا، حتى هذا يملكه، أن يعطي حقوق المرأة للرجل وأن يعطي حقوق الرجل للمرأة فيحول الشخصية القانونية للمرأة إلى رجل والرجل إلى امرأة. على كل حال دي من بره المبررات. لكن أول دستور وضعي عرفته يعني..

أحمد منصور: العصر الحديث.

يحيى الجمل: العصر الحديث كان الدستور الأميركي وده وضع في سنة 1781..

أحمد منصور: بعد نهاية الحرب الأهلية.

يحيى الجمل: بعد نهاية الحرب الأهلية واستقلال الولايات، ولما اجتمعوا الحاجة العجيبة أن الاجتماع اللي انبثق عنه الدستور لم يكن المقصود منه وضع الدستور، كان المقصود منه تنظيم المياه بين الـ 13 دويلة اللي استقلوا وبعدين وجدوا أنه ما فيش حل لهم إلا أنهم يقتربوا من بعض وينشؤوا نظاما فيدراليا فوضع الدستور الأميركي، ولأنه دستور موضوع يعني الصياغة القانونية لم تكن موجودة في ذلك الوقت وما كانش في صياغ زي اللي موجودين النهارده طلع الدستور صياغته ركيكة ولذلك أدخلت عليه تعديلات عديدة وبعضها أطول من الدستور الأصلي.

أحمد منصور: من النص الأصلي.

يحيى الجمل: إنما يظل الدستور الأميركي هو أقدم الدساتير المكتوبة المعروفة النهارده. يعني أحب أقول حاجة حصلت حادثة يعني يصح تقال، بمناسبة الاحتفال بمرور مائتي سنة على الدستور الأميركي.

أحمد منصور: 1981؟

يحيى الجمل: آه. دعوا 25 أستاذا من أنحاء العالم، 25 أستاذ قانون دستوري من أنحاء العالم و25 أستاذ أميركي وأنا كنت العربي المدعو يعني أنا كنت العربي الوحيد اللي مدعو وطبعا لما يدعوا عربي لازم يدعوا أحدا من الجامعة العبرية فكان معزوم واحد من الجامعة العبرية، وحطونا في قلعة قريبة من واشنطن كذا يوم نتحاور حول الدستور الأميركي، كان حوارا ممتعا جدا عن الدستور وكيف وضع وكيف تطور وإيه هو الدستور، يعني الأسئلة اللي سيادتك تفضلت بطرحها، الدستور وضع لكي يقنن حالة معينة، تقييد السلطة من أجل الحرية ده الهدف..

أحمد منصور (مقاطعا): تقييد سلطة الحاكم أم إطلاقها؟

يحيى الجمل: تقييد سلطة الحاكم من أجل حرية المواطن.

أحمد منصور: يعني الدستور مصلحة أساسية المواطن وليس الحاكم؟

يحيى الجمل: هو وضع أساسا لكي يقيد السلطة لحساب الحرية.

أحمد منصور: لصالح الدولة وليس النظام؟

يحيى الجمل: لصالح المواطن.

أحمد منصور: لصالح المواطن.

يحيى الجمل: يعني المواطن هو المقصود بوضع الدستور.. يعني هو الدستور إيه؟ بيقولوا عليه الفرنسيون فن المواءمة بين السلطة والحرية.. السلطة ضرورية في أي مجتمع إنساني السلطة ضرورية لكن السلطة ليست غاية في ذاتها إلا في بعض البلاد يعني زي بلادنا كده وربنا يحفظ..

أحمد منصور: إحنا مالناش مثيل.

يحيى الجمل: لا، مالناش مثيل، حقيقة مالناش مثيل وأنا حأقول لك إزاي مالناش مثيل.

أحمد منصور: قل بقى إزاي مالناش مثيل.

يحيى الجمل: حأقول لك مالناش مثيل إزاي، اللي بأقول لك إن الدستور هو فن المواءمة بين السلطة اللي هو ضرورة والحرية اللي هي غاية، الدستور يوضع لكي يقيد السلطة لكي يلجم السلطة..

أحمد منصور: لصالح المواطن.

يحيى الجمل: لصالح المواطن لصالح حرية المواطن هذا هو الأصل في الدستور، هذا الأصل يغيب في بعض البلاد غيابا كاملا.

أحمد منصور: بعض ولا معظم؟

يحيى الجمل: لا، بعض البلاد، معظم بلادنا لكن بعض بلاد العالم، إحنا بنتكلم الآن على الدستور بصورة عامة، الدساتير توضع لكي تلجم السلطة لحساب الحرية. الدساتير للأسف الشديد في بلادنا حتى عندما وضعت في البداية يمكن كان ده المقصود، يمكن كان ده المقصود، لكن باستمرار وعلى اتساع رقعة الوطن العربي كلما حدث تعديل حدث للأسوأ يعني أنا أزعم -وأزعم أنني أنا دارس كل ما حدث من تعديلات في الوطن العربي وفي كثير من بلاد العالم- كل تعديل حدث كان للأسوأ..

أحمد منصور: حأضرب لك نموذجا..

يحيى الجمل (مقاطعا): ومصر، إذا أذنت لي يا أستاذ أحمد، مصر رائدة في هذا..

أحمد منصور: رائدة في التعديلات إلى الأسوأ.

يحيى الجمل: آه، بمعنى إيه؟ أن اللي بتعمله مصر قلّد في البلاد الأخرى.

أحمد منصور: مصر أي حاجة بتعملها الكل بيقلدها؟

يحيى الجمل: آه، فمصر والحمد لله رائدة في الخير ورائدة في الشر، إذا كثر عندها الخير كثر في الوطن العربي إذا كثر عندها الشر كثر في الوطن العربي، الجامعة لما تزدهر في مصر..

أحمد منصور (مقاطعا): إحنا كثر عندنا إيه دلوقت؟

يحيى الجمل: للأسف الشديد السوء، السوء والفساد، أنا قلت في المعهد القومي للتخطيط أقوى مؤسسة في مصر النهارده هي مؤسسة الفساد، وللأسف المر الفساد وصل إلى الجامعة ووصل إلى القضاء.

أحمد منصور: هل وصل الفساد إلى الدستور وصياغاته؟

يحيى الجمل: ما حدث في التعديلات الأخيرة هو عين الفساد.

