مقدم الحلقة:

توفيق طه

تاريخ الحلقة:

18/10/2003

- تداعيات مصرع أميركيين في بيت حانون
- سوريا بين مطرقة العقوبات وسندان التنازلات

- بداية مفاوضات الحل النهائي في السودان

- الدكتور حسن الترابي.. شخصية الأسبوع

- محاضر محمد يشن هجوما عنيفا على الصهيونية العالمية

- هموم الإنسان العراقي الحياتية

- توريث رئاسة الجمهورية في أذربيجان

توفيق طه: أهلاً بكم إلى هذه الحلقة من (الملف الأسبوعي)، وفيها:

مصرع أميركيين في بيت حانون وتخوف من مواجهة فلسطينية أميركية.

وقانون محاسبة سوريا يضع سوريا ما بين مطرقة العقوبات وسندان التنازلات.

وبداية مفاوضات الحل النهائي بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان، ودعوة لإشراك جميع القوى السياسية.

وماليزيا ترأس المؤتمر الإسلامي ومهاتير محمد يشن هجوماً عنيفاً على الغرب والصهيونية العالمية.

تداعيات مصرع أميركيين في بيت حانون

سارعت إسرائيل والولايات المتحدة إلى تحميل الرئيس الفلسطيني أو تقاعسه المسؤولية عن حادث بيت حانون الذي راح ضحية ثلاثة من الأميركيين، ورغم استبعاد كثير من المراقبين مسؤولية أي جهة فلسطينية اعتقلت السلطة الوطنية الفلسطينية أفراداً في إطار البحث عن منفذي الهجوم.

وتُحمِّل الولايات المتحدة وإسرائيل الرئيس الفلسطيني مسؤولية الهجوم نظراً لما تسميه عجزه عن ضبط الأمن في المناطق الفلسطينية، ويخشى الفلسطينيون أن تعتبر واشنطن نفسها طرفاً مباشراً في الصراع، فتتعدى دورها الذي يعتبرونه منحازاً إلى إسرائيل إلى مرحلة قد تصبح الأخطر في تاريخ الشعب الفلسطيني.

شرطة فلسطينيون يفحصون الموقع الذي قتل فيه أميركيون في بيت حانون

تقرير/سمير خضر: مما لا شك فيه أن آخر ما يريده الفلسطينيون هو القطيعة التامة مع واشنطن، وهذا ما كان على ما يبدو الهدف المنشود من الهجوم الذي استهدف قافلة دبلوماسية أميركية في بيت حانون بقطاع غزة، انفجار ضخم ناجم على الأرجح عن انفجار لغم أرضي أطاح بسيارات الموكب، فقد تناثرت الأشلاء في كل مكان، أشلاء معدنية وأشلاء بشرية، وسقط عدد من الأميركيين ضحية لهذا التفجير، وعلى الفور وقبل أن تجف دماء الضحايا بدأ السؤال يتردد على ألسنة الجميع: مَنْ المسؤول؟ ولماذا؟ هل هو فلسطيني؟ هل هو إسرائيلي أم غير ذلك؟

ومن المستفيد إن الذي يريد استهداف الأميركيين على الأرض الفلسطينية يتطلعوا إلى تغيير قواعد الصراع الدامي الذي يجري على هذه الأرض منذ أكثر من خمسة عقود، ومهما كانت هوية الفاعل فإن هدفه كان توسيع رقعة المواجهة لتشمل البلد الذي لم يتوانى يوماً عن تقديم دعم لا محدود ولا مشروط لإسرائيل، وإذا كانت مجموعات فلسطينية هي التي تقف وراء هذا الاعتداء فإن رسالتها هي أن الأميركيين لم يعودوا يتمتعون بالحصانة، بل أصبحوا جزء من الصراع بمعنى آخر هدفاً مشروعاً.

معظم الفصائل الفلسطينية تبرأت من هذا العمل، وكذلك فعلت السلطة الفلسطينية التي وعدت بالتعاون المطلق مع فرق التحقيق الأميركية لاكتشاف هوية الفاعل، تلك الهوية التي يسعى إليها محققو مكتب التحقيقات الفيدرالي الـ FBI، ورغم الإدانة القوية والفورية من قبل معظم المسؤولين الفلسطينيين فإن الإسرائيليين سارعوا إلى العزف على الوتر نفسه من خلال إلقاء اللوم على ياسر عرفات شخصياً.

