مقدم الحلقة:

توفيق طه

تاريخ الحلقة:

01/03/2003

- الخلافات في مجلس الأمن الدولي إزاء الأزمة في العراق
- تشكيل الحكومة اليمينية في إسرائيل وتداعياته على الساحة

- قمة شرم الشيخ وتكريس الانقسامات العربية إزاء العراق

- مؤتمر منظمة دول عدم الانحياز في كوالالمبور

- الموقف التركي الرسمي والشعبي من الحرب المحتملة على العراق

توفيق طه: أهلاً بكم إلى جولة جديدة في (الملف الأسبوعي)، أصحبكم فيها عوضاً عن الزميل جميل عازر.

في هذه الجولة:

خلاف أميركي فرنسي في مجلس الأمن الدولي يهدد وجود المؤسسة الدولية، وواشنطن ولندن تصران على خيار الحرب.

شارون يشكل أكثر الحكومات يمينية في تاريخ إسرائيل وتململ داخل حزب العمل وتبدد الأمل في إنعاش عملية السلام.

وقمة جامعة الدول العربية في شرم الشيخ تكرِّس الانقسامات العربية حول العراق، والشارع العربي يتحرك.

الخلافات في مجلس الأمن الدولي إزاء الأزمة في العراق

ربما لم يمر مجلس الأمن الدولي على مدى تاريخه الطويل بمثل الأزمة الحالية، فواشنطن تضغط بشدة على الدول العالم ثالثية الفقيرة مثل أنجولا وغينيا والكاميرون لكي تصوت إلى جانب القرار الأميركي البريطاني الإسباني، بل وتندر البعض بأن كونكري عاصمة غينيا قد تحدد مصير العالم، حيث إن غينيا ترأس مجلس الأمن الدولي بدءاً من الأول من مارس/ آذار. وعلى الجانب الآخر تقف فرنسا وروسيا وألمانيا بكل ثقلها الحالي والتاريخي رافضة الحرب التي قد تدشن عصراً من الاستحواذ الأميركي الكامل على العالم بأجمعه.

إحدى جلسات مجلس الأمن الدولي
تقرير/ حسن إبراهيم: ربما لم تمر حقبة كهذه على الأسرة الدولية، فالعلاقات القديمة يعاد تشكيلها والولايات المتحدة التي يحكمها أقصى اليمين الجمهوري تمعن في تحدي الإرادة الدولية، وبينما يحبس العالم أنفاسه انتظاراً لما ستسفر عنه لعبة الدبلوماسية الأميركية الأوروبية، تبدو ستُ دول العالم ثالثية في مجلس الأمن الدولي تتحكم في مصير الرغبة الأميركية باستصدار قرار جديد يخوِّلها شن حرب ضد العراق. غينيا، التي ترأس مجلس الأمن الدولي منذ الأول من شهر مارس/ آذار، وأنجولا والكاميرون وتشيلي والمكسيك وباكستان، وبدأت لعبة الترغيب والترهيب الأميركية مع أفقر الدول المترددة أي أنجولا والكاميرون وغينيا، فهل تُرى سنشهد مزاداً علنياً على أثمن المواقف السياسية؟ لا يشك المراقبون في أن واشنطن ستستقتل للحصول على تسعة أصوات من أصوات مجلس الأمن الـ 15 اللازمة لتمرير القرار، وفي المعسكر الآخر تقف فرنسا وروسيا وألمانيا والصين وسوريا وهو معسكر يرى استمرار عمليات التفتيش مع تكثيفها والاستمرار في المحاولات السلمية لنزع أسلحة الدمار الشامل العراقية، وتقدمت هذه الدول بمشروع قرار يحض على:

زيادة عدد المفتشين الدوليين في العراق ومن مختلف التخصصات والخبرات.

وإنشاء وحدات تفتيش متحركة تتخصص في تفتيش الشاحنات التي تقول الولايات المتحدة إنها تنقل أسلحة محظورة.