أحمد منصور: التعديلات الدستورية الأخيرة؟

يحيى الجمل: آه، أنا أسميتها جريمة دستورية يعني المادة 76 لما عدلت بالطريقة اللي عدلت بها وانكتبت في أربع صفحات فولسكاب وليس لها نظير في كل دساتير العالم.

أحمد منصور: هو إحنا بقى مالناش مثيل.

يحيى الجمل: وإحنا هنا مالناش مثيل، يعني أنا أزعم -وأظن أني أعرف ما أقول- إن المادة 76 لا مثيل لها في طولها ولا في سوء صياغتها ولا في الأهداف التي تتغياها لا مثيل لها في العالم، ده في طولها، ما فيش مادة في دساتير العالم أربع صفحات فولسكاب!

أحمد منصور: دائما مواد الدستور سطرين، ثلاثة.

يحيى الجمل: دائما موجزة محكمة مختصرة..

أحمد منصور: مختصرة.

يحيى الجمل: To the point زي ما بيقولوا، إحنا عملنا موضوع إنشاء سيء، فيه حتة واحدة فيه سطر ونصف دستور، يتعلق بالدستور..

أحمد منصور: اللي هو؟

يحيى الجمل: اللي هو بيقول "يختار رئيس الجمهورية عن طريق الانتخاب العام المباشر".

أحمد منصور: بس.

يحيى الجمل: ده صدر المادة.

أحمد منصور: وبعد ذلك؟

يحيى الجمل: وبعد ذلك كلام يجيء في لائحة يجيء في قانون عادي يجيء في موضوع إنشاء سخيف لما تبقى بتصححه تدي الولد خمسة من عشرة، إلى هذا.. لكن الهدف بقى كان إيه؟ أن هذه المادة تنتهي إلى هدف معين.

أحمد منصور: ما هو؟

يحيى الجمل: أن لا يكون رئيس جمهورية في هذا البلد إلا فلان أو من يريده فلان ولا أحد آخر قط، وده اللي خلاني أسميها خطيئة دستورية، أنا قلت هذا الكلام يوم أن صدرت المادة، بعدها بقليل قلت دي خطيئة دستورية.

أحمد منصور: في أعقاب ما قامت به مصر قامتين دولتين عربيتين أخريين بتعديلات دستورية فيما يتعلق بالرئيس أيضا هما الجزائر وتونس.

يحيى الجمل: الجزائر وتونس وسوريا.

عوامل فساد الدساتير وسبل حمايتها وتفعيلها



أحمد منصور: واليمن الآن أيضا التعديل معروض حتى هناك. كيف يمكن حماية الدساتير من العبث؟

يحيى الجمل: الرأي العام، قوة الرأي العام. شوف، الرأي العام هو الحامي الحقيقي للدستور وإيمان الممثلين بأدوارهم، يعني إيه إيمان الممثلين بأدوارهم؟ رئيس الجمهورية يؤمن بدوره أنه رئيس جمهورية والبرلمان يؤمن بدوره أنه برلمان حقيقي والسلطة القضائية تؤمن بدورها أنها تفصل في المنازعات بين الناس، إيمان الممثلين بأدوارهم والرأي العام.

أحمد منصور: إذا تم إفساد كل ذلك؟

يحيى الجمل: فسد كل شيء، فسد كل شيء. وإذا فسد الدستور وفسد جهاز الحكم فقد فسد كل شيء، ليه بقى؟ لأن العلاقات بين الناس تختل، أنت لك حق عندي، في ظل الأوضاع السليمة في ظل سيادة القانون تلجأ للقانون لكي تقتضي حقك لكن عندما تغيب سيادة القانون تلجأ للخنجر تلجأ للمسدس تلجأ للقتل تلجأ للحيلة تلجأ للفساد تلجأ لكل وسيلة أخرى غير قانونية.

أحمد منصور: الناس الآن بدأت تظهر وتجهر بهذا يعني حينما يخرج مواطن بسيط على شاشة التلفزيون ويقول أنا حأسرق يعني حأخالف القانون حأهدد أمن المجتمع علشان أؤكل عيالي.

يحيى الجمل: ده غلبان وألتمس له عذرا، ألاقي له عذرا  وأقول ده يمكن هنا في عذر مخفف.

أحمد منصور: لا، هنا عملية إدانة للمجتمع أنت تترك الإنسان أن يصل إلى أن يعبر بهذا وأن يتكلم بهذه الطريقة.

يحيى الجمل: آه لكن الأخطر بقى الأخطر من ده كله أن الفساد النهارده متبجح يعني الفساد لا يداري نفسه.

أحمد منصور: مش متبجح، هو يُحمى.

يحيى الجمل: وهو يُحمى أيضا يعني هو متبجح ومحل حماية.

أحمد منصور: في ظل هذه التعديلات وفي ظل هيمنة الفساد وفي ظل أيضا.. يعني العام 2005 تحديدا وصف في العالم العربي بأنه عام التغيير ولكن سرعان ما خفت الناس وكأن الناس شعرت باليأس بعد ذلك، الحراك الذي كان موجودا في المجتمع المصري والمجتمعات العربية الأخرى من أجل التغيير سرعان ما تلاشى.

يحيى الجمل: أنا ما أقدرش أقول إنه تلاشى، يمكن في الظاهر بنقول كده لكن هناك تيار قوي جدا تحت وأنا أحسه، هذا التيار..

أحمد منصور: "أرى تحت الرماد وميض نار".

يحيى الجمل:

أرى تحت الرماد وميض نار

ويوشك أن يكون له ضرام

ودي حقيقة.

أحمد منصور: والخوف أن يكون ضراما فوضويا.

يحيى الجمل: هو ده الخوف بقى هو ده الكارثة وده اللي أنا حذرت منه ودعوت إلى كيف نتفاداه لكن لم يستمع أحد.

أحمد منصور: الدساتير تحمي من؟

يحيى الجمل: الأصل فيها أنها تحمي المواطن وحقوق المواطن وأنها تقيد السلطة وتضعها في إطار القانون.