أما واشنطن فإنها لم تتهم عرفات صراحة بالوقوف وراء الاعتداء، لكنها ألمحت بوضوح إلى عجزه عن لجم ومحاربة ما تسميها الجماعات الإرهابية مثل حماس والجهاد، رغم تنصُّل هاتين الجماعتين من المسؤولية.

الفلسطينيون بشكل عام يؤكدون أن لا مصلحة لهم باستهداف الولايات المتحدة، فصراعهم هو مع المحتل الإسرائيلي، وهم لا يزالون يعلِّقون آمالاً على تغيير في الموقف الأميركي على الأقل باتجاه ممارسة ضغط أكبر على إسرائيل، وهذا الموقف الفلسطيني لم يتغيَّر منذ عقود، رغم الصفعات التي توجِّهها واشنطن على الدوام لقضيتهم، والتي كان آخرها الفيتو الأميركي في مجلس الأمن ضد مشروع قرار عربي يطالب إسرائيل بوقف بناء الجدار الفاصل على الأرض الفلسطينية، كما أن الفلسطينيين يستهجنون ردود الفعل الأميركية القوية على كل عملية فلسطينية تستهدف إسرائيل في حين أنها لا تحرك ساكناً حين تعيث قوات الاحتلال ودباباتها فساداً وقتلاً وتدميراً للفلسطينيين.

عملية بيت حانون تشكِّل اليوم تحدياً كبيراً لكل أطراف الصراع، فإما أن تشكِّل حدثاً عرضياً يتم التعامل معه بجدية وحزم وإما أن تكون سابقة تؤدي بالمنطقة إلى الدخول في دوامة جديدة من المواجهة لن تكون بكل تأكيد في صالح صاحب الحق الأزلي وقضيته.

سوريا بين مطرقة العقوبات وسندان التنازلات

توفيق طه: قد لا تستطيع سوريا فهم التصعيد الأميركي إلا على أنه قرع لطبول الحرب، وهي تدرك بالطبع أن هناك سقفاً لردود أفعالها، فلا مجال لمقارنة القوتين لو كنا نتحدث عن مواجهة مباشرة، وليس هذا نهج الحكومة السورية التي تحاول توخي الواقعية في عالم أضحى شديد الخطورة، لكن المطالب الأميركية -وإن تكن قديمة- ستدخل دمشق في لعبة تنازلات مهلكة بقدر ما هي مذلة، فالتنازلات ستستعدي على سوريا قوى طالما رأت فيها حليفة وحاضنة، كما أن الانصياع سيريق ماء وجه نظام يعتبر نفسه خط المواجهة الأول ضد إسرائيل، إلا أن ما يزيد المأزق السوري حدة هو أن التحدي لإرادة واشنطن هذه الأيام قد يكون وخيم العواقب.

تقرير/ أسامة راضي: لماذا يحاسبون سوريا؟ ولماذا يحاسبونها الآن علماً بأن شيئاً جديداً لم يحدث على الجانب السوري؟

توقيت تمرير ما يسمى بقانون حاسبة سوريا في مجلس النواب الأميركي يوحي بأنه انتقام من دمشق لموقفها من الحرب الأميركية على العراق، فواشنطن تبرر قانون محاسبة سوريا الذي أرجأته شهوراً بعدم استجابة دمشق لمطالب تتمثل في عدم إيواء فصائل المقاومة الفلسطينية التي تتهمها واشنطن بممارسة الإرهاب ضد إسرائيل، والكف عن تطوير أسلحة كيماوية وبيولوجية، والتخلي عن حزب الله اللبناني، وسحب كل القوات السورية من لبنان بالإضافة إلى وقف تسلل عراقيين عبر أراضيها.

المطلوب إذن تجريد سوريا التام من كل ما لديها من أوراق تستخدمها في صراعها مع إسرائيل، وفي هذا السياق يمكن فهم قانون محاسبة سوريا، فالاتهامات الأميركية لسوريا ليست جديدة باستثناء ما أُثير بعد الحرب على العراق حول استخدام متسللين عراقيين لأراضيها، وهو ما لا يتوافق بالطبع مع العقوبات الممكن فرضها على سوريا بعد إقرار مجلس الشيوخ للقانون وتوقيع الرئيس بوش عليه، فللرئيس الأميركي وفقاً للقانون المذكور حظر تصدير التكنولوجيا متعددة الاستخدامات ومنها الأدوية، ومنع الشركات الأميركية من ممارسة عملها في سوريا ومعظمها شركات كبرى تعمل في مجال النفط، ووقف رحلات شركة الطيران السورية للأراضي الأميركية، ووقف أو خفض التمثيل الدبلوماسي بين البلدين، ووضع قيودٍ على تحرُّك الدبلوماسيين السوريين في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى تجميد الأرصدة السورية في البنوك الأميركية.