واستكمال نظام التفتيش الجوي ووحدات تحليل المعلومات التي توفرها طائرات التجسس والأقمار الاصطناعية.

الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها يريدون قراراً يعلن أن العراق انتهك بصورة صارخة قرارات مجلس الأمن الدولي وبالتالي أضاع الفرصة الأخيرة لنزع أسلحة بصورة سلمية، ويعيد ما ورد في القرار 1441 من أن العراق يواجه عواقب وخيمة في حالة رفضه التعاون التام مع المفتشين الدوليين، هذه التضارب في المواقف يهدد بحدوث انقسام خطير قد ينهي دور الأمم المتحدة كمنبر يجمع دول العالم المستقلة ومن المفترض أن يحمي استقلالها، ورغم أن العراق وافق على تدمير صواريخ الصمود إلا أن الولايات المتحدة وبريطانيا لم يعتبرا ذلك تقدماً يذكر.

ولعل أخطر ما يقلق الولايات المتحدة هو احتمال استخدام فرنسا حق الفيتو ضد القرار الأميركي وهو إن حدث فسيكون تحدياً خطيراً للأحادية القطبية الأميركية وستكون له آثاره المدمرة على حلف شمال الأطلسي بل وعلى الاتحاد الأوروبي، و أدلى وزير الخارجية الروسي (إيجور إيفانوف) بدلوه في حلبة المعارضة للموقف الأميركي حيث هدد في بكين باستخدام حق النقض (الفيتو) لمنع أي قرار يمنح واشنطن الحق في شن الحرب على العراق ولا شك أنه بمقدور واشنطن رد الصاع صاعين في مختلف مناطق النفوذ الفرنسي خاصة في إفريقيا، ويمكنها أن توجه ضربات موجعة للاقتصاد الروسي المتهالك، فتُرى هل ستصوت الدول الست في مجلس الأمن الدولي إلى جانب قرار الحرب الأميركي أم ستختار القرار الفرنسي وتغامر بإغضاب واشنطن؟!

تشكيل الحكومة اليمينية في إسرائيل وتداعياته على الساحة

توفيق طه: وليس الوقوف على مفترق الطرق حكراً على مجلس الأمن، بل في إسرائيل أيضاً التي أقصى فيها رئيس الوزراء (أرئيل شارون) حزب (شاس) الحليف التقليدي لليكود عن الوزارة الجديدة، لكن ما بدا مثيراً لدهشة البعض واشمئزاز آخرين هي الصورة التي حاول فيها شارون الظهور بمظهر حمامة السلام، فقبل أقل من أسبوعين رفض شارون التعهد بإقامة دولة فلسطينية (لعمرام متسناع)، زعيم حزب العمل، الذي اشترط التعهد الخطي من شارون بالدولة الفلسطينية قبل المشاركة في الحكومة، ويتأهب كثيرون لفترة قد تكون من أشد الفترات قسوة على الشعب الفلسطيني.

أرييل شارون
تقرير/سمير خضر: قد يتفق الجميع اليوم على أن شارون لم يستطع الاستفادة من النصر الكبير الذي حققه في الانتخابات الأخيرة، إذ كان يأمل في بناء ائتلاف حكومي واسع ومتماسك يكون فيه الليكود الحجر الأساس في توجيه السياسات العامة، لكن ما حدث كان العكس تماماً، ولم يوفق شارون سوى في تشكيل حكومة تناقضات، حكومة لا يمثل الاعتدال فيها سوى حزب (شينوي) الوسطي الذي تخلى عن كثير من اعتراضاته تجاه الأحزاب الدينية ليقطف ثمار النصر الانتخابي الذي حققه، وها هو الحزب الوطني الديني (المفدال) يدخل التشكيل الحكومي وفقاً لشروطه والتي أهمها تعزيز النشاطات الاستيطانية وتحويل فكرة الدولة الفلسطينية إلى سراب ودفن ما تبقى من عملية سلام لم يعد لها وجود على الأرض، مشاكل شارون قد تبدأ من الجناح اليميني المتطرف في الحكومة والذي يمثله حزب الكتلة الوطنية وزعيمه (إيفك دور ليبرمان) الذي يجاهر علانية برغبته في تهجير الفلسطينية أو ما يسمى بالترانسفير وضم الأراضي الفلسطينية المحتلة رسميا إلى دولة إسرائيل.

شارون يعني اليوم أنه أصبح رهينة لهذا الشكيل الحكومية الذي يتوقع الكثيرون ألا يدوم طويلاً إلا إذا حدث تغير ملموس في حزب العمل الذي لا يزال يعاني من تبعات الهزيمة الانتخابية، إذ إن هناك من يتحدث الآن عن إمكانية حدوث انقلاب داخلي ضد زعيم الحزب عمرام متسناع، الذي يرفض بتاتاً فكرة الانضمام إلى حكومة وحدة وطنية، ومن المتوقع أن يقود هذا الانقلاب وزير الدفاع الأسبق (بنيامين بن أليعازر).

سياسة الحكومة الإسرائيلية الجديدة لا تزال غير واضحة المعالم، فقد أكد زعيمها منذ البداية أنها ستكون في الأساس حكومة إنقاذ للاقتصاد الإسرائيلي المتدهور بإشراف وزير المالية الجديدة (بنيامين نتنياهو)، فوضع نتنياهو في هذا المنصب يعتبر حركة ذكية من قِبل شارون، فهو أولاً سيحمِّل غريمه السياسي مسؤولية المعركة الاقتصادية، وبالتالي مسؤولية الفشل الذي ينتظره في هذه المهمة، إذ إن الجميع يعرف أن العامل الاقتصادي مرتبط بالوضع الأمني الذي يشرف عليه شارون شخصياً، وهذا الوضع الأمني مرتبط بعملية السلام مع الفلسطينيين، تلك العملية التي أضحت اليوم شبه ميتة بسبب طبيعة الحكومة الإسرائيلية الجديدة المنقسمة على نفسها، قسم يرفض التفاوض مع الفلسطينيين قبل تخليهم عن قيادتهم وعن جُلِّ مطالبهم، وقسم آخر لا يرى في العملية التفاوضية -وخاصة في الحديث عن دولة فلسطينية -سوى ضرب من الخيانة.

توفيق طه: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيها أيضاً بعد فاصل:

ثلثا دول العالم في كوالالمبور ترفض الحرب ضد العراق، لكن هل هناك مكان في السياسة الدولية لفكرة عدم الانحياز؟

[فاصل إعلاني]

قمة شرم الشيخ وتكريس الانقسامات العربية إزاء العراق

توفيق طه: ومن كوالالمبور نتحول إلى شرم الشيخ حيث يحاول العالم العربي لملمة وحدته المبعثرة، فقمة العرب التي كانت تحاول التوصل إلى موقف يقي العالم العربي شر الحرب ووقعت ضحية الخلافات منذ اليوم الأول، وحدث تلاسن بين (ولي العهد السعودي) الأمير عبد الله بن عبد العزيز والعقيد معمر القذافي كاد أن يُفجِّر القمة، ويتساءل المراقبون عن كيفية توصل العرب إلى قرار يحمي العراق وكثير من القادة لهم خصومات وثارات مع الرئيس العراقي، وفيهم من أتى إلى شرم الشيخ تخوفاً من غضب الجماهير العربية التي يخشون أن يتحول غضبها إلى ما لا تُحمد عقباه.

قمة جامعة الدول العربية
تقرير/حسن إبراهيم: قمة ولا كل القمم، فتوقيتها ومستوى حضورها -رغم الخلافات العميقة- ينبئان عن أن الوقت استثنائي وأن التحدي عظيم، موضوع الساعة العراق ويبدو أن الجميع أتوا وفي النفوس كثير من اليأس من إمكانية إيقاف الزحف الأنجلو أميركي، بل إن البعض ربما يكون أتى وهو يتمنى لذلك الزحف ألا يتوقف إلا على أنقاض بغداد، وربما تكون المقارنة مؤلمة للمواطن العربي وهو يرى الدول الأوروبية مثل فرنسا وألمانيا وروسيا ترفض الحرب ضد العراق، بل يذهب بعض السياسيين الأوروبيين إلى حد رفض الحرب حتى لو صدر قرار بذلك من مجلس الأمن الدولي، بينما يتردد السياسيون العرب في تأييد العراق بصورة مطلقة.

المظاهرات العربية أتت متأخرة عن مثيلاتها في أوروبا ربما لتشدد السلطات العربية في منع مظاهر التعبير العلني عن الآراء المخالفة للسياسات الرسمية، لكن يبدو أنه وفي الساعة الأخيرة انطلقت تظاهرات حاشدة في اليمن والسودان والمغرب ومصر والبحرين، وقد لا تكون في حجم مظاهرات لندن وباريس، لكنها لا شك أحرجت الحكومات العربية التي أضحت تحاول تبرير سكوتها حيال التصعيد العسكري الأميركي البريطاني.

وقد تكون هذه الفرصة الأخيرة للنظام العربي كما نعرفه، فإن كانت الولايات المتحدة تستعد لاحتلال العراق كما يتوعد مسؤولوها فإن اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي سبق وصول القادة لافتتاح القمة خرج بتوصية مفادها تشكيل لجنة تذهب إلى بغداد ثم إلى واشنطن للتوصل إلى حل وسط، لكنه أيضاً دعا العراق إلى تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1441 وكاد اجتماع وزراء الخارجية أن ينفض بسبب إصرار سوريا على إثارة موضوع تقديم بعض الدول الخليجية تسهيلات للقوات الأميركية، ولو طرح موضوع التسهيلات جدياً لبدأ ليس فقط في الخليج العربي بل في قناة السويس التي مرت عبرها السفن الحربية المتجهة صوب الخليج العربي. وليس هناك من يخالجه شك في أن مهمة أي وفد عربي إلى واشنطن لن تقنعها بسحب جيشها الجرار من منطقة الخليج وتركيا، ولا يبدو كذلك أن الرئيس العراقي مستعد للاستماع إلى محاضرة في حسن السلوك الدبلوماسي من وفد عربي، لكن كما يعتقد المراقبون فإن الوفد إن انطلق فهو يهدف ربما لتبرئة ذمة الحكومات العربية أمام جماهيرها الغاضبة.

لكن المعارضين العراقيين الذين يعوِّلون كثيراً على سقوط حكم الرئيس صدام حسين يدركون أن واشنطن لن تقدم لهم السلطة على طبق من ذهب، فالمسؤولون الأميركيون يتحدثون عن احتلال أميركي للعراق وفترة انتقالية تستثمر الولايات المتحدة فيها النفط العراقي لصالح العراق كما تقول، منطق كهذا يرفضه العالم العربي كما يرفضه العراقيون سواءً كانوا في الحكومة أو في المعارضة.

مؤتمر منظمة دول عدم الانحياز في كوالالمبور

توفيق طه: مضت أيام ناصر ونهرو وتيتو عندما كانت منظمة دول عدم الانحياز من أهم التجمعات العالمية، فهي تضم في عضويتها أكثر من ثلثي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وثروتها مجتمعة ربما تفوق ما لدى الدول العظمى، لكن وفي عالمنا المعقد هذا وبعد سقوط حلف وارسو ربما اعتقد البعض أنه لا جدوى من المنظمة، بل إن وصفها بالمنظمة تعبير فضفاض للغاية، فهي بلا دستور ولا هيكل تنظيمي ولا حتى سكرتارية دائمة تتابع تنفيذ مقرراتها. ومع ذلك ربما يكون انعقادها في كوالالمبور آخر سهم دبلوماسي في جعبة رئيس وزراء ماليزيا المخضرم مهاتير محمد ضد الهيمنة الغربية.

الرئيس الماليزي في افتتاح قمة دول عدم الانحياز
تقرير/صهيب جاسم: بينما يجتمع قادة دول عدم الانحياز في كوالالمبور يعيش العالم في مفترق طرق ويتبادر سؤال إلى الذهن: ما الذي يمكن أن يتمخض عنه لقاؤهم لمدة ستة أيام؟ فالقمة أصدرت أربع وثائق هي: الوثيقة الختامية وإعلان كوالالمبور، وبيان خاص بالأزمة العراقية وبيان رابع عن القضية الفلسطينية.

ماليزيا اختارت "نحو إحياء حركة عدم الانحياز" شعاراً للقمة.

لكن المحللين وصفوا استجابة الدول النامية والفقيرة التي تشكل جُلَّ المجتمعين بالضعيفة، قد انتهت أيام الحرب الباردة وعهد الزعماء الكارزميين الذين شكلوا عماد الحركة قبل قرابة نصف قرن، وما يضعف الحركة كذلك هو غياب دستور لها، وبالتالي هيكلة تنظيمية تتابع تنفيذ مقررات قممها التي تعقد كل ثلاثة أعوام، وما يجمع الدول هو مبادئ تركز على الاستقلالية والسلام العالمي والعدالة والحرية وحقوق الإنسان وتنمية حياته، و حل النزاعات بالطرق السلمية، ونبذ أسلوب الحروب في إنهائها، وقد فشلت الدول المجتمعة حتى في إنشاء سكرتارية دائمة للحركة، ولعل ما يبقي على كيان الحركة هو إيمان بعض الزعماء أن منظمة تجمع ثلثي أعضاء الأمم المتحدة لابد لها من البقاء، خاصة مع اقتراب نذر الحرب على العراق، وربما يأمل هؤلاء في أن يشكل تجمعهم قوة موازنة للقوة الأميركية إن لم يكن عسكرياً فربما اقتصادياً ودبلوماسياً، لكن اتساع دائرة العضوية وتشعب الاهتمامات يجعل النقاشات توفيقية لتفادي تفجير القمة بمواضيع خلافية على غرار ما حدث بين باكستان والهند، حيث ربطت باكستان قضية فلسطين بقضية كشمير، وأثارت الهند قضية مكافحة ما أسمته بالإرهاب الإسلامي.

لكن الموضوع الرئيس كان العراق، وبالطبع اختلفت الدول حول تقديم التسهيلات للقوات الأميركية والبريطانية ونادت القمة بربط نزع سلاح العراق برفع العقوبات الدولية المفروضة عليه منذ عام 90 من القرن الماضي وربط رفض الحرب بقلق الشعوب، كأنما الزعماء يتنصلون من التصريح برفض صريح للحرب الأميركية المحتملة على العراق، أما شأن فلسطين فلم يحصل إلا على الخطابات التضامنية المعتادة في اجتماعات الحركة منذ الستينات.

صهيب جاسم -لبرنامج (الملف الأسبوعي)- (الجزيرة) -كوالالمبور.

الموقف التركي الرسمي والشعبي من الحرب المحتملة على العراق

توفيق طه: وأخيراً ومن ضمن بازار المواقف السياسية تأتي تركيا التي ما فتأت تساوم واشنطن على ثمن فتح أراضيها للقوات الأميركية، فما عاد الأمر عند حكومة عبد الله جول مسألة رفض التدخل الأميركي في شؤون العراق، بل أصبح ثمن هذا التدخل، ولم تنسَ تركيا التكلفة الباهظة التي تكبدتها بعد فرض العقوبات على العراق عام 90، فهي تحصل على معظم نفطها من العراق، كما إن العراق يمثل أكبر سوق للمنتجات التركية، ومن ناحية أخرى هناك التخوف التركي من استغلال الفصائل الكردية سقوط الحكم في العراق لإنشاء دولة كردية مستقلة، و هو ما يعتبر خطاً أحمر تركياً لا يمكن المساومة فيه.

عبد الله غل
تقرير/سمير خضر: من الصعب على المرء المواءمة بين المصالح والمبادئ فما بالك بالدول، هذه هي المعضلة التي تواجه اليوم تركيا حكومةً وبرلماناً، فالمبادئ التي ينادي بها حزب العدالة والتنمية ذو الجذور الإسلامية ترفض حتى مجرد التفكير في المشاركة في حرب ضد جارٍ لم يعلن نيته تهديد تركيا، أما المصالح فإنها تملي على أنقرة عدم البقاء خارج اللعبة الإقليمية التي رُسمت معالمها في واشنطن، المأزق الذي تواجهه تركيا اليوم ليس مأزقاً حكومياً أو برلمانياً أو عسكرياً فحسب، بل مأزق شعب بأكمله مأزق أمة وضعها التاريخ والجغرافيا في مكان وزمان لا تحسد عليه، فقد وضعت واشنطن كل ثقلها السياسي والعسكري والمالي وراء قضية مشاركة تركيا في الحرب المنتظرة على العراق، ووجد حزب العدالة والتنمية نفسه وحيداً في الساحة لمواجهة واشنطن الحليف التقليدي لأنقرة، وعندما لم تستطع الحكومة مواجهة هذا الضغط المتنامي بدأت في وضع شروطها ودخلت في مفاوضات مضنية للحصول على أكبر قدر ممكن من التنازلات سواء على شكل معونات مالية فورية أو قروض طويلة الأجل أو حتى تعهد بمشاركة عسكرية فعالة في الحرب تضمن لتركيا مصالحها في شمال العراق، ولهذا طالبت أنقرة بأن يدخل جيشها شمال العراق بشكل مستقل أي ألا يكون تحت إمرة القيادة الأميركية، والأهم من ذلك أن تكون لأنقرة كلمتها في تشكيل النظام العراقي الجديد في حال نجاح واشنطن في مساعيها للإطاحة بالنظام الحالي، المعارضة الشعبية والبرلمانية لاتزال قوية في تركيا التي لاتزال تعاني من آثار حرب عام 91، لكنها لن تصمد كثيراً أمام الضغوط وستصبح مشاركة تركيا في الحرب أمراً لا مفر منه وهذا ما يثير حفيظة الأكراد الذين يشعرون بأن هذه المشاركة لن تكون إلا على حسابهم، إذ لم تخفِ أنقرة رغبتها في نزع سلاح الفصائل الكردية العراقية خشية تسرب هذا السلاح إلى حزب العمال الكردستاني التركي وهذا ما يثير خشية أكراد العراق من استبدال الجيش العراقي بالجيش التركي ناهيك عما يعتبرونها أطماعاً واضحة في تعديل خارطة المنطقة لضم أجزاء من شمال العراق إلى تركيا.

ورغم استمرار الجدل حول انتشار القوات الأميركية في الأراضي التركية فإن تدفق المعدات والآليات الأميركية على الأراضي التركية لم يتوقف، فواشنطن تتصرف وكأن موافقة البرلمان التركي هي تحصيل حاصل ربما لثقتها الكبيرة في المؤسسة العسكرية التركية التي تلعب دوراً في الخفاء للضغط باتجاه تلبية مطالب الحليف الأميركي.

توفيق طه: بهذا نأتي إلى ختام جولتنا في (الملف الأسبوعي) ونذكر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت، أو الكتابة إلى عنوان البرنامج الإلكتروني، وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، تحية لكم من فريق البرنامج، وهذا توفيق طه يستودعكم الله.