أحمد منصور: هل إطلاق يد الحاكم بالشكل الذي نراه يقتضي وجود دستور؟

يحيى الجمل: لا، ده ضد الدستور ده ضد فكرة الدستور ولذلك.. ما أنا بأقول لحضرتك، الجماعة الفقهاء الفرنسيون بيقولوا إيه؟ في بلاد فيها نصوص دستورية ولكن  في بلاد فيها حياة دستورية.

أحمد منصور: ما الفرق بينهما؟

يحيى الجمل: الفرق بينهما أنك عندك نص معطل وعندك دستور فاعل ومنفذ يعني مثلا خذ النظام في فرنسا، الدستور الفرنساوي، دستور 1958 اللي هو كان يسمى دستور ديغول، وديغول في فرنسا ده أسطورة، الرجل الوحيد اللي باسمه ميدان في فرنسا في باريس، في باريس الإيتوال الميدان الأساسي في باريس اللي هو نهاية الشانزليزيه واللي بيلتقي فيه..

أحمد منصور: قوس النصر.

يحيى الجمل: سمي إيتوال شارل ديغول، وده الاسم الوحيد..

أحمد منصور: اللي بيصب عليه 16 شارع.

يحيى الجمل: آه 16شارع، إيتوال شارل ديغول. ديغول ولي الرئاسة مرتين وعمل استفتاء متعلق بالإدارة المحلية فأخذ فيه 62% اعتبر دي إهانة له فاستقال وراح قعد في القرية بتاعتهم كولومبيل ديزيغليز وبقي هناك لحد ما مات هناك واندفن هناك في القرية بتاعة كولومبيل ديغليز بتاعتهم، لكن حتى يومنا هذا ديغول مقدر. دستور 1958 عدل أخيرا خالص وعدل في 2008 من شهور بس عدل تعديلا جديدا بمقتضاه رئيس الجمهورية يقعد خمس سنين فقط، كانت سبعة بقيت خمسة ومدتين فقط، مع أنه لم يحدث في التاريخه الفرنسي الحديث أن أحدا قعد أكثر من مدتين أبدا حتى ديغول العظيم اللي سموه في فرنسا (كلمة أجنبية) المنقذ.

أحمد منصور: عملية التحايل على الدساتير عندنا وعملية الجرائم الدستورية كما وصفتها أنت التي تجعل الحاكم يبقى في الحكم أكثر.. مثل الملك حتى يموت.

يحيى الجمل: ده مش تحايل، هو عدم اكتراث وعدم احترام لفكرة النص الدستوري لأن فكرة سيادة القانون غائبة، فكرة سيادة القانون غير مختلطة بحياة الناس.

أحمد منصور: أليس هذا تفريطا من الناس أيضا بحقوقهم؟

يحيى الجمل: قطعا في، قطعا في تفريط من الناس لكن..

أحمد منصور (مقاطعا): أليس تفريطا من رجال القانون الذين يشاركون في هذه الجرائم بصياغة هذه النصوص؟

يحيى الجمل: هؤلاء أهانوا مصر، أنا قلت أهانوا مصر أهانهم الله -قلتها كتابة- هؤلاء أهانوا مصر أهانهم الله، قلتها.

أحمد منصور: قضية ترزية القوانين هذه يعني حتى في العهد الملكي كان القضاء وكان الدستور وكان القانون له احترامه ولم تبدأ عملية الإهانة إلا على يد سليمان حافظ وما حدث بعدها بعد ذلك.

يحيى الجمل: آه يعني يضيق صدري ولا ينطلق لساني، هذا صحيح وللأسف الشديد دول أساتذنا، سليمان حافظ في مقام أستاذنا والسنهوري أستاذ أساتذتنا والسنهوري عملاق في علم القانون لا مثيل له، إمام، الإمام السنهوري لكن للأسف الشديد كراهيتهم للوفد جعلتهم ينحازوا وجعلتهم يبرروا -في الـ 1952- ما لا يبرر ومشوا في هذا الخط إلى أن تجرعوا جميعا نتائج ما فعلوه، السنهوري..

أحمد منصور (مقاطعا): كانت علمية تقنين للدكتاتورية تقنين..؟

يحيى الجمل (متابعا): السنهوري يُضرب في مجلس الدولة! أنا أحد..

أحمد منصور: المظاهرات خرجت تقول يسقط المتعلمين يسقط الدستور..

يحيى الجمل: آه، أحد الأساتذة الكبار في روما اسمه إمرديني، يقول لي أنتم ما عندكوش غير السنهوري؟ المدعي يقول السنهوري والمدعى عليه يقول السنهوري! -في قضية تحكيم كبيرة- يقول لي أنتم ما عندكوش غير السنهوري؟ وهذا صحيح، المدعي يقول السنهوري والمدعي عليه يقول السنهوري. الإمام السنهوري يُضرب في مجلس الدولة وتُكسر أضلعه! لكن الرجل كان كريما لأنه لما راح بيته وراح عبد الناصر يزوره ما رضيش يستقبله.

أحمد منصور: أثر التزاوج بين السلطة وبين رأس المال وتفشي الفساد على وضع الدستور.

يحيى الجمل: أصله يعني خلينا نقول مقولة، إن حقيقة الدستور غير موجودة، النص موجود لكن الحياة الدستورية غير موجودة يعني فكرة سيادة القانون غائبة، غائبة عند من يفترض أنهم قوامون على الدستور هي غائبة في ذهنهم يعني فكرة سيادة الدستور مش واردة فهو بيتصرف على أن ده نص معطل ونص لا قيمة له ونص لا معنى له.

أحمد منصور: هل هذا عبث بالأوطان؟

يحيى الجمل: طبعا عبث، طبعا عبث ولن يمر سدى.

أحمد منصور: هناك ملمح بارز في التعديلات الدستورية أنها تركز -في العالم العربي- أنها تركز كافة السلطات في يد شخص، تجعل مصير الأمة كلها في يد شخص والشخص يمنح السلطات لبعض الأشخاص أيضا حتى يصل الأمر إلى أن تعيين فرّاش في مؤسسة أيضا يخضع لسلطة فرد.

يحيى الجمل: شوف كيف بدأت الدساتير؟ الدساتير بدأت لكي تنهي ظاهرة شخصنة الدولة يعني قبل الثورة الفرنسية لويس الرابع عشر كان يقول لك إيه؟ (كلمة أجنبية) "أنا الدولة" الدولة مشخصة في شخص ودي كانت حقيقة قانونية يعني لويس الرابع عشر ما كانش بيقولها من باب الجخ يعني، لا، ده كان بيعبر عن حقيقة قانونية (كلمة أجنبية) لأن ميزانية الدولة هي ميزانيته وهو القاضي الأول وهو السجان الأول وهو المدرس الأول وهو كل حاجة..

أحمد منصور: زي ما بيحصل عندنا.

يحيى الجمل: زي ما هو حاصل عندنا. فلما قامت الثورة الفرنسية قامت علشان تنقل الدولة الشخصية إلى دولة المؤسسات إلى دولة.. يعني إيه مؤسسة؟ يعني قاعدة قانونية بتنشئ مؤسسة وبتديها اختصاصا وبتقول من يعبر عنها، دي فكرة المؤسسة.

أحمد منصور: بسلطة.

يحيى الجمل: بسلطة.

أحمد منصور: منتزعة من سلطة الحاكم الفردية أو الشخصية.

يحيى الجمل: طبعا الحاكم الفردي انتهى وبقينا في دولة المؤسسات.

أحمد منصور: فرنسا مش إحنا.

يحيى الجمل: آه طبعا بأقول لك حيث توجد دساتير، لكن إحنا عندنا السلطة الشخصية ما زالت موجودة في كل العالم المتخلف.

أحمد منصور: هل هذا يقال إن هذه الشعوب لا تحكم إلا بهذه الطريقة؟

يحيى الجمل: لا، هذا غير صحيح بدليل، الشعب المصري بعد ثورة 19 وبعد دستور 23.. أنا عمري ما كنت وفديا وأنا كنت زمان من شباب الحزب الوطني ويمكن ده الضعف أمام سليمان حافظ اللي أنت ذكرت اسمه لأن سليمان حافظ كان من رجال الحزب الوطني..

أحمد منصور: الحزب الوطني اللي أسسه مصطفى كامل.

يحيى الجمل: الحزب الوطني الوطني، على رأي فتحي رضوان الله يرحمه كان يقول عليه الحزب الوطني الوطني، هو اللي أسسه مصطفى كامل وحافظ رمضان وفتحي رضوان والمجموعة دي، وكنا إحنا بقى إيه؟ كشبان صغيرين، ماهر محمد علي وأحمد مجاهد ويحيى الجمل وعبد العزيز سالم وأحمد فتحي حسين يعني وحسين عنان بتاع اتحاد الإذاعة والتلفزيون يعني المجموعات دي وحسين محمود الله يرحمه، أنا بأذكر أسماء اللي عملت كتيبة محمد فريد في سنة 1951..

أحمد منصور: في القناة؟

يحيى الجمل: في القناة. فأنا عمري ما كنت وفديا لكن لما كبرت ودرست، الوفد في الفترة الليبرالية كان هو المدافع عن الدستور وهو المدافع عن الشعب في مواجهة القصر. أول ما وضع دستور 23 وجاءت حكومة الوفد الأولى برئاسة سعد، حصل حادثة لطيفة خالص، تعيين الشيوخ النص الدستوري بيقول إن الملك يعين خمسي أعضاء مجلس الشيوخ فالملك عمل قائمة الملك فؤاد عمل قائمة وقال آدي، فسعد قال له لا، أنت تباشر سلطتك بواسطة الوزارة، أنت ليست لك سلطات أنت تحكم ولا تملك.

أحمد منصور: يعني كان رئيس الوزارة كل شيء.

يحيى الجمل: آه.

أحمد منصور: لأنه منتخب من الشعب.

يحيى الجمل: لأنه منتخب من الشعب ولأنه بيتمتع بأغلبية شعبية.

أحمد منصور: مش سكرتير.

يحيى الجمل: فالملك قال له لا، إزاي؟ ده حق الدستور بيديه لي، قال له نحتكم، فجابوا خبيرا دستوريا بلجيكيا لأن الدستور المصري بتاع 1923 كان الموديل بتاعه الأساسي..

أحمد منصور: بلجيكي.

يحيى الجمل: بلجيكي علشان الملكية في بلجيكا، فاجتمعوا في قصر عابدين..

أحمد منصور: يعني الملك احتكم مع رئيس الوزارة، ما قدرش يقول له اطلع بره؟

يحيى الجمل: أمال، استنى بس شوف الحكاية اللي حصلت، حكاية لطيفة خالص. راحوا لقصر عابدين وجاء الرجل الخواجة البلجيكي والوفد بقى إيه؟ طلّع الناس في المظاهرة في ميدان عابدين، فهم قاعدين في الأوضة الناس بتقول إيه؟ سعد أو الثورة سعد أو الثورة، الجماهير في عابدين..

أحمد منصور: المتظاهرون بره.

يحيى الجمل: والرجل البلجيكي قال إن مقتضى الدستور أن الوزارة هي بتضع قائمة الشيوخ والملك يوقعها فقط لكن ليس له إلا التوقيع، فسعد عايز الملك يسمع الهتاف فبيقول للملك يا جلالة الملك لو أمرت أحدا بس يفتح الشباك، أنت عارف أنا عندي ربو، فالملك قال له يا باشا أنا سامع الهتاف، يعني الرسالة وصلت! يعني إلى هذا المدى كان من البداية كيف وقف الوفد لكي يحمي الدستور. وظل هذا الأمر لغاية..

أحمد منصور (مقاطعا): يعني كان الشعب المصري ده برضه هو اللي بيحمي الدستور؟

يحيى الجمل: آه.

أحمد منصور: يعني الحالة اللي هو فيها دي حالة طارئة وليست حالة دائمة.

يحيى الجمل: أنا بأعتقد أنها حالة طارئة وأنا بأقول إنه في تيار قوي عند current ماشي، يا سيدي كلمة الصدق كلمة الحق لا تضيع عند الناس يعني في ناس تقول كلمة الصدق وتمشي في الشارع الناس تقابلها وتقول لها ربنا يخليكم وأنتم بتقولوا كذا أنتم بتقولوا كذا يعني ما زال الناس يعرفون المخلصين يعرفون الصادقين ويحيونهم في مصر وفي خارج مصر.

أحمد منصور: هل هناك علاقة بين نزاهة القضاء واستقلاله وبين الدستور؟ أسمع منك الإجابة بعد فاصل قصير، نعود إليكم بعد فاصل قصير لمتابعة هذا الحوار مع الأستاذ الدكتور يحيى الجمل الفقيه الدستوري فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

العلاقة بين القضاء والدستور ومخاطر الفساد



أحمد منصور: أهلا بكم من جديد بلا حدود هذا الأسبوع من القاهرة ضيفنا هو الفقيه والخبير الدستوري الدكتور يحيى الجمل، نتحدث حول الدساتير في الدول العربية. هل هناك فرق أو هناك علاقة بين نزاهة القضاء وبين احترام الدستور؟

يحيى الجمل: يقينا هناك علاقة وعلاقة وثيقة لأن احترام الدستور يعني سيادة القانون، من الذي يقوم بتطبيق القانون؟ هو القاضي، فإذا غابت سيادة القانون إذا غاب احترام الدستور غاب معها إحساس القاضي بالطمأنينة إحساس القاضي أن وراءه دستورا يحميه وهو يحميه يعني دستور يحمي القاضي والقاضي يحمي هذا الدستور، عندما يفقد القاضي هذا الشعور دي قضية خطيرة بالغة الخطورة. ومع ذلك أحب أقول لك وبأمانة وبغير تحيز، ما زال القضاء في مصر هو أقل المرافق التي أصابها العطب.

أحمد منصور: لكن هناك عملية تخريب منظم له.

يحيى الجمل: لا، لا، في عملية تخريب منظمة طبعا، دي عملية تخريب منظمة ولها أخصائيون يعني في متخصيين يجيؤون علشان خاطر..

أحمد منصور (مقاطعا): ولمصلحة من هذا الذي يتم؟ أن يتم البحث عن كل رديء لوضعه في كل منصب بارز؟

يحيى الجمل: لأن الرديء ضعيف الرديء غير قوي الرديء يسمح الرديء ضعيف لأنه ليس..

أحمد منصور (مقاطعا): بس هل هذه بلادنا؟ هل هذا إفرازها؟

يحيى الجمل: لا، لا، هذا مش إفرازها، للأسف هذا إفراز مرحلة حدث فيها تدني في كل شيء. لكن عايز برضه أطمنك أقول لك ما زال القضاء المصري متماسكا ما زال جسمه الغالب سليما ما زال بيستعصي على الفساد بيقاوم الفساد بيقاوم التدخل، لكن -للأسف الشديد- جزءا ممن أتلفوا القضاء المصري كانوا قضاة وكانوا قضاة عظاما في وقت من الأوقات، يعني في رجل كان قاضيا -يعني أنا مش عايز أفسر كثيرا علشان خاطر ما يبقى لأنه هو مريض مسكين وفي المستشفى دلوقت- إنما كان قاضيا عظيما في المحكمة الدستورية ثم ولي منصبا تنفيذيا فبدأ في إفساد القضاء، إزاي أفسده؟ فلان حتعقد محافظ بدل ما تطلع على المعاش في سن ستين سنة لا، أنت حتقعد محافظ وتقعد بقى إيه وضمنا لك الإسعاد وضمنا لك القضاء في مصر يبقى ضمنا لك الإسعاد زي ما حافظ إبراهيم ما قال للهلباوي، أنت حتروح ما أعرفش إيه، بدأت عملية الإفساد في الأول بهذا الشكل إفساد عن طريق..

أحمد منصور: المناصب.

يحيى الجمل: الإغراء بالمناصب.

أحمد منصور: الآن الإفساد بقى وصل لمراحل متدنية.

يحيى الجمل: لا، لا، وصل لمراحل متدنية في الفترة الأخيرة لكن برضه عايز أقول لك إن المحكمة الدستورية في مصر في فترة التسعينات كانت من أقوى المحاكم الدستورية في العالم ولم يكن هناك محكمة أقوى منها إلا المحكمة الألمانية نتيجة النصوص، لكن قضاء المحكمة الدستورية في التسعينات كان  قضاء شامخا ورائعا وعظيما.

أحمد منصور: كانت فترة عوض المر؟

يحيى الجمل: كانت فترة عوض المر الله يرحمه، كانت فترة زاهرة. ولحق بالمحكمة الدستورية بعدها بعد هذه الفترة ما لحق بمصر جميعها..

أحمد منصور: الآن في كلام كثير على المحكمة الدستورية طالما نتحدث عن الدستور كيف أنها ستستخدم الآن لترتيب عملية التوريث أو التغيير أو الانتخابات القادمة أو أشياء كثيرة جدا الآن يتم الحديث عنها.

يحيى الجمل: شوف أصل ما هو الجو العام ليس جو سيادة قانون ولا جو دستور، الجو العام الآن جو ما يريده الحاكم وكيف يهيئ الأمور لإنفاذه، كل الأمور، فإذا كان..

أحمد منصور: دي مصر يا دكتور، مش عزبة!

يحيى الجمل: لا دي مش مصر، دي تحولت إلى عزبة في يد مجموعة من الناس للأسف الشديد يتصرفون على أن فكرة المؤسسة غير موجودة، إحنا رجعنا إلى الشخصنة الكاملة للدولة (كلمة أجنبية) أنا الدولة.

أحمد منصور: إبعاد القضاة الآن عن الإشراف على الانتخابات، ما مصير الانتخابات القادمة؟

يحيى الجمل: شوف يا سيدي، النظام يقوم على قاعدة، لي كل شيء وأقصي الناس جميعا عن كل شيء. عايز تعمل حزب؟ لا، يا تبقى كده زينا لا طعم ولا رائحة ولا لون ولا حاجة يا ماتبقاش. فأنت النهارده في ظروف، إما أن تُفرغ من كل معنى حقيقي أو لا تكون، ولذلك الاستئثار بكل شيء في مواجهة إقصاء الناس جميعا عن كل شيء، دي القاعدة.

أحمد منصور: ما مصير هذا؟

يحيى الجمل: شوف، مصير هذا أحد أمرين، الأمر الأول يضعف فيه الأمل يوما بعد يوم، أن يحدث نوع من هداية، يحدث نوع من إفاقة، وأنا كتبت في هذا ووجهت خطابا مفتوحا في هذا، قلت يا جماعة تعالوا نقول مرحلة انتقالية سنتين وندعو فيها إلى لجنة تأسيسية تضع مشروع دستور جديد ونعلن أنه خلاص يعني حنسيب المسائل للجماهير وللشعب وكذا وكذا، هذا لو حدث حينجي الجميع، لو لم يحدث ده أنا متوقع -والعياذ بالله- قارعة وقارعة أرجو ألا تكون.

أحمد منصور: ربنا يلطف.

يحيى الجمل: لأنها لن تبقي ولن تذر.

أحمد منصور: اسمح لي ببعض الأسئلة من المشاهدين، صفاء الشيخي من الدنمارك تفضل يا سيدي صفاء.

صفاء الشيخي/ الدنمارك: يا سيدي للدكتور يحيى الجمل المحترم ولك يا سيد أحمد، أستاذ أحمد دعني أقل فكرتي رجاء. قال أحدهم إن أسوأ كارثة تمر بها الشعوب هي أن تتحول أخطاؤها إلى عادات. يا سيدي المحترم، نحن ما قيمة أي دستور مكتوب في البلدان العربية والإسلامية ولدينا دساتير غير مكتوبة وهذه التقاليد الاجتماعية البذيئة، الفساد يدب في شعوبنا العربية كلها، الفساد الإداري والفساد المالي والفساد الفكري. أريد أن أعطي نموذجا -أرجو أن يتسع صدركم- أريد أن أعطي نموذجا وهو الدستور العراقي المكتوب أخيرا..

أحمد منصور (مقاطعا): ليس لدينا الوقت للنماذج، هل عندك.. سؤالك واضح، أشكرك يا صفاء. صادق عبد الحق من السعودية.

صادق عبد الحق/ السعودية: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. السؤال لماذا الدولة والحكومة المجرمة الفاسدة اللي عليها لعنة الله بالدنيا قبل الآخر معطية حصانة للفساد والفاسدين وتكيد لمواطنيها ولا ترقب فيهم إلا ولا ذمة؟ ولماذا تكره الشفافية والمساءلة والمحاسبة ومن أين لكم هذا؟ ولماذا إذا تحدثت عن الإصلاح كذبوا {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ. أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ}[البقرة 11- 12] وأريد من الضيف الكريم أن يعرّف المشاهدين..

أحمد منصور (مقاطعا): شكرا لك يا صادق. علي صلاح من اليمن.

علي صلاح/ اليمن: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته تحيتي لك ولضيفك الكريم.. أخي العزيز، الحكام العرب هم أيضا قضاة وقضاة في الفتوى، هم يقولون إن الدستور ليس قرآنا منزلا، فأنا أسأل يحيى الجمل، إيران كدولة إسلامية بدأت بدستور وأعطت يعني فترتين رئاسيتين هل هي نموذج يعني.. نحن عندنا في اليمن في الفترة الأخيرة تم توظيف الانتخابات النيابية بعد ما أعطت شرعية للحاكم من تمديد الفترة.. وهل ترى الأنظمة العربية التي كانت في المعسكر الشرقي الآن تتهافت على التوريث هل هي بدعم أميركي أوروبي في سياسة ما يجري في المنطقة من ترتيبات؟ وشكرا.

أحمد منصور: شكرا لك يا علي. الفساد في المؤسسة الاجتماعية في المؤسسة العامة كما قال صفاء الشيخي من الدنمارك، وصادق يسأل لماذا يكرهون يعني لماذا يحمون الفساد؟ وعلي صلاح يتحدث أيضا عن منح الشرعية عبر التغييرات الدستورية من قبل البرلمانات في الدول العربية.

يحيى الجمل: كيف تأتي البرلمانات؟ هل تأتي البرلمانات بانتخابات حقيقية؟ لا تأتي البرلمانات بانتخابات حقيقية، تأتي البرلمانات بالتفصيل وينحى عن العضوية أو يعني يحال بينه وبين العضوية من لا ترضى عنه السلطة. سيدي أنت عندك في البرلمان المصري دوران، الفصل التشريعي كله بينتهي..

أحمد منصور: في إشاعات أنه سيحل البرلمان.

يحيى الجمل: يجوز يحل أو ما يحلش وعلم ذلك عند الله وعند شخص واحد.

أحمد منصور: وهو لا بيحل ولا بيربط البرلمان.

يحيى الجمل: و البرلمان لا بيحل ولا بيربط. لكن عندك في ثمانين واحد مطعون في عضويتهم من أول يوم في المجلس لغاية النهارده لم يفصل عضو، هل هذا معقول؟ بيقول لك دي..

أحمد منصور: سيد قراره..

يحيى الجمل: مواعيد تنظيمية وسيد قراره، يعني حنقول لك تسعين يوم طيب خليهم مائة خليهم 120 خليهم 150 لكن مش خمس سنين! يعني نوع من العبث.

أحمد منصور: هل يعني هذا يدخل في إطار ما يمكن أن يسمى سلطة غير شرعية؟

يحيى الجمل: آه، آه. يعني أنا بأعتقد أن أغلب الأنظمة العربية تفتقد الشرعية الحقيقية، يعني إيه شرعية حقيقية؟ إرادة الناس الشرعية الحقيقية هي إرادة الناس، الدولة الحديثة تقوم على إرادة الناس، وأنا بأعتقد أن أغلب الأنظمة العربية إن ما كنتش أقول كلها تفتقد الاستناد لإرادة الناس.

أحمد منصور: المساءلة..

يحيى الجمل (مقاطعا): كان في تجربة صغيرة في موريتانيا ثم انطفأت بسرعة.

موقع المساءلة وحقوق الإنسان في الدساتير



أحمد منصور: المساءلة أين موقعها من الدستور؟ وأين المساءلة للحاكم؟ أين المساءلة للوزير حتى؟ لا يوجد في بلد مثل مصر قدرة لأي أحد على أن يسائل وزيرا أو يحاسب وزيرا.

يحيى الجمل: مهمة البرلمان الحقيقية هي حاجتين أن تسائل السلطة التنفيذية وأن تشرع، وهي لا بتقوم بدي ولا بتقوم بدي.

أحمد منصور: المساءلة في الدساتير الحقيقية أين موقعها؟

يحيى الجمل: المساءلة في الدساتير الحقيقية، يا سيدي، في البرلمان البريطاني النواب ما أعرفش أخذوا إيه عشرة جنيه إسترليني زيادة ولا إيه، قامت الدنيا ولم تقعد.

أحمد منصور: بعضهم 147 جنيه بالضبط فاتورته.

يحيى الجمل: آه 147 جنيه قامت الدنيا ولم تقعد! طيب شوف عندك هنا المأعرفش إيه، الأسمنت إيه والحديد إيه والنصب إيه والرز إيه والبصل إيه والعدس إيه والقمح إيه!

أحمد منصور: فرح أحمد من القاهرة، تفضل يا فرح.

يحيى الجمل: ربنا يا ابني يفرحك..

أحمد منصور: فرح..

يحيى الجمل: فرح اختفى لأنه ما فيش فرح.

فرح أحمد/ مصر: ألو..

أحمد منصور: آه فرح دي واحدة، فرح تفضلي يا فرح.

فرح أحمد: مساء الخير دكتور. دكتور يحيى عايز أسأل هل الدستور المصري جامد وإذا كان جامدا كيف أمكن تعديله؟ السؤال الثاني، سيادتكم عايزة أسألك..

يحيى الجمل: نعم؟

فرح أحمد: الدستور المصري جامد..

أحمد منصور: لو تخفضي صوت التلفزيون عندك يا فرح حتى نستطيع أن نسمعك، طيب سؤالك الأولاني؟

فرح أحمد: دكتور يحيى، الدستور جامد وإذا كان جامدا كيف أمكن تعديله بسهولة؟ وعايزة أسأل سيادتكم بخصوص اتفاقية تصدير الغاز لإسرائيل، أنا شفت رأي سيادتكم وكان أعجبني رأي سيادتكم بخصوص الـ hardship بس ما أعرفش حصل فيها إيه بعدين، شكرا دكتور.

أحمد منصور: شكرا لك يا فرح. إبراهيم خفاجي من مصر.

إبراهيم خفاجي/ مصر: السلام عليكم. إزيك يا دكتور يحيى. أولا يعني أنا بألوم حضرتك والناس اللي هم أساتذة في القانون.. الدستور المفروض أن هم يكونوا جبهة قوية أن الحكومة ما تمررش أي حاجة من الدستور، وحضرتك أستاذ في القانون الدولي حضرتك والناس اللي هم زي حضرتك المفروض تكونوا الجبهة لحماية الدستور مش الناس العاديين اللي هم طبعا حضرتك تكون..

أحمد منصور (مقاطعا): شكرا يا إبراهيم، ده سؤال مهم. تفضل يا دكتور.

يحيى الجمل: أنا يا إبراهيم ما عنديش دبابة يا إبراهيم ولا عندي سلاح، ده أنا حتى ما أعرفش أستعمل مسدسا حتى صغير، أنا معي مسدس أهم من كل ده، قلمي اللي هو بالكثير بثلاثة ساغ، فالقلم ده اللي بثلاثة ساغ هو سلاحي الوحيد.

أحمد منصور: لا، هو بيتكلم على مهمة رجال القضاء ورجال الدستور وخبراء الدستور والقانونيين تحديدا للوقوف لأن هم الذين يفهمون في الدساتير وفي النصوص وفي..

يحيى الجمل: والله هناك ناس من أساتذة القانون الدستوري وأساتذة القانون بصفة عامة قالوا كلمة حق ويقولون كلمة حق وفي ناس باعوا أنفسهم للشيطان.

أحمد منصور: موضوع اتفاقية تصدير الغاز من الناحية القانونية كان لك رأي فيه وفرح تسأل عن الموضوع تقول أين وصل الأمر؟

يحيى الجمل: أنا ما سمعتش سؤال فرح بالضبط.

أحمد منصور: هي بتقول إنها قرأت أو سمعت رأيك في موضوع تصدير الغاز لإسرائيل، القانوني في الموضوع.

يحيى الجمل: للأسف الشديد المعاهدة فرضت علينا أمورا وتصدير الغاز لإسرائيل قيل، قيل أمام المحكمة الإدارية إنه تم بمقتضى إجراءات قانونية وإنه عرض على مجلس الشعب، لكن طبعا أنا لست من الذين يحبذون مطلقا إعطاء إسرائيل غاز علشان خاطر تضرب به غزة وعلشان تضربنا إحنا به في يوم من الأيام ولكن آدي الله وآدي حكمته، المعاهدات الدولية لا بد من احترامها.

أحمد منصور: حسن محمد من قبرص سؤالك يا حسن.

حسن محمد/ قبرص: مساء الخير يا أستاذ أحمد أستاذ، أحمد السلام عليكم، سلامي للأستاذ الجمل وتحية من قلبي له. أنا صحفي لي كثير من المقالات قبل كده منها "سياسة التطبيع وفن التركيع" معلش أنا حزين بأبكي من قلبي..

أحمد منصور (مقاطعا): أنت سؤالك إيه للدكتور يا أخ حسن سؤالك إيه للدكتور.

حسن محمد: هو أنا.. إحنا مش السؤال التساؤلات كثيرة جدا، لما بيقولوا.. أنا كنت مرشح للانتخابات في مجلس الشعب، يعرف كده سيادة المستشار، كنت مرشحا لمجلس الشعب..

أحمد منصور (مقاطعا): شكرا يا حسن شكرا لست موضوع الحلقة، موضوع الحلقة عن الدساتير ولدينا ضيف يتحدث فيها ومن المفترض أن يتصل المشاهدون حتى يوجهوا أسئلة إلى الضيف. أيهما له الغلبة في العالم العربي الآن، السلطة أم الدولة؟

يحيى الجمل: سلطة الدولة.

أحمد منصور: أنا أقصد الدولة هنا الناس، الشعب، الوطن.

يحيى الجمل: لا، لا، السلطة الحكومة.

أحمد منصور: أين موقع حقوق الإنسان من الدساتير في العالم العربي؟

يحيى الجمل: شوف يا سيدي، حقوق الإنسان في أغلب بلاد الوطن العربي مهانة وأولها الحق في التعبير السياسي الحر، يعني مثلا أن يجتمع الناس لكي يقيموا حزبا، هذا حق أصيل، أين هذا الحق؟ أين هذا الحق في أقدم بلد عربي وأكبر بلد عربي؟

أحمد منصور: لكن الدستور يعطي هذا الحق نصا.

يحيى الجمل: النص بيقول آه، البلد بتقوم على.. المادة خمسة النهارده بتقول لك البلد يقوم على التعددية الحزبية، بعدين يجيء لك القانون بقى يفرغ التعددية الحزبية من إيه من مضمونها ويجعلها في لجنة إدارية..

أحمد منصور (مقاطعا): في عشرين حزبا في مصر أو أكثر.

يحيى الجمل: لا يوجد في مصر حزب واحد حقيقي حتى حزب الحكومة، هذا الحزب ارفع من عليه مظلة رئيس الجمهورية وارفع من عليه مظلة الأمن تجده بالضبط زي حزب الشيخ الصباحي وزي الأحزاب العشرين اللي أنت بتقول عليهم، لا وجود له، يعني هو الحزب الحاكم لأن عليه مظلة رئيس الجمهورية.. ما هو أنت عارف اللي حصل زمان إيه..

أحمد منصور (مقاطعا): لا، أنا ما أعرفش، أنا غلبان ما أعرفش حاجة.

يحيى الجمل: لا، أنت مش غلبان ده أنت تغلب بلد!

أحمد منصور: لا..

يحيى الجمل: بتغلب بلد. اللي حصل، فاكر لما الرئيس السادات الله يرحمه قال إحنا حنعمل حزبا وطنيا وحنسيب حزب مصر، وثاني يوم كلهم..

أحمد منصور: كله راح.

يحيى الجمل: كلهم راحوا..

أحمد منصور: سابوا بس رئيس الحزب وحده..

يحيى الجمل: وسابوا ممدوح سالم الله يرحمه وعبد العظيم أبو العقل لوحدهم وخرجوا، حتى عبد العظيم كان بيفكر يعمل دعوى وجاء لي -الله يرحمه- ويعني.. حأقول لك إيه بس!

أحمد منصور: مها عناني من بريطانيا، سؤالك يا مها.

مها عناني/ بريطانيا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. عندي سؤال، السؤال الأول نحن هنا في بريطانيا الدستور غير مكتوب فما الفرق بين الدساتير المكتوبة والدساتير غير المكتوبة؟ وسؤالي الثاني..

أحمد منصور: سؤال مهم، الثاني؟

مها عناني: هل هناك دستور مثالي مطلق يصلح لكل زمان ومكان ويصلح لكل دولة ولكل آن أم كل دستور يجب أن يتناسب تناسبا طرديا أو عكسيا -كما تشاءان- مع الدولة المعينة؟

أحمد منصور: شكرا لك يا مها.

يحيى الجمل: لا يوجد شيء مطلق في هذه الدنيا، الحقيقة المطلقة الوحيدة في هذه الدنيا هي حقيقة الوجود الإلهي، لكن الدساتير تتفاوت بينها وبين بعضها، إنجلترا الكلام اللي بيقال إن دستورها عرفي وغير مكتوب، هذه كلمة غير دقيقة من الناحية الفنية، ليه بقى؟ لأن كل الوثائق الدستورية في بريطانيا بدءا من مغناكارتا من 1215 لغاية يومنا هذا كل الوثائق دي موجودة ومحفوظة ومعروفة..

أحمد منصور: ويتم الرجوع لها والاستنجاد بها.

يحيى الجمل: ويتم الرجوع لها. فالدستور البريطاني مش مكتوب بمعنى إيه؟ بمعنى ما فيش وثيقة، المادة واحد، المادة اثنين، المادة ثلاثة، المادة 390..

أحمد منصور: لكن هو تجميع التجارب والتشريعات.

يحيى الجمل: تجميع وثائق دستورية هي التي تشكل مجموع الدستور البريطاني، والسوابق الدستورية لها أهمية كبيرة في بلد زي إنجلترا، الدستور الإنجليزي غير المكتوب ده محترم ومن أكثر دساتير العالم احتراما لأنه في رأي عام بيصونه وفي مؤسسات مؤمنة به.

أحمد منصور: معنى ذلك أن الدساتير في بلادنا لن يتم احترامها إلا إذا تحرك الرأي العام لحمايتها وصيانتها وانتزاع حقه المتحكم فيه؟

يحيى الجمل: هل تعلم السائلة أن ملكة إنجلترا لا تملك، لا تملك أنها تقول كلمة لم يوافق عليها مجلس الوزراء؟

أحمد منصور: بقي دقيقة واحدة، قل لي كيف تنظر إلى المستقبل؟ وكيف يمكن تحول هذه الدساتير إلى..

يحيى الجمل (مقاطعا): أنا خائف -بأمانة شديدة- أنا مشفق -وقلت هذا الكلام- أنا مشفق وأخشى ما أخشاه أن تقع قارعة، وبأقول ربنا يجنبنا هذه القارعة لأن آثارها حتكون بعيدة المدى وحتكون مدمرة. يا ريت نفوق، يا ريت نعمل تعديلا دستوريا حقيقيا يفتح مجال الحريات الحقيقية ويضع السلطة في وضعها الطبيعي في إطار الدستور ويعيد لسيادة القانون معناه، يا ريت يحصل ده.

أحمد منصور: "وما نيل المطالب بالتمني".

يحيى الجمل: "وما نيل المطالب بالتمني".

أحمد منصور: "ولكن تؤخذ الدنيا غلابا".

يحيى الجمل: يا ريت في يدي حاجة إلا قلمي والكلمة اللي بأقولها لك وبأقولها..

أحمد منصور: أشكرك شكرا جزيلا.

يحيى الجمل: أنا أشكرك.

أحمد منصور: كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، أعتذر للذين بقوا على الهاتف بسبب ضيق الوقت، وآمل أن تكونوا قد استفدتم من هذه الحلقة وأدركتم واجبكم تجاه الدساتير في بلادكم. في الختام أنقل لكم تحيات فريقي البرنامج من القاهرة والدوحة وهذا أحمد منصور يحييكم بلا حدود من القاهرة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.