الضغط الذي تمارسه واشنطن على دمشق يبدو أنه يتعلق بأجندة جديدة للولايات المتحدة في المنطقة بعد احتلالها للعراق، وتبدو إسرائيل حاضرة فيها وبقوة، فسوريا ولبنان معها تعد الدولة الوحيدة من الدول المجاورة لإسرائيل التي لم توقِّع اتفاق سلام معها، وليس أدل على ذلك من إقرار الولايات المتحدة على لسان رئيسها بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها بعد قصف إسرائيل موقع عين الصاحب، وبعد تهديدات شارون بأن إسرائيل ستقصف ما تراه تهديداً لأمنها، ولعل موت خطة خريطة الطريق عجَّل أيضاً بشكل جديد للمنطقة وفق منظور أميركي يفرضه منطق القوة الذي يمارسه بوش وشارون معاً تحت عنوان الحرب على الإرهاب، وهو عنوان يبدو كفيلاً بتحييد أي قوة إقليمية.

توفيق طه: ومعنا من باريس الصحفي والكاتب ماجد نعمة (رئيس تحرير مجلة إفريقيا وآسيا). سيد ماجد، لماذا تحاسب سوريا الآن؟ لأجندة أو مصلحة أميركية في العراق، أم مصلحة إسرائيلية في المنطقة؟

ماجد نعمة: طبعاً قانون محاسبة سوريا لم يكن كان يطبخ منذ مدة طويلة، وكان البيت الأبيض وجميع الإدارات التي سبقت الإدارة الجمهورية الحالية كانت تعارضه بشكل من الأشكال، ما يجري حالياً هو بعد الورطة الأميركية الكبيرة في.. في العراق، والتي يُقدَّر لها أن تمتد وتتفاقم بشكل كبير، وخاصة على عتبة سنة انتخابية حاسمة في الولايات المتحدة فإن الولايات المتحدة بحاجة إلى أعداء جدد، وسوريا تشكِّل في رأي فريق من الإدارة الأميركية العدو المثالي الذي يمكن من خلاله رفع التوتر وتوجيه التهديدات.

ولكن علينا من ناحية الولايات المتحدة لا يجب علينا أن نعطي هذه التهديدات حجماً أكبر مما هو، ولكن الخطورة هو في.. في الانسجام الذي ممكن أو التقارب الذي يمكن أن يحدث بين الولايات المتحدة أو فريق الصقور الأميركيين، و.. والحكومة الإسرائيلية أو الصقور الإسرائيلية بقيادة بوش و(موفاز).. شارون وموفاز بتوجيه ضربة إلى سوريا تزعزع استقرارها، ولكن هذه حتى ضربة مثل هذه لا أعتقد أنها..

توفيق طه [مقاطعاً]: هذا.. هذا.. هذا الانسجام وهذه الضربة -سيد ماجد- هل يمكن أن تأتي بعد يعني بعد مرور الحملة الأميركية عبر الأمم المتحدة، أم إنها قد تستبق أي شيء وتحيِّد المجتمع الدولي كله؟

ماجد نعمة: لا.. لا أعتقد أن الولايات المتحدة حالياً -على الأقل- تسمح بضربة إسرائيلية لسوريا، لأن زعزعة استقرار سوريا سيفتح المجال أكثر فأكثر لفتح الحدود السورية العراقية، والتأثير سلباً على الوجود.. على الاحتلال الأميركي للعراق، ولا.. لا أعتقد أن الولايات المتحدة في هذا الوارد، لأنها.. لأن الهدف في رأيي حالياً من هذا القانون.. قانون محاسبة سوريا هو توجيه إنذار جدي لها بعدم التدخل بأي شكل من الأشكال في الملف العراقي..

توفيق طه [مقاطعاً]: ماذا.. ماذا عن المطالب الأميركية الأخرى بشأن حزب الله ومكاتب المنظمات الفلسطينية في دمشق وما يقال عن أسلحة.. تطوير أسلحة كيماوية وبيولوجية، يعني هل يمكن لسوريا أن تسلِّم بكل هذه المطالب وتتخلى عن.. عن حلفائها في.. في المنطقة؟

ماجد نعمة: يعني أولاً: بالنسبة لحزب الله لا.. لا أعتقد أن سوريا، إنه يعمل بشكل أساسي في لبنان، وسوريا وليس.. وليس هو المشكل، وله نواب في.. في مجلس النواب.. ممثلين في مجلس النواب اللبناني، كما أن حركة الجهاد الإسلامي وحركة حماس ليس لها إلا مكاتب تمثيلية في سوريا، وسوريا منذ زمن بعيد في.. حسب كل التقارير والمعلومات انسحبت عملياً من دعم هذه المنظمات أو على الأقل لجمتها، وهذه المنظمات ناشطة بشكل أساسي في الأراضي المحتلة، وتريد إسرائيل من خلال توجيه الاتهام لسوريا بدعم هذه المنظمات تصدير الأزمة الإسرائيلية الأميركية نتيجة فشل خارطة الطريق إلى سوريا ككبش فداء، يعني أما بالنسبة إلى أسلحة الدمار الكيماوي، خاصة سوريا على ما أعتقد كانت دائماً توافق على جعل منطقة.. المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط منطقة نظيفة وخالية من أسلحة الدمار الشامل، على أساس.. على شرط أن تلتزم أيضاً إسرائيل بهذا.. بهذه الأجندة، وهو ما ترفضه إسرائيل حالياً، وتساعدها وتتآمر في ذلك..

توفيق طه [مقاطعاً]: يعني كل.. كل.. كل هذه.. كل هذه الردود التي يمكن أن ترد بها دمشق يعني معروفة، ومع ذلك يستمر الأميركيون في ترديد اتهاماتهم، كيف يمكن لدمشق أن تفر من.. من.. من مواجهة محتملة في.. في هذه الحالة؟ وإلى أي مدى يمكنها الاعتماد على حلفائها في المنطقة؟

ماجد نعمة: أعتقد أن سوريا لا يمكن أن تعتمد ألا على نفسها، وذلك بفتح الحياة السياسية بالاعتماد على المجتمع المدني، وإجراء إصلاحات جذرية في الحياة السياسية والاقتصادية السورية، الضمانة.. الحصانة الوحيدة التي يمكن أن تحمي بها نفسها سوريا، هي المزيد من الديمقراطية، المزيد من الانفتاح، المزيد من الإصلاحات، وهذا ما.. لا.. لم يحدث حتى الآن، ومن الأفضل لسوريا أن تبادر بنفسها لإجراء هذه الإصلاحات من أن تُفرض عليها فرضاً من الخارج بذريعة فرض الديمقراطية، ونحن كما نعلم فإن الولايات المتحدة لا تريد بأي شكل من أشكال.. من الأشكال تصدير الديمقراطية بعكس الخطاب الذي تقوله وتتشدق به، وما يجري في العراق حالياً هو أبرز دليل على ذلك، لذلك فإن الحماية الوحيدة التي يمكن أن تعتمد عليها سوريا وتلتجئ إليها هي الاعتماد على نخب.. على قواها الداخلية، على الانفتاح على المجتمع المدني، وعلى الإصلاحات، ولا شيء غير ذلك.

توفيق طه: هنا..هنا إذا..إذا أردنا توصيف الوضع الحالي في.. في دمشق والجبهة الداخلية في دمشق، مقارنة مع ما كان في.. في بغداد قبيل الحرب الأميركية عليها، يعني كيف يمكن أن تكون هذه المقارنة؟

ماجد نعمة: يعني لو.. لو أن النظام العراقي السابق انفتح على مجتمعه وعلى.. ومتَّن جبهته الداخلية لكانت تغيرت الظروف كثيراً، ولكنه تحت ذريعة أن هناك خطر خارجي تأخر كثيراً في إجراء هذا الانفتاح، وفي تحقيق إجراءات ديمقراطية حقيقية، وهذا ما أعطى ذريعة ذهبية للولايات المتحدة للدخول في هذه الحرب خاصة وأن الذريعة لم تكن فقط أسلحة الدمار الشامل، ولكنها أيضاً كانت أنه هذا أكبر نظام ديكتاتوري في التاريخ وفي العالم العربي وأنه نظام دموي ومنغلق على نفسه ولا يمكن إصلاحه، لذلك فإن على سوريا أعتقد ولكي تسحب البساط من تحت أقدام الولايات المتحدة وخاصة الفئة المتطرفة في الولايات المتحدة أن تبادر بنفسها وليس تحت الضغوط الأميركية أو الغربية في القيام بهذه الإصلاحات.

توفيق طه: نعم، على الساحة اللبنانية إلى أي مدى يمكن للتيار العوني -إذا أمكن إطلاق هذه التسمية- أن يستغل الضغوط الأميركية على دمشق من أجل تقليص نفوذ سوريا -لنقل- في.. في لبنان؟ باختصار لو سمحت.

ماجد نعمة: لا أعتقد.. لا أعتقد أن النظام.. أن.. أن العونيين أو ما تسميهم بالعونيين لهم نفوذ كبير في.. في لبنان طبعاً يستطيعون أن يستغلون ذلك إلى درجة معينة، ولكن الوضع في لبنان حالياً هو من التعقيد بحيث أنه لا يسمح لفئة واحدة أن تتحكم بمجاري الأمور، وأن تستغل.. حتى الفئات المسيحية التي تدور في فلك البطريرك صفير الذي يمثل قسماً كبيراً من المسيحيين لا تريد الدخول في أن تستعمل كحصان طروادة لزعزعة استقرار سوريا، ولكن هذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أن.. أن لا تبادر سوريا إلى تصحيح العلاقة مع لبنان من خلال الانسحاب وتأسيس علاقة استراتيجية بعيدة المدى بين الشعبين وبين الدولتين ليست علاقة قائمة على الهيمنة..

توفيق طه [مقاطعاً]: الصحفي.. نعم، الصحفي والكاتب ماجد نعمة (رئيس تحرير مجلة "إفريقيا وآسيا" في باريس) شكراً لك. ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، وفيها أيضاً بعد فاصل:

شخصية الأسبوع رغم السجن وتقدم السن الشيخ حسن عبد الله الترابي يثبت أنه الرقم الأكثر صعوبة في السودان.

[فاصل إعلاني]

بداية مفاوضات الحل النهائي في السودان

توفيق طه: أن يصحب نائب رئيس الجمهورية السوداني ورجل النظام القوي علي عثمان محمد طه وفداً من خمسين من رجالات الأحزاب السودانية إلى محادثات نيفاشا بكينيا فهذا أمر يوحي بانفراج كبير في الأزمة السياسية السودانية، لكن الذين صحبوا علي عثمان هم من أحزاب التوالي التي سمح لها بالعمل وفقاً لقانون الأحزاب الذي أصدرته حكومة السودان عام 2000، وكانت تأمل آنذاك أن تتمكن هذه الأحزاب من أن تكون بديلاً قانونياً لأحزاب المعارضة في التجمع الوطني الديمقراطي ولم تفلح في ذلك، وبالتالي فإن أي حل قادم للأزمة السودانية لا يستوعب المعارضة الحقيقية سيكون ناقصاً، فرأب الصدع في السودان يستدعي عقلية تستوعب فسيفساءه المعقدة وتنفتح على جميع الاحتمالات والخيارات الصعبة.

علي عثمان يصافح قرنق

تقرير/حسن إبراهيم: يكاد السودانيون لا يصدقون ما يحدث، تباشير اتفاق سلام شامل بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان بعد الاتفاق الأمني وانفراج سياسي في شمال السودان والشيخ الدكتور حسن عبد الله الترابي أبرز المستفيدين، وقال الشيخ الذي قضى حوالي ثلاثة أعوام ما بين السجن والاعتقال التحفظي: إن إطلاق سراحه لم يكن مشروطاً وما ينبغي له وإن الضغوط الداخلية والخارجية على النظام هي التي أطلقت سراحه.

أما رئيس الجمهورية فهو يصر على أن الإنقاذ تسعى نحو واقع استيعابي، وأن الطريق أضحت ممهدة نحو بناء الديمقراطية وأن السودان الوطن يسع الجميع لا فرق بين السودانيين ولا تفرقة بينهم بسبب الديانة أو العنصر أو الانتماء السياسي.

ورغم الكلمات التي تاق جُل السودانيين إلى سماعها، يحق لبعضهم أن يتشككوا خاصة أولئك الذين ينتمون إلى الأجيال الجديدة التي كانت تساق إلى محرقة الحرب الأهلية بشعارات أيديولوجية بحتة، وكيف يستوعب هؤلاء أن الحكومة التي رفعت راية الجهاد ضد الحركة الشعبية لتحرير السودان ناعتة إياها بالعميلة هي نفسها أضحت تسعى إلى ما أسماه رئيس الجمهورية بشراكة سياسية كاملة بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان.

لكن الأزمة في السودان ليست فقط توقيع اتفاقية سلام مع الدكتور (جون جارانج)، بل إن هناك أطرافاً أخرى مهمشة، بعضها حمل السلاح مثل حركة تحرير السودان في غربي السودان التي وقَّعت اتفاقية مع الحكومة، لكنها تدعي أن الخرطوم خرقتها.

أما الأحزاب التي تنضوي تحت راية التجمع الوطني الديمقراطي فهي تحس بأنها مستثناة من صنع القرار، وقد سُمِحَ لها بالمشاركة في المفاوضات في نيفاشا بكينيا لكن بصفة مراقب، وهي في أزمة حقيقية، فلا الحركة الشعبية لتحرير السودان التي تنضوي تحت مظلة التجمع على استعدادٍ للتضحية بمكتسبات انتزعتها بقوة السلاح وبالعمل الدبلوماسي التحريضي الدؤوب في مختلف أصقاع الأرض، ولا يعتقد كذلك أن الحكومة السودانية ستقبل بأقل من ربط لحم هذه الأحزاب التي حتى إن عادت إلى الخرطوم فستعود مهلهلة الأطراف بلا هياكل حقيقية، ولا يعتقد أنها ستكون جاذبة للجماهير بمثل ما كان عليه الحال بعد سقوط الجنرال جعفر النميري، ولا يعتقد أن الشخصيات الطائفية التقليدية ستفلح في الفوز بقلوب وعقول السودانيين ما لم تتقدم بأطروحات تتعدى الولاءات القديمة والعواطف الجياشة.

وقد يكون السيد الصادق المهدي راعي طائفة الأنصار قد قام بمجهودات أكبر من السيد الميرغني في سبيل تشكيل قناعات جديدة وطرحٍ فكري معاصر، ولا شك أن الرجل الذي قام بأكبر جهد في هذا المجال هو الدكتور حسن الترابي الذي كان ولايزال الرقم الأكثر صعوبة في السياسة السودانية، لكن ما لم يتم حوار جادٍ حول الهوية يشترك فيه جميع السودانيين فلن يحل السلام الحقيقي في السودان.

الدكتور حسن الترابي.. شخصية الأسبوع

توفيق طه: فرض الدكتور حسن عبد الله الترابي نفسه على الساحة السياسية السودانية على مدى أربعة عقود من الزمن، فمنذ عمادته لكلية القانون في جامعة الخرطوم، والرجل قاسم مشترك لكل المشاريع السياسية السودانية، ومنذ أن وصل تنظيمه إلى الحكم عبر الانقلاب العسكري عام 89 من القرن المنصرم والرجل يحاول أن يبقي على توازن التزامه العقائدي والبرجماتية التي تفرضها السياسة، وما بين السياسي والعقائدي برز الترابي كواحد من علامات الفكر الإسلامي المعاصر وصاحب مشروع سياسي مثير للجدل، لكل ذلك اخترناه شخصية الأسبوع.

إطلاق سراح الترابي
تقرير/جيان اليعقوبي: سلط قرار الإفراج عن الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي الأضواء من جديد على هذا الشيخ الذي ما فتئ يثير الجدل حول شخصيته سواء في صفوف أنصاره أو خصومه، والذي يخفي وراء ابتسامته الدافئة قوة شكيمة طالما أذهلت المهتمين بالشأن السوداني.

ولد الترابي عام 1932 لأسرة معروفة في شمال السودان ما لبثت أن استقرت فيما بعد في قرية ود ترابي جنوب الخرطوم، تلقى علومه الأولية في الخلاوي ومن ثم في المدارس الحكومية قبل أن يختار دراسة القانون في جامعة الخرطوم وبعدها جامعتي لندن والسربون، انضم أثناء دراسته الجماعية إلى تنظيم الإخوان المسلمين وسرعان ما أصبح أحد قادته خلال الثورة التي أطاحت بالنظام الحاكم في أكتوبر عام 64، ثم تزعم جبهة الميثاق الإسلامي في مجلس النواب، ولكن استيلاء جعفر النميري على الحكم عام 69 قاد الترابي إلى دخول السجن فترات متقطعة بلغ مجموعها نحو سبع سنوات، بعد المصالحة الوطنية عام 77 تولَّى الترابي منصب النائب العام، إلا أنه عاد وانشق على النميري قبل سقوط حكمه عام 85، وتزعم جماعة الإخوان المسلمين التي أعيد تنظيمها تحت اسم الجبهة الإسلامية القومية، وانضمت الجبهة إلى حكومة الصادق المهدي وخرجت منها عدة مرات، إلى أن قاد الفريق عمر البشير انقلاباً عسكرياً أعاد الجيش إلى أروقة الحكم مرة أخرى عام 89، ورغم أن الترابي لم يتسلم منصباً قيادياً في العهد الجديد الذي أطلق عليه اسم ثورة الإنقاذ، فقد بدأ نفوذه السياسي في التعاظم، وأخذت ملامح النظام تتبلور بشكل أوضح وقويت شوكة الجبهة الإسلامية وعززت مواقعها في كل مفاصل الدولة، وانتخب الترابي عضواً في المجلس النيابي ثم أصبح رئيساً له، وللترابي العديد من الأتباع والمريدين حتى من خارج السودان، حيث ما انفك يدعو إلى قيام دولة إسلامية على أسس من الشورى والعدالة الاجتماعية ثم دب النزاع بين الترابي ورئيس الجمهورية عمر البشير عام 99، بعد أن وقَّع الترابي اتفاقاً مع قيادات الحركة الشعبية لتحرير السودان، وتفاقم الوضع إلى حد إعلان حالة الطوارئ وحل المجلس الوطني وفصل الترابي من المؤتمر الوطني ووضعه قيد الإقامة الجبرية في منزلٍ حكومي في إحدى ضواحي الخرطوم وذلك في فبراير/ شباط من عام 2001، وبقي رهيناً هناك نحو 33 شهراً.

محاضر محمد يشن هجوماً عنيفاً على الصهيونية العالمية

توفيق طه: شهدت قمة المؤتمر الإسلامي التي عقدت في مدينة بوتراجايا بماليزيا تسليم قيادة المؤتمر من قطر إلى ماليزيا وينعقد المؤتمر في فترة عصيبة يعاني فيها بلدان إسلاميان هما العراق وأفغانستان من وجود أجنبي، بينما يتواصل الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين ويزداد شراسة وقمعاً، وقد طغى على مناقشات المؤتَمِرين الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء الماليزي (مهاتير محمد) والذي حمل فيه على الصهيونية العالمية، وثارت ثائرة الصحافة الغربية واعتبرت الخطاب هجوماً معادياً للسامية، إلا أن مهاتير -حسب قوله- كان يتحدث عن النفوذ السياسي لليهودية العالمية دونما عنصرية ضد دين أو عرق بعينه.

محاضر محمد

تقرير/صهيب جاسم: ابتسامات ومصافحات وآمال عريضة عُلِّقت على قمة منظمة المؤتمر الإسلامي في بوتراجايا الماليزية، ولكن النتائج لم تعكس ذلك إلا قليلاً، زعماء وقادة الدول الأعضاء في المنظمة لم يصلوا عراقياً في بيانهم الختامي إلى المطالبة برحيل قوات الاحتلال من العراق، كما لم يحسموا بقرار ملزم للدول الأعضاء مسألة إرسال قوات من دول إسلامية إلى العراق، فيما اعتبر مخرجاً لتفويض البرلمان التركي لحكومته في اتخاذ خطوة كهذه، وعوضاً عن ذلك ركز البيان على احترام النقاط المعتادة بشكل فضفاض، وهو ما رآه مراقبون نجاحاً لمجلس الحكم في بغداد بعد أن أحبط مشروع قرار يطالب قوات الاحتلال بالخروج في جدول زمني قصير.

ردهات مقر انعقاد المؤتمر شهدت تجاذباً كبيراً بين مختلف الأطراف التي لها علاقة بالشأن العراقي، ولكن الغلبة جاءت -على ما يبدو وفي الأخير- لمجلس الحكم الذي كسب اعