مقدم الحلقة

جميل عازر

تاريخ الحلقة

30/09/2001

- الانتفاضة الفلسطينية الثانية بعد عامها الأول
- الرفض الإيراني للتحالف الأميركي ضد أفغانستان
- موقف النظام والشارع الباكستاني من التحالف مع أميركا
- البعد الاقتصادي وراء التحالف مع دول وسط آسيا
- تأثير التفجيرات الأخيرة على السياسة الخارجية الأميركية

توفيق طه
توفيق طه: مشاهدينا الكرام أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه:

(عام كامل مر على انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية الثانية)...

واشنطن تنجح في اختراق دول آسيا الوسطى لاستكمال محاصرة أفغانستان، وآباربترول بحر قزوين هي الهدف.

الانتفاضة الفلسطينية الثانية بعد عامها الأول

عام كامل مر على انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الثانية، انتفاضة القدس، عام كامل شهد تحولاً جذرياً في أولويات الفلسطينيين ونظرتهم إلى المستقبل، الفلسطينيون لم يعودوا يقبلون بالوعود والاغراءات، فحلم الدول الفلسطينية المستقلة لا يزال حياً في أفئدتهم ووجدانهم وما انتفاضة القدس التي تدور رحاها منذ عام إلا تعبير عن إصرار شعب بأكمله على مواجهة أكبر آلة عسكرية في المنطقة من أجل هدف واحد، تحرير التراب والإنسان من براثن الاحتلال.

فلسطينيون يرشقون قوات الاحتلال بالحجارة
تقرير/ سمير خضر: إذا كانت أسباب اندلاع الانتفاضة الأولى تتلخص في رفض الفلسطيني لاستمرار الاحتلال، فإن اندلاع الثانية جاء لسببين:

أولاهما: تضاؤل فرص الفلسطينيين في الحصول على حقوقهم من خلال المفاوضات.

وثانيهما: الاستفزاز الذي تعرضوا له من قبل (أرئيل شارون) الذي عمد إلى اقتحام باحة الحرم القدسي تحت حماية بضعة آلاف من الجنود ومعهم تحت تصرفه رئيس الوزراء آنذاك (إيهود باراك).

في انتفاضته الأولى التي اندلعت عام 87 كان الحجر السلاح الوحيد للفلسطيني، وعاد الحجر مرة أخرى ليشكل سلاح الانتفاضة الثانية قبل عام بعد يأس الفلسطينيين وشعورهم بالإحباط من عملية سلمية أصبحت هدفاً بحد ذاته لا غاية تحقق لهم الاستقلال والانعتاق من المحتل، لكن هذه الانتفاضة الثانية شهدت تطوراً نوعياً في السلاح، فالحجر الفلسطيني تطور ليصبح رصاصاً وقذائف هاون، والرصاص الإسرائيلي تطور ليصبح صواريخ أرض- أرض ومروحيات أباتشي والطائرات القاذفة من طراز F16، وبهذا لم تعد الانتفاضة هي الانتفاضة بمعنى كونها تعبير عن غضب جماهيري وثورة شعبية تلقائية ضد الظلم والعدوان، بل تحولت على مدى عام إلى حرب كل ما في الكلمة من معنى، حرب كر وفر من قبل المقاتلين الفلسطينيين وحرب تدمير وتجريف واقتلاع واغتيال من قبل إسرائيل.

ومنذ وصول شارون إلى سدة الحكم في إسرائيل قبل سبعة أشهر تغيرت النظرة الإسرائيلية وكان هذا متوقعاً، فشارون لم يؤمن في حياته بالسلام كأسلوب لحل النزاعات، ولكن أسلوبه وخاصة الإعلامي منه شكل تحولاً جديداً في السياسة الإسرائيلية، إذ لم يعد الإرهابي في نظره هو ذلك الذي يرمي الحجر أو يطلق النار أو يلقي القنبلة، لم يعد العدو هو حركة حماس أو تنظيم الجهاد الإسلامي أو حتى الجبهة الشعبية بل هل شخص واحد وتنظيم واحد، ياسر عرفات ومن ورائه السلطة الوطنية الفلسطينية التي يشكل القضاء عليها حلماً يراود مخيلة شارون منذ سنوات عديدة.

ولهذا نرى الرد الإسرائيلي على كل أشكال المقاومة الفلسطينية يأتي على شكل هجمات تستهدف البنية التحتية للسلطة الفلسطينية كالمؤسسات والهيئات والمباني وكذلك مقرات قوات الأمن الفلسطينية، وكأن استهداف الذراع الأمني لعرفات يستهدف تقويض سلطة الرئيس الفلسطيني شخصياً حتى وإن أدى ذلك إلى تراجع في أداء قوات الأمن وازدياد ملحوظ في العمليات الفلسطينية ضد إسرائيل. وفي المقابل لم يكن من المستغرب أن تتصدر فتح الحركة التي تزعمها عرفات شخصياً والتي تبنت العملية السلمية منذ انطلاقها طليعة المقاومة الفلسطينية. انتفاضة الأقصى تحولت اليوم إلى حرب استنزاف وهذا ما لا يريده شارون فعامل الوقت لن يلعب إلا في صالح الفلسطيني الذي لم يعد لديه ما يخسره.

توفيق طه: وقد تحدثت عبر الهاتف إلى الدكتور غسان الخطيب (مدير مركز القدس للإعلام في رام الله) وسألته أولاً عما تحقق خلال عام من الانتفاضة، التخلص من قيود أوسلو أم تحسين تورط التفاوض حول أوسلو؟

د. غسان الخطيب: أولاً خلال العام الماضي إلى الانتفاضة كان في الجانب الفلسطيني ثلاثة خيارات حول.. حول ما يجب أن تكون عليه أهداف الانتفاضة، بعض المفاوضين في السلطة الفلسطينية أرادوها وسيلة لتحسين الأوراق التفاوضية، والبعض الآخر من الفصائل الفلسطينية رأى في هذه الانتفاضة وسيلة لإخراج الجانب الفلسطيني كلياً من عملية السلام، وهذا هو الجزء الذي عارض هذه المفاوضات أصلاً. أما الجزء الثالث والذي يقع في داخله مثلاً حركة فتح والتي تلعب دور كبير في هذه الانتفاضة، فقد انتهى أن هذه الانتفاضة من شأنها أن تكون مساهمة أساسية في دفع عملية النضال الفلسطيني سواء كان في شكله السياسي التفاوضي أو في شكله الكفاحي على الأرض خطوة إلى الأمام، وبالتالي هذا التيار مع مبدأ المفاوضات ولكن ليس تلك المفاوضات التي جرت حتى الآن بمعايير (مغفلة) لغير صالح الطرف الفلسطيني.

الآن وبعد عام كامل من الصراع تضاءلت وإلى حد بعيد فرص العودة إلى مسيرة أوسلو، وبات من الواضح أن هنالك أحد طريقين فقط أمام الشعب الفلسطيني إما الدخول في عملية تفاوضية جديدة من نوع آخر وبمعايير أخرى أو الاستمرار في هذا الصراع لعل وعسى أن يكون هناك توسيع لدائرة الصراع يساعد في تعديل موازين القوى لصالح الجانب الفلسطيني والعربي، ولكن على كل الأحوال..

توفيق طه [مقاطعاً]: يعني دكتور الآن يعني هل نستطيع أن نقول إن الفلسطينيين أقرب إلى تحقيق حلم الاستقلال أم باتوا أبعد عنه؟

د. غسان الخطيب: أعتقد بأنه الفلسطينيين الآن أقرب إلى تحقيق هدفهم لأن عملية السلام السابقة بالطريقة التي قادتها الولايات المتحدة كانت ستؤدي بعملية السلام إلى نهايات في الواقع هي على حساب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، الانتفاضة الحالية خلقت الانطباع لدى الجميع بأن إنهاءً للصراع على حساب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني مستحيل، وأن إنهاء الصراع وتحقيق الأمن والسلام ممكن، ولكن له ثمن محدد هو تطبيق قواعد الشرعية الدولية، وبالتالي هذا التعديل في المعايير كان لصالح تقريب إمكانية نهاية للصراع منسجمة أكثر من المطالب الفلسطينية.

توفيق طه: نعم، دكتور، يعني رئيس الوزراء الإسرائيلي (أرييل شارون) لم يحمل أي برنامج سياسي منذ مجيئه إلى الحكم وإنما حمل برنامج لإخماد الانتفاضة خلال مائة يوم وفشل، الآن أيهما أخطر على.. على شارون وحكومته: استمرار الانتفاضة أم استئناف العملية السلمية سواء عن طريق أوسلو أو غيرها؟

د. غسان الخطيب: أولاً استئناف العملية السلمية في ظل هذه الحكومة الإسرائيلية غير وارد وغير ممكن بتاتاً، الخيار الوحيد الموجود الآن في المنطقة طالما بقي شارون هو رئيس الحكومة وطالما غاب أي بديل أو أي معارضة في إسرائيل، البديل الوحيد الممكن هو استمرار الصراع وحتى الولايات المتحدة عندما أتيحت لها الفرصة للتدخل بحجة التطورات الأخيرة التي حصلت في الولايات المتحدة نرى أن تحركها قاصر عن أن يحمل أي مضمون سياسي من النوع الذي يمكن أن يساهم في تعديل المواقف الإسرائيلية الرسمية لأن هذه الحكومة غير قادرة على تعديل مواقفها، ولذلك سوف نبقى في حالة الصراع الحالي بين مد وجذر إلى أن يحدث هناك إما تعديل في التركيبة السياسية الحاكمة في إسرائيل أو تطوير في المواقف الدولي أو الأميركي من النوع الذي يضغط بشكل كافي على إسرائيل..

توفيق طه [مقاطعاً]: يعني دكتور أنت ترى أن الضغوط الأميركية الأخيرة على شارون وعلى الفلسطينيين يعني لا تضمن استمرار دور أميركي فاعل من أجل تحقيق حل عادل ومتوازن في.. بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟

د. غسان الخطيب: صحيح الضغوطات الحالية تكتفي على ما يبدو بموضوع التهدئة أو تسكين الجبهة الساخنة هنا في الأراضي الفلسطينية، ولذلك عندما طلبت الولايات المتحدة وقف إطلاق النار وحققت ذلك إلى حد ما، فسأل الجميع ماذا بعد؟ هل للولايات المتحدة برنامج سياسي لإعادة تنشيط عملية السلام، لإحداث تعديلات في المواقف التفاوضية الإسرائيلية من النوع الذي يسمح بانفراج على مستوى العملية السلمية؟ والجواب كان بالنفي وطالما أن الولايات المتحدة لا تحمل برنامجاً سياسياً لإنقاذ المنطقة ولا تحمل سوى فقط دعوة إلى التهدئة ووقف إطلاق النار، فلا يوجد أي آفاق أمام محاولاتها للنجاح.

الرفض الإيراني للتحالف الأميركي ضد أفغانستان

توفيق طه: منيت الجهود الأميركية الرامية لتشكيل أكبر تحالف دولياً ضد الإرهاب، منيت بفشل ذريع على الصعيد الإيراني، إذ أنه رغم إدانة طهران الواضحة للهجمات التي تعرضت لها نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، رفضت القيادة الإيرانية تماماً فكرة الدخول في تحالف تقوده واشنطن كما أنها منعت الطائرات الأميركية من استخدام مجالها الجوي لقصف أفغانستان، وقد شكل هذا الموقف الإيراني ضربة قاصمة لكل من شعر في إيران وفي الولايات المتحدة ببوادر إيجابية للتقارب بين البلدين.

الرئيس الإيراني محمد خاتمي
(يمين)خلال لقاؤه وزير الخارجية البريطاني جاك سترو
تقرير/ خالد القضاة: اعتمدت حكومة المعتدلين في إيران سياسة في الأحداث الجارية يمكن وصفها بالمرنة وأعلنت أنه إذا وجدت الولايات المتحدة دليلاً على المسؤول عن تنفيذ الهجمات على.. على واشنطن ونيويورك فإن من حقها العمل على الدفاع عن نفسها، وقد كسبت إيران صورة جديدة لنفسها بمجرد تصريحات أدلى بها مسؤولوها نددوا من خلالها بالإرهاب بكافة صوره، ويقول محللون إن إيران تلعب دورها في الأزمة التي تسود المنطقة بنوع من التدبير يوصف بأنه متقن فهي لم تغضب واشنطن الساعية إلى تجييش العالم لضرب جهات تصفها بالإرهابية أو أنها تؤوي إرهابيين، وفي الوقت نفسه رفضت تقديم مساعدة فعلية للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لتوجيه ضربة محتملة لأفغانستان.

أما التيار المتشدد في إيران فانتقد الولايات المتحدة واتهمها بالسعي إلى استقلال الأزمة الحالية لبسط نفوذها على منطقة آسيا الوسطى، ورغم أن المحافظين الإيرانيين المتشبثين بقيادة (خامنئي) يعادون حركة طالبان الحاكمة في أفغانستان، فإنهم في الوقت ذاته غير مطمئنين للنوايا الأميركية.

يعرف الغرب أن في إيران تيارين متنافسين لكنهما هذه المرة اتفقا على شيء مبدئي هو عدم السماح مطلقاً لطائرات مقاتلات أميركية باستخدام المجال الجوي الإيراني في مهاجمة أفغانستان، ورفض إيران ينبثق عن خشيتها من أن يكون لأي هجوم كبير على جارتها عواقب وخيمة في منطقة ملتهبة بالفعل، ويوصف الموقف الإيراني بأنه السبيل الأمثل الذي كان من الواجب أن تسلكه الدول العربية والإسلامية، ومع أن حركة طالبان السنية كانت على وشك أن تدخل في حرب مع إيران التي تسكنها أغلبية شيعية عندما أغار مقاتلوها على القنصلية الإيرانية في (مزار الشريف) عام 98 وقتلوا العاملين فيها، فإن المحللين يرون أن الموقف الإيراني يعني أن طهران لن تكون سعيدة لأن ينظر إليها على أنها تنحاز إلى قوة عظمى غربية ضد دولة إسلامية.

وتخشى إيران أيضاً من عواقب أخرى للضربة الأميركية المحتملة لأفغانستان ففي إيران ما يزيد عن المليون ونصف المليون لاجئ أفغاني يشكلون عبئاً في بلد بدأ يعاني في الفترة الأخيرة من مشاكل تتعلق بشكل خاص بنقص المياه.

إذاً طهران استثمرت الأزمة قدر الإمكان فهي لم تقدم شيئاً ملموساً للحشود الأميركية وأحرزت بمجرد التنديد بالهجمات تحسناً في علاقاتها غير المستقرة مع العالم الخارجي وخصوصاً مع الولايات المتحدة، التي كثيراً ما وصفت إيران بأنها أكبر دولة ترعى الإرهاب في العالم.

توفيق طه: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نتابع هذه الجولة في (الملف الأسبوعي). وفيه أيضاً: السياسة الخارجية الأميركية الرابح الأكبر والوحيد من كارثة نيويورك وواشنطن.

موقف النظام والشارع الباكستاني من التحالف مع أميركا

كانت باكستان ورئيسها الجنرال (برويز مشرف) أول من استطاعت واشنطن تجنيده على طريق تشكيل تحالفها الدولي المزمع ضد الإرهاب، وبالطبع فإن للجنرال مشرف اعتباراته الخاصة التي دفعته إلى القبول بالإملاءات الأميركية، لكن الشعب الباكستاني لا يرى الأمور بالمنظار نفسه، فالشارع الباكستاني يرى في الحملة الأميركية غطاءً لحرب يشنها الغرب على الإسلام ممثلاً بحركة طالبان، كما إن موقف الهند العدو التقليدي لباكستان لا يزال محل تساؤل في إسلام أباد.

تظاهرة مؤيدة لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في كويتا عاصمة إقليم بلوشستان الباكستاني
تقرير/ سمير خضر: منظر المتظاهرين الباكستانيين، وهم يجوبون الشوارع رافعين صور أسامة بن لادن قد تثير مشاعر الكثير من الأميركيين وخاصة صانعي القرار، لكن مشكلة الإدارة الأميركية تجاه باكستان بعيدة كل البعد عن هذه المناظر، إذ لا طالما شعر الباكستانيون بالقلق من سياسات واشنطن وشككوا في نزاهتها ويضربون على ذلك مثال الدعم الأميركي المطلق لإسرائيل التي هددت مراراً بضرب المفاعلات النووية الباكستانية.

ورغم أن باكستان لم تخرج يوماً عن نطاق دائرة النفوذ الأميركي فإن صانع القرار الباكستاني يرى أن واشنطن لا تلجأ له إلا عندما تكون لها مصلحة مباشرة كما حدث عندما غزا الاتحاد السوفيتي أفغانستان حيث أصبحت باكستان نقطة العبور الوحيدة للمساعدات الأميركية للمجاهدين الأفغان.

ويعتقد صانعو القرار في إسلام أباد إن مشكلة بن لادن وأعوانه هي مشكلة أميركية بحتة ليس لهم علاقة بها، فواشنطن هي التي صنعتهم ودفعتهم إلى ساحة المعركة ضد القوات السوفيتية الغازية، وعندما تحقق لها ما تريد تخلت عنهم لأنها لم تعد بحاجة إليهم، لكن بن لادن وجماعته سرعان ما أداروا فوهة البندقية باتجاه حلفائهم السابقين، ورغم تأكيد الإدارة الأميركية المتكرر بأن حملتها ضد أسامة بن لادن ليست موجهة ضد الإسلام، فإن الباكستانيين بشكل عام لا يزالون غير مستعدين لبلع هذا الطعم خاصة مع استمرار التحيز الأميركي الواضح لإسرائيل واستمرار تجاهل الولايات المتحدة لقضية (كشمير) التي تشكل عصب الحياة السياسية في باكستان، ورغم أن كثيراً من الدول الآسيوية قد تجاوزت مرحلة الفقر والبطالة فإن باكستان لا تزال تعاني على الصعيد الاقتصادي، وهناك في باكستان من يلوم الولايات المتحدة على هذا الوضع بسبب عدم تشجيعها للاستثمار الأميركي في بلادهم وضغوطها المتواصلة على البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لتشديد شروط الاقتراض على إسلام أباد، الوضع الذي تجد فيه باكستان نفسها اليوم يحمل في طياته نذر شؤم خاصة إذا ما كان الرد الأميركي على هجمات نيويورك وواشنطن على شكل غارات مكثفة على أفغانستان، فالشارع الباكستاني لن يسكت على ذلك، ونقاط الاحتكاك بينه وبين نظام الجنرال مشرف ستتعدد، الأمر الذي قد يهدد الاستقرار السياسي في هذا البلد النووي ويفتح شهية أعدائه وعلى رأسهم الهند.

وآخر شيء ترغب فيه إسلام أباد هو وصول نظام معاد لها في أفغانستان إذا ما قررت واشنطن دعم تحالف الشمال وتمكينه من استعادة السلطة في كابول.

البعد الاقتصادي وراء التحالف مع دول وسط آسيا

توفيق طه: منذ بدء الأزمة حاولت الولايات المتحدة استمالة موسكو إلى جانبها لأسباب عدة، فالرئيس الروسي (فلاديمير بوتين) دان بشدة الهجمات التي تعرضت لها الولايات المتحدة، لكنه لم يتحمس كثيراً لفكرة تشكيل تحالف دولي ضد الإرهاب، فقد كان يريد ثمن، وقد حصل عليه أو على جزء منه –على الأقل- حيث قارنت واشنطن حملتها ضد بن لادن بالحملة العسكرية الروسية في الشيشان، لكن النجاح الكبير الذي حققته واشنطن على الصعيد الروسي تمكن في اختراق الولايات المتحدة لدول آسيا الوسطى التي ترتبط بمعاهدات دفاعية مع موسكو، وهنا يبدو واضحاً البعد الاقتصادي نظراً لقرب منطقة بحر قزوين الغنية بالنفط من ساحة العمليات المقبلة.

خارطة أفغانستان
تقرير/ خالد القضاة: من الواضح أن الدور المحتمل لدول آسيا الوسطى قد أصبح مهماً في التخطيط العسكري الأميركي للفترة المقبلة، فتركيز واشنطن في الوقت الحالي سيكون على هذه المنطقة بشكل خاص وعلى كيفية صياغة علاقات جديدة أو مختلفة مع القوى الدولية والإقليمية المؤثرة في المنطقة لخدمة حربها التي تقول إنها ضد الإرهاب، فالمنطقة من الممكن أن تكون نقطة انطلاق لأي ضربة توجهها واشنطن لأفغانستان، وربما وجدت الولايات المتحدة أنها ملزمة بالتقرب من دول المنطقة لأسباب تتعلق بطبيعة الجوار الأفغاني، هذا إذا كان الهدف الحقيقي من انتشارها هناك هو فقط ضرب ما تصفه بالإرهاب.

المستغرب –كما يرى محللون للأزمة الحالية- هو أن هذه الدول تسابقت في تقديم المساعدة لواشنطن فكان رئيس كازاخستان –على سبيل المثال- أول زعيم من منطقة آسيا الوسطى يصدر تعهد بتقديم دعم عملي للولايات المتحدة وعرضت بلاده مجالها الجوي وقواعدها للاستخدام في حال شن ضربة أميركية على أفغانستان، وهذه التسهيلات التي تضعها دول المنطقة تحت تصرف الأميركيين ستساعد في حل أكبر تحدٍّ لوجيستي تواجهه واشنطن منذ حرب الخليج.

من المعروف أن دول آسيا الوسطى معظم سكانها مسلمون، فما الذي يدفعها إلى أن تقدم مساعدات ميدانية لضرب دولة مسلمة في الجوار، البعض يعلل ذلك بأن هذه الدول تعتبر قليلة الخبرة في العلاقات الدولية، وربما لا يهمها إلا ما يقال لها بأن الحرب على ما يوصف بالإرهاب تعني أنها ستتخلص من بعض الحركات الداخلية التي تصفها بالمتشددة، وهناك عامل آخر هو أن دول المنطقة كانت جمهوريات في الاتحاد السوفيتي السابق وبالتالي مازالت تحت تأثير كبير من جانب روسيا التي يقال أيضاً أنها ستستفيد كثيراً من المواجهة بين واشنطن وكابول، وهذا الاحتمال يعني أن معظم دول آسيا الوسطى مغلوب على أمرها في أزمة بهذا الحجم.

من غير الجائز أن يستبعد المراقب لما يجري أن تكون السيطرة على مصادر الطاقة في منطقة آسيا الوسطى والقوقاز أحد الأهداف التي تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيقها من خلال حملتها الحالية لما يسمى بمكافحة الإرهاب، وهذا ما حدا بدول لأن تعلن في البداية على أنها ستبقى على حياد، أولاً: لإبعاد الأميركيين عن المنطقة خوفاً من أن يستأثروا أو يتحكموا في مصادر رزقهم.

وثانياً: لأن وجود قوات أميركية وغربية أخرى على أراضيها قد يؤدي إلى حدوث نوع من عدم الاستقرار وإلى انتشار قتال على طول الحدود الأفغانية بشكل عام ولفترة طويلة.

تأثير التفجيرات الأخيرة على السياسة الخارجية الأميركية

توفيق طه: شكلت السياسة الخارجية الأميركية في عهد الرئيس (جورج بوش) الابن كابوساً لمعظم عواصم العالم، إذا بدا واضحاً منذ البداية أن الإدارة الأميركية الجديدة لا تحبذ التدخل كثيراً في شؤون العالم كما أثبتت على مدى الشهور الماضية أنها لا تفكر سوى في المصالح الأميركية حتى وإن تعارضت مع الاتفاقات الدولية، لكن كارثة الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول غيرت هذا الوضع وبدأ العالم يشهد تحركاً دبلوماسياً أميركياً واسع النطاق مصاحباً للتحركات العسكرية الأميركية في البر والبحر والجو.

حطام مركز التجارة العالمي
تقرير/ سمير خضر –قراءة/ عبد الحق صداح: منذ أن تسلم (جورج بوش) مقاليد الرئاسة في واشنطن اتسمت سياسة إدارته بالتجاهل المذهل لكل ما هو غير أميركي، وخرجت بذلك السياسة الخارجية من قائمة الأولويات، لكن كارثة نيويورك وواشنطن أعادت الأمور إلى نصابها خاصة مع إعلان بوش رغبته في تشكيل تحالف دولي ضد الإرهاب، الإرهاب من المنظور الأميركي بالطبع، وهنا نشطت الدبلوماسية الأميركية على كافة الصعد، لكن هذا النشاط لا يزال انتقائياً ويستند إلى القاعدة التي أرساها بوش وهي "من لم يكن معنا فهو مع الإرهابيين".

أول وأهم حليف نجحت واشنطن في استقطابه كانت باكستان التي خرجت من أحضانها حركة طالبان التي تحتضن بدورها أسامة بن لادن، وأظهرت الولايات المتحدة استعدادها لدفع الثمن، رفع العقوبات المفروضة على باكستان والهند منذ ثلاث سنوات في أعقاب تجاربهما النووية وإعادة جدولة ديون إسلام أباد وربما لما لا في المستقبل تعاون عسكري من المؤكد أنه سيثير حفيظة وقلق الجارة الكبرى الهند، فدلهي تنظر بعين الريبة إلى كل تقارب بين جارتها اللدود وواشنطن، وربما يكون هذا السبب الذي دفع واشنطن إلى طمأنة الهند من خلال إدراج اسم جماعة الجهاد الكشميرية على قائمة الشخصيات والمنظمات التي ستكون هدفاً للحملة الدولية ضد الإرهاب.

واشنطن لا تزال تسعى إلى ضم أكبر عدد ممكن من الدول العربية والإسلامية إلى تحالفها المزمع، والهدف واضح أن تشعر الجميع بأن حملتها لا تستهدف الإسلام كدين وعقيدة، لكن هذه الجهود لا تزال تصطدم بعقبات كبيرة، فإيران التي دانت الهجمات على نيويورك وواشنطن رفضت الدخول في تحالف ضد أفغانستان، الدولة المسلمة، أو حتى السماح للطائرات الأميركية بعبور الأجواء الإيرانية، أما دول الخليج العربي وعلى رأسها السعودية فإنها لا تزال تنظر بعين الريبة إلى السياسة الأميركية تجاه الإسلام والمسلمين، ومصر التي لا يمكن تجاوزها في المنطقة تعارض بشدة فكرة التحالف الدولي وتنادي عوض عنه بمؤتمر دولي لمكافحة الإرهاب، فكرة التحالف أيضاً لم ترق لروسيا رغم أن الرئيس (بوتين) أعطى الضوء الأخضر لدول آسيا الوسطى للتعاون مع واشنطن لكن موسكو بدأت تغير من نظرتها للأمور بعد تلميح واشنطن، بأنها تعتبر حرب روسيا في الشيشان جزءاً من الحرب ضد الإرهاب، وتبقى أوروبا الحليف الاستراتيجي والتقليدي لأميركا على مدى أكثر من نصف قرن، فالأوروبيون لا يزالون ينتظرون معرفة قائمة الأهداف الأميركية وما تطلبه منهم واشنطن بالتحديد، وأكثر ما تخشاه أوروبا أن تنفرد واشنطن بالعمل العسكري لوحدها دون اللجوء إلى حلفائها في الناتو، ويبقى أكبر دليل على التحول الكبير في السياسة الخارجية الأميركية الموقف من الأزمة المشتعلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، إذ لم يخفى على أحد مناشدة واشنطن الطرفين سراً وعلانية تهدئة الأمور ولو مؤقتاً وتعبير واشنطن عن امتعاضها من محاولة شارون استغلال الكارثة الأميركية لتمرير أجندته الخاصة في الشرق الأوسط.

توفيق طه: بهذا نأتي مشاهدينا إلى ختام جولتنا في (الملف الأسبوعي) وأذكر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع الجزيرة نت في الشبكة المعلوماتية الإنترنت، وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم فريق البرنامج، وهذا توفيق طه يستودعكم الله.

الانتفاضة الفلسطينية الثانية بعد عامها الأول. -الرفض الإيراني للتحالف الأميركي ضد أفغانستان.- موقف النظام والشارع الباكستاني من التحالف مع أميركا. -البعد الاقتصادي وراء التحالف مع دول وسط آسيا. -تأثير التفجيرات الأخيرة على السياسة الخارجية الأميركية