مقدم الحلقة:

جميل عازر

تاريخ الحلقة:

31/08/2002

- قمة الأرض في جوهانسبرغ وكيفية التغلب على الفقر والتخلف
- حظر حزب باتاسونا الباسكي في إسبانيا

- جدوى الاتفاقات الأمنية بين الفلسطينيين والإسرائيليين

- العراق بين التهديد بضربة عسكرية أميركية وبين المعارضة لها

- التطورات في نهج الاتحاد الأوروبي

- معارضة الوجود الأجنبي في أفغانستان

جميل عازر: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه:

قمة الأرض في جوهانسبرج، جلسات عمل تمهيدية في أجواء متوترة ومشاحنات، فكيف يمكن التغلب على الفقر والتخلف؟

باتاسونا حزب قومي يقع ضحية لمكافحة الإرهاب، فهل حظره يحل مشكلة إسبانيا مع الباسك؟

والفلسطينيون في دوامة، اليحيى يطالب بوقف العمليات الفدائية وحماس ترفض فما جدوى خطة غزة – بيت لحم أولاً؟

قمة الأرض في جوهانسبرغ وكيفية التغلب على الفقر والتخلف

تعتبر قمة الأرض التي تبحث في التنمية المستدامة مواجهة إن لم تكن معركة حامية بين الدول الغنية والفقيرة، وساحة المواجهة تتألف من إحدى وسبعين صفحة تتضمن أربع عشرة قضية تشكل خطة للتنفيذ تدور حولها مساومات ومهاترات ويبدو أن هناك مشكلة تتمثل في عدم رغبة بعض الدول الغنية وعلى رأسها الولايات المتحدة في قبول التزامات محددة بشأن عدد من القضايا التي إما تنطوي على تبعات اقتصادية أو مضاعفات سياسية لا تروق لها، ومن الطبيعي أن ينظر الكثيرون إلى واشنطن على أنها العقبة الكبرى في سبيل تحقيق تقدم بعد انسحابها من معاهدة (كيوتو)، ولكن القضايا المطروحة هي من التعقيد والضخامة بحيث يتعذر معهما توقع الشيء الكثير من هذه القمة، حتى لو توفرت النوايا الحسنة.

رئيس جنوب أفريقيا في افتتاح قمة الأرض بجوهانسبرغ
تقرير/ سمير خضر: من الخطأ النظر إلى مثل هذه التظاهرات الدولية على أنها مواجهة بين الشمال والجنوب لسبب بسيط للغاية هو أن الجنوب لا يمتلك وسائل للدخول في مثل هذه المواجهة.

لا سياسياً ولا اقتصادياً ولا اجتماعياً، فمنذ أول قمة للأرض في ريو قبل عشرة أعوام ظلت توجد مواجهة أحادية الجانب ولكنها بين الدول الغنية ذاتها، الولايات المتحدة من جهة وأوروبا واليابان من جهة أخرى، كتلتان تحاول كل منهما فرض رؤيتها على الأخرى لحماية مصالحها الذاتية التي غالباً ما تكون ضيقة، فالولايات المتحدة لا تريد الالتزام بأي من الاتفاقيات التي تم التوصل إليها بهدف وقف التدهور البيئي للإنسان بحجة أن ذلك قد يعود بالضرر على الصناعات الأميركية ويقلل من قدرتها على المنافسة، في حين أن أوروبا تتهم الولايات المتحدة بالأنانية وبعدم الاكتراث بمستقبل الكوكب.

أما ما يتردد عن محاولة الدول النامية فرض أجندة خاصة بها، أو ما نراه على شاشات التليفزيون من تظاهرات صاخبة لجمعيات ومنظمات حماية البيئة، فلا تتعدى كونها ديكوراً يُراد منه ذر الرماد في العيون.

ومع ذلك فقد اختارت قمة جوهانسبرج عنواناً كبيراً يثير سخرية الكثيرين، "التنمية المستدامة"، ولكن تنمية من؟ وتنمية ماذا؟ وكيف؟ لا أحد يود لحد الآن الإجابة على مثل هذه التساؤلات بسبب عدم وجود اتفاق حول مفهوم التنمية ومتطلباتها، إذ كيف يمكن التفكير في تنمية دول تفتقر إلى كل أدوات ووسائل التطور وترزح تحت عبء ديون لا قبل لها بها، دول تعتمد في معظمها على الزراعة كوسيلة رئيسية للعيش، لكنها تعاني من نقص في الموارد اللازمة للاستمرار في نهج الإنتاج الزراعي ومجاراة سياسة دعم المزارعين في دول الشمال، ناهيك عن إمكانية تسويق هذا الإنتاج دون الدخول في لعبة البورصات الدولية وتحكم دول الشمال في الأسعار.

أما قضية حماية البيئة فقد أصبحت أحد وسائل الضغط المتعددة التي تمارسها دول الشمال، فكيف يمكن لدول تكاد لا تستطيع إطعام مواطنيها أن تستثمر جزءاً كبيراً من إيراداتها على تحسين البيئة في حين أن معظم حالات التلوث التي يشهدها كوكبنا ناجم –في الواقع- عن الأنماط الاستهلاكية أللا مسؤولة في الدول الغنية

جميل عازر: ونتابع هذا الموضوع ومعنا من باريس ماجد نعمة (رئيس تحرير مجلة إفريقيا وآسيا).

أستاذ ماجد، بداية قبل أن نتطرق إلى مواضيع محددة، هل تعتقد أنه يمكن التوفيق بين متطلبات التنمية ومتطلبات حماية البيئة؟

ماجد نعمة (رئيس تحرير مجلة أفريقيا وآسيا): يعني نظرياً طبعاً ليس من الممكن فقط أن نوفق بين الاثنين، ولكن من الواجب أيضاً، ولكن ما.. ما يجري حالياً خاصة في ظل الليبرالية السائدة، المقولات الليبرالية التي نسمعها والتي يبدو أنها هيمنت على كل النقاشات المؤتمر جوهانسبرج يعني أخشى ما أخشاه هو أن.. نصل إلى طريق مسدود وإلى.. وإلى مأزق، يعني الولايات المتحدة لا تريد أن تسمع أي كلمة تعني المساعدة تعني التعاون، تريد فقط أن تبرز قيم التجارة قيم السوق، وهذا ما دفع يعني أحد.. كثير من الناس إلى القول أن مؤتمر جوهانسبرج تحول إلى بازار عالمي أصبحت فيه البيئة والتنمية سلعة تُباع وتُشترى، وقد لاحظنا أيضاً في هذا المؤتمر، وهذه هي أول مرة وجود بارز ومكثف للشركات المتعددة الجنسية على حساب الجمعيات غير الحكومية التي أولاً حُشرت في مكان.. في مقر بعيد عن المؤتمر حوالي عشرين كيلو متر، وهذه المنظمات يعني تمثلت بحوالي 45 ألف شخص في حين أن الشركات الكبرى كانت في.. في الحقيقة في القمة نفسها وفرضت آراءها ونظرياتها بمعنى أن التجارة أولاً والتجارة أخيراً.

جميل عازر: طيب يعني من أهداف المؤتمر مكافحة الفقر في.. في العالم، ولكن عندما ننظر في مثلاً معدلات دخل الفرد في سويسرا 36970 ألف دولار وهذا معدل دخل الفرد، وفي بورندي مائة دولار في السنة أو أثيوبيا مائة دولار في السنة، هذا فارق كبير، هل بالإمكان تحقيق أي تقدم حتى يُذكر في مسألة تضييق الهوة بين الفقراء والأغنياء في العالم؟

ماجد نعمة: طبعاً يعني.. هذا.. هذا ما ترفضه دائماً الولايات المتحدة ودعاة الليبرالية أو العولمة الهمجية –كما يسمى- البحث فيه طبعاً يجب هناك قيام مشروع (مارشال) ضخم لإعادة بناء دول الجنوب، والذي سبق كما قلت يعني الفارق الهوة الهائلة بينها وبين الدول الغنية، فهناك 15% من.. من سكان العالم يستأثرون بحوالي 4/5 الدخل العالمي، فكيف تريد من هؤلاء الفقراء الذين ليس لهم أن يأكلوا إلا الأعشاب وإلا أن يتدفأوا بالأخشاب، أن يحافظوا على هذه البيئة، في حين أن..

جميل عازر [مقاطعاً]: أليس.. أستاذ ماجد، أليس من الخطأ أن نحمل أن نفرض على الولايات المتحدة اللوم عن كل هذه المآسي إن صح التعبير؟

ماجد نعمة: طبعاً لا.. لا يعني هذا لا يعني أن.. أن دول الجنوب ليست مسؤولة عن.. عن فقرها وتخلفها، ولكننا نرى في كثير من الأحيان أن الذين يفرضوا قواعد اللعبة هي دول الشمال، ويعني مثلاً مثل بسيط فإن دول الجنوب المديونة تدفع لدول الشمال تسديداً لديونها أكثر مما تتلقى من المساعدات، وهذه المساعدات تأتي.. تذهب في معظمها لشراء سلع وخدمات من هذه الدول الغنية، يعني نحن دخلنا في.. في حلقة مفرغة لا يمكن فعلاً الخروج منها إلا بمعالجة مسألة الديون معالجة جذرية، طبعاً ضمن شفافية، ضمن شروط ديمقراطية، ضمن شروط يعني حق النظر في كيف تذهب هذه المساعدات، ولكن نرى أن.. أن دول الشمال عادةً لا يهمها يعني الديمقراطية والشفافية هي أو مكافحة الفساد، في أغلب الأحيان هي شعارات تهدف إلى يعني مضايقة الدول الفقيرة في الجنوب التي لا يلائمها النظام.. لا يلائم.. أو تتخذ سلوكاً سياسياً لا يعجب الدول الغنية، إذاً هو لم..

جميل عازر [مقاطعاً]: هل تعتقد أن.. هل تعتقد أن ندوات ضخمة على هذا الصعيد بهذا الحجم يمكن أن تكون مجديةً في حل مثل هذه القضايا.. قضايا هائلة تواجه الجنس البشري؟

ماجد نعمة: يعني طبعاً أنا لا أعتقد أنها يمكن أن تقدم الحلول، ولكنها تشكل جرس إنذار وتدرس المشكلة يعني تحذر الجميع إلى الأخطار المحدقة بالإنسانية، لأن سواء كنا من الأغنياء أو من الفقراء فإننا على مركب واحد قد يغرق بنا جميعاً، يعني هذه هي الرسالة الأساسية التي يمكن.. استفاد منها من مؤتمر مثل مؤتمر جوهانسبرج وسابقاً مؤتمر كيوتو، وقبلها مؤتمر ريو، وكما رأينا يعني جميع هذا المؤتمرات ظلت مجرد شعارات، ولكنها جعلت الرأي العام في.. في الدول الغنية بشكل خاص يتحسس بخطورة هذه المشكلة، وخاصةً عندما ننظر إلى ما جرى من كوارث طبيعية في أوروبا نفسها وفي الولايات المتحدة أيضاً من الفيضانات، من أزمات طاقة، من أزمات مياه صالحة للشرب، يعني هذه المشكلات ليست فقط تتعلق بمشكلة الجنوب، ولكنها باتت الآن مشاكل أساسية في الدول الغنية نفسها.

جميل عازر: طيب في هذا السياق يعني المياه، الطاقة، الصحة، التنوع الحياتي

ماجد نعمة: الإدارة.

جميل عازر: المسؤولية تجاه البيئة، نشير في هذه القضايا إلى حكومات أو أنظمة الحكم، ولكن ألا تعتقد أنها ينبغي أن توجه إلى الفرد بحيث يتحمل مسؤوليته ويغير أنماط حياته؟

ماجد نعمة: طبعاً يجب وهذا يفترض وجود جهد مالي كبير، استثمار مالي كبير في التعليم وفي التوعية، وهذه الدول في معظمها –مع الأسف- لا تملك ما يمكنها من الاستثمار في مثل هذه الميادين، وبدون مساعدة مكثفة من دول الشمال ومن مجهود جماعي من كل دول العالم لا يمكن الخروج من.. من هذه الحلقة المفرغة.

جميل عازر: ماجد نعمة في باريس، شكراً جزيلاً لك.

حظر حزب باتاسونا الباسكي في إسبانيا

ربما كان مقتل صبية في السادسة من عمرها في الآونة الأخيرة هو الذي أدى إلى نفاذ صبر الحكومة الإسبانية في تعاملها مع حزب باتاسونا الباسكي، فإحجام هذا الحزب عن التنديد بالعملية التي تسببت في مقتل الطفلة وشخص آخر رسَّخ الاعتقاد السائد في إسبانيا بأنه الجناح السياسي لحركة إيتا الانفصالية التي تمارس العنف لتحقيق الاستقلال، وما سن تشريع لحظر أنشطة الحزب سوى خطوة أولى في حملة بدأتها الحكومة الإسبانية على صعيد أوروبي ودولي لإغلاق مكاتب باتاسونا وتجفيف منابع تمويله، ولكن هل في هذا حل لمشكلة الباسك، أم تأجيج لمشاعرهم؟

تظاهرة لمؤيدي حزب باتاسونا الباسكي
تقرير/ حسن إبراهيم: لم يكن قرار حظر حزب باتاسونا القومي الباسكي أمراً يسهل تقبله في إسبانيا ما بعد (فرانكو)، فعهد فرانكوا اشتُهر بقمعه الوحشي للتنظيمات المعارضة واختص القومية منها والشيوعية، لكن حزب باتاسونا الذي ينفي الاتهام بأنه الذراع السياسي لحركة إيتا الانفصالية استُهدف من قبل السلطات ا لإسبانية بسبب رفض الحزب التنديد بعملية إيتا، وقد اتخذت حكومة مدريد هذه المرة موقفاً حذراً وهي تقوم بتنفيذ أمر المحكمة العليا بحظر وإغلاق مكاتب الحزب في مدينة بلباو، فقوات الشرطة التي أرسلتها لإغلاق مكاتب الحزب كانت قوات باسكية، الأمر الذي تفادت حكومة (أزنار) من خلاله إرسال قوات فيدرالية قد تؤلب الجماهير الباسكية عليها، وسجل إيتا الطويل في ممارسة العنف من خلال التفجيرات والاغتيالات آثارت لجام الجماهير في بلباو الباسكية بعد أن قضت طفلة عمرها ست سنوات نحبها إثر انفجار عبوة ناسفة زرعتها إيتا، وقد نددت جميع الأحزاب الباسكية بالعملية ما عدا حركة باتاسونا التي تقول إن أي تنديد من جانبها لن يأتي إلا في سياق تسوية سياسية كاملة تمنح الإقليم استقلاله.

مثل هذا الموقف جعل حتى الحركات الباسكية رغم اختلاف مواقعها في الطيف السياسي الباسكي تندد بإيتا وكذلك بباتاسونا، وقد صنفت الولايات المتحدة وكذلك الاتحاد الأوروبي إيتا ضمن المنظمات الإرهابية، الأمر الذي يعني نجاحاً دبلوماسياً للدولة الإسبانية التي أعلنت حكومتها انضمامها إلى الحرب ضد الإرهاب في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر.

عمليات إيتا أسفرت حتى الآن عن مقتل حوال 836 شخصاً وجرح 2367 منذ أن بدأت عملياتها قبل 34 عاماً، وقد اتُهمت مراراً بالتنسيق مع حركات مثل الجيش الجمهوري الأيرلندي وحركات استقلالية أخرى وحركات يسارية راديكالية، مثل الألوية الحمراء، و(بادر ماين هوف)، لكن معظم حلفاء إيتا في أوروبا قد تساقطوا أو ضعفوا أو تخلوا عن العنف وانخرطوا في العمل السياسي مثل الجيش الجمهوري الأيرلندي، وإقليم الباسك يسيطر على حكومته الإقليمية شبه المستقلة الحزب القومي الباسكي وهو حزب يرفض العنف الذي تمارسه إيتا، ويعتقد أنه أنجز كثيراً من أجل استقلال الباسك بدون إراقة الدماء، لكن باتاسونا يرد على هذه الحجة لأنه لولا العنف الذي مارسته (إيتا)، لما أجبرت حكومتنا (فيليب جونزاليس) و (خوزيه ماريا أزنار) على تقديم التنازلات التي أفرزت الحكم الذاتي الذي ينعم به الباسكيون.

جميل عازر: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل هذه الجولة وإياكم في (الملف الأسبوعي)، وفيه أيضاً بعد الفاصل:

العراق بين التهديد بضربة عسكرية أميركية والمعارضة لها، فهل ينتصر في الحرب قبل بدايتها.

[فاصل إعلاني]

جدوى الاتفاقات الأمنية بين الفلسطينيين والإسرائيليين

جميل عازر: أهلاً بكم من جديد، ربما قيل حتى الآن أن كل ما يمكن أن يقال القضية الفلسطينية في سياق انتفاضة الأقصى وتفاعلاتها والمصير الأسود الذي لاقته عملية السلام على يد حكومة شارون، ولكن أهمية التطورات تعيد فرضها على الساحة الإخبارية، فبينما يتناقش الفلسطينيون حول وقف الهجمات الفدائية يبدو الاختلاف بين المؤيدين والمعارضين وكأنه يدور حول شرعية مقاومة الاحتلال بكل الوسائل، وفي هذه الأثناء لا يبدو في الأفق ما ينم عن تغير.. تغير في أهداف الحكومة الإسرائيلية وأساليب تعاملها مع الفلسطينيين، ومن هنا يتساءل الكثيرون عن جدوى الاتفاقات الأمنية.

دبابة إسرائيلية أمام مستشفى فلسطيني في رام الله بالضفة الغربية
تقرير/ سمير خضر: قرابة عامين ستمر منذ نشوب ما كان يعرف بالانتفاضة الفلسطينية الثانية، عامان من المواجهات العسكرية والسياسية والاقتصادية بين شعب لم يعد يقبل بواقع الاحتلال وقوة إقليمية لم تعرف في تاريخها سوى السلاح لغة للتعامل مع الجوار، وما كانت تعرف بالمناطق الفلسطينية عادت إلى وضع ما قبل اتفاقات أوسلو مع فارق بسيط فقد تم استبدال الحكم العسكري الإسرائيلي المباشر بحالة من الفوضى المتعمدة كأسلوب للعقاب الجماعي، فإسرائيل لم تعد تعترف بالسلطة الفلسطينية ككيان، وكل ما تريد مما تبقى منها هو الانصياع الكامل لرغبات وأوامر حكومة (شارون) وعلى رأسها قبول القيام بمهام الشرطي لضمان أمن وسلامة إسرائيل وسكانها، وإذا كانت كل أجنحة الحكومة الإسرائيلية متفقة على هذا المبدأ فإنها تختلف حول الشكل لا المضمون، جناح شارون الليكودي لا يرى ضيراً في استمرار الأمور على حالها فهذا أفضل ضمانة لكسب المعركة الانتخابية التي تلوح في الأفق، ومثل هذه الاستراتيجية لا تخدم بالضرورة جزب العمل الذي أصبح مطلوباً منه اليوم التمايز عن الليكود وإلا خسر معنى وجوده على الساحة السياسية الداخلية، وربما لهذا السبب وافق شارون على مشروع وزير دفاعه العمالي العودة إلى التفاوض الأمني مع السلطة الفلسطينية فهو يعرف تماماً أن مصير مثل هذا المشروع هو الفشل.

(بنيامين بن أليعازر) يريد إقناع فئة كبيرة من الإسرائيليين بأنه رجل التفاوض مع الإسرائيليين بعكس شارون دون أن يغضب الفئة المتشددة التي تضع الاعتبارات الأمنية فوق كل شيء، لذا خرج (بن أليعازر) فكرة جديدة قديمة اسمها خطة غزة –بيت لحم أولاً، والتي تنص على تسليم المهام الأمنية في قطاع غزة وبيت لحم إلى الجانب الفلسطيني كإجراء مرحلي، ولكن لماذا غزة وبيت لحم؟

غزة لأن قوات الأمن الفلسطينية لم تتعرض هناك لدمار كبير ولا تزال قادرة على تحمل مسؤولياتها.

أما بيت لحم فإن اختيارها يدخل ضمن حملة دعائية موجهة إلى الخارج إلى العالم المسيحي بشكل خاص.

هذه الخطة لم يكتب لها النجاح لحد الآن بسبب المعارضة الشديدة من قبل معظم الفصائل الفلسطينية التي لا ترى فيها سوى امتداد لسياسة الاتفاقات المرحلية التي أثبتت فشلها منذ أوسلو، كما أن الفلسطينيين والإسرائيليين يعرفون تماماً أنها غير قابلة للتنفيذ بسبب التناقض في مفهوم الأمن بين الطرفين، فالإسرائيليون يعرفون الأمن بأنه التزام الفلسطينيين بوضع حد للفصائل التي تصر على استمرار المواجهة مع إسرائيل في حين الفلسطينيين ينظرون إلى مثل هذا بالتعريف على أنه وصفه جاهزة لحرب أهلية داخلية لم يخرج منها سوى مستفيد واحد هو (آرييل شارون)، ولهذا يطرح كثير من الفلسطينيين التساؤل المشروع طالما أن النتيجة معروفة سلفاً، فلماذا إذن الاستمرار في نهج المفاوضات الأمنية.

العراق بين التهديد بضربة عسكرية أميركية وبين المعارضة لها

جميل عازر: ولا يمكن وصف ما يدور الآن بين العراق والولايات المتحدة إلا أنه يندرج في إطار حرب نفسية تستهدف خلق حالة من الارتباك، فالتناقض الظاهري بين التصريحات الصادرة من واشنطن عن وجوب القيام بعمل عسكري من جهة والتي تنادي بعقم مثل هذه الخطوة من جهة ثانية يصب في هذا التصنيف. والعراق من جهته حتى وإن يكن ليس كأفغانستان يزمجر ويتحدى ويناور ويساوم ويستنجد ويحشد وكأنه الطير إذا شعر بخطر نفش ريشه ليبدد اكبر من حجمه وهو يواجه مفترساً لا شك في قوته، وبينما يظل احتمال الحرب مرجحاً رغم التحذيرات المتزايدة إقليمياً وعالمياً من العواقب، لابد من التساؤل عن الدوافع وراء نزوع صقور الإدارة الأميركية إلى العنف.

وزير الخارجية العراقي يصافح رئيس لجنة المراقبة والتفتيش في العراق
تقرير/ حسن إبراهيم: من يقرع طبول الحرب في واشنطن يضع نصب عينيه الانتخابات النصفية للكونجرس، التي ستجري في السادس من نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الحالي، والخوف من اكتساح ديمقراطي لمجلس النواب والشيوخ وحكام الولايات وما ينطوي عليه ذلك من مضاعفات بالنسبة لإعادة انتخاب الرئيس الأميركي عام 2004 وإلحاح (ديك تشيني) نائب الرئيس في دعوته للإطاحة بصدام حسين رغم الاعتراضات على الصعيدين الداخلي والخارجي، يزداد حرارة بعد أن دخل (جيمس بيكر) زميله السابق وزير الخارجية في إدارة (جورج بوش الأب) في زمرة المعارضين لضربة أميركية مفردة ضد العراق، ومثل هذه التصريحات التي تصر على الضربة العسكرية للعراق، تثير تساؤلات عن الدوافع الحقيقية وراءها، خاصة وأن اعتراضات حلفاء أميركا الأوروبيين تتزايد حدة، ومع اقتراب الذكرى السنوية الأولى لهجمات الحادي عشر من سبتمبر ما زالت الولايات المتحدة تحاول التعامل مع تبعاتها وما رافقها من متاعب اقتصادية تمثلت في إفلاس عدد من كبريات الشركات الأميركية نتيجة لمخالفات مالية، وإذا أضيف إلى ذلك التعثر في الحرب على الإرهاب والجرح الجديد الذي نكأته الرسالة التي عزيت إلى أسامة بن لادن وتشرن على صفحات الإنترنت، فان من الطبيعي أن يبحث كبار المسؤولين في المعسكر المتشدد في الإدارة الأميركية عن عدو لضربه من أجل التستر على إخفاقات في مجالات لا علاقة له فيها من قريب أو بعيد، ومع ذلك يحيط الأميركيون موقفهم الحقيقي بقدر كبير من التستر والمعلومات المتناقضة عن سيناريوهات مختلفة وأخرى معارضة، وثالثة تنادي بالتروي وإجراء مناقشة في الكونجرس، أو مشاورات مع الحلفاء والأصدقاء في هذا الشأن.

ولكن تشابك الموقف الأميركي من العراق مع الحرب على الإرهاب فتح أمام واشنطن جبهة أخرى، تتمثل في المعارضة العربية لأي ضربة عسكرية ضد بغداد، أو محاولة إسقاط نظام الحكم فيها، وإذا صدرت نداءات تطالب باعتبار السعودية عدواً وليس حليفاً لواشنطن، واتهامها بأنها منبت الإرهاب كان لابد من ظهور مخاوف لدى السعوديين من نوايا الأميركيين، وربما كان استقبال الرئيس بوش في ضيعته بتكساس السفير السعودي بندر بن سلطان محاولة للتغلب على هذا التردي في العلاقات بين الجانبين، ولكن ما من شك في أن واشنطن غير راضية أيضاً عن موقف الرياض المعلن المعارض لتوجيه ضربة للعراق، وفي هذا السياق لابد وأن يكون السفير السعودي قد حاول شرح وجهة النظر السعودية بأن متاعب الشرق الأوسط لا تكمن فقط في ثلاثية النفط والقضية الفلسطينية والإرهاب، وحتى لو اقتنع الرئيس بوش فإن في واشنطن من يريدون الإبقاء على التوتر في الملف العراقي لأسباب ربما يأتي في مقدمتها التستر على تصرفات إسرائيل في المناطق الفلسطينية.

التطورات في نهج الاتحاد الأوروبي

جميل عازر: والملف العراقي كالتطورات على الساحة الفلسطينية كان موضوع الساحة في محادثات وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي في (إلسينور) الدانمركية، وليس في انعقاد الاجتماع مفاجأة، لكن وأظهر في بيانه رغبة الأوروبيين في أن تكون لهم استقلالية التصرف عندما يتعلق الأمور بمعالجة تطورات عند بواباتهم الجنوبية، فدعوتهم واشنطن إلى التريث في الشأن العراقي قبل اللجوء إلى عمل عسكري، وتبنيهم خطة عمل ستؤول في نهاية الأمر إلى دولة فلسطينية بعد ثلاث سنوات، إضافة إلى تحدي الموقف الأميركي من المحكمة الجنائية الدولية، ثلاثة مؤشرات تنم عن نهج جديد في أوروبا الاتحادية.

خافيير سولانا يتحدث مع وزير الخارجية الإسباني خوسيه بيكيه عقب افتتاح اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي ببروكسل
تقرير/ حسن إبراهيم – قراءة/ الزبير نايل: هل هي مصادفة أن يجتمع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في قلعة مدنية إلسينور، التي خلدتها مسرحية (هاملت) للكاتب الإنجليزي (وليام شكسبير)؟ ربما، لكن لا شك أن الوزراء لم يكونوا بتردد بطل المسرحية، ولا يسمح لهم الظرف الدقيق بالتردد، فقط اجتمعوا ليحددوا موقفاً موحداً من النوايا الأميركية تجاه العراق، والأوضاع في المناطق الفلسطينية، إضافة إلى مناقشة قضايا أخرى على أجندتهم، وقد تبنى الوزراء خطة تقدمت بها الدنمارك، الرئيسة الحالية للاتحاد الأوروبي، ويشار إليها بأنه خارطة عمل لمعالجة الأوضاع المأساوية في المناطق الفلسطينية، وتنطوي الخطة التي لم تأتِ بجديد على ثلاث مراحل تنتهي بعد ثلاثة أعوام بإقامة دولة فلسطينية، وسيعرضها وزير الخارجية الدنماركية على الأطراف المعنية في جولة سيقوم بها قريباً إلى المنطقة.

أما بالنسبة للملف العراقي، فقد حذر الوزراء كما متوقعاً الإدارة الأميركية من مغبة تجاهل مجلس الأمن الدولي، وبأن لا تتسرع في الضغط على الزناد، ولكنهم يتفقون مع تعريف الإدارة الأميركية للعراق بأن دولة تشكل خطراً على الاستقرار العالمي، وفي هذا السياق شددوا على وجود عودة مفتشي الأسلحة الدوليين فوراً، للتأكد من خلو العراق من أسلحة دمار شامل.

وقد تباحث الوزراء في طلب الأميركيين إعفاءهم من تبعات الانضمام إلى اتفاقية محكمة الجنايات الدولية، حيث خرجت بريطانيا وإيطاليا عن الإجماع الأوروبي، وقال رئيس الوزراء الإيطالي "إن إعفاء الجنود الأميركيين من المثول أمام محكمة جرائم الحرب أمر سيادي يخص الدول منفردة"، بينما رفض وزير الخارجية البريطاني ربط موقف بلاده بالموقف الإيطالي، وقال "إن دستور المحكمة نفسه يتيح لأي دولة أن تطالب بإعفاء جنودها أسوة بالولايات المتحدة"، ورغم أن البيان الختامي للمؤتمر لم يتضمن مفاجأت، إلا أنه قد يشكل بداية تنسيق أوروبي في السياسات الخارجية بصورة غير مسبوقة.

معارضة الوجود الأجنبي في أفغانستان

قوات حفظ الأمن في أفغانستان
جميل عازر: وأخيراً يبدو أن المعارضة لحكم الرئيس حامد كرزاي بدأت تتململ هذه الأيام بشكل لابد وأن يؤرق كابول والقائمين على حماية نظام الحكم فيها، فقد هز انفجاران قويان أركان مطار العاصمة، وألحق بعض الأضرار فيه، ولكن لم يوقعا إصابات بين الأفراد، غير أن الهجومين كانا بمثابة رسالة إلى الحكومة الأفغانية ومن يناصرونها، لأن جذوة الرفض الشعبي للوجود الأجنبي وللحكومة التي ترى بعض القوى الأفغانية أنها أداة في أيد أجنبية هي التي جاءت بها إلى السلطة، وتزامنت هذه الحملة مع الرسالة التحريضية التي عزيت إلى زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، ودعى فيها الشعب الأفغاني والمسلمين عامة إلى مقاومة الوجود الأميركي، وكأنما للتأكيد على طبيعة المسرح السياسي الأفغاني هز انفجاران آخران قلب كابول، فساد التوتر، وزادت الشكوك حول الأمن والأمان في أفغانستان.

وبهذا نأتي إلى ختام جولتنا في (الملف الأسبوعي). نذكر حضراتكم أن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت، على أننا سنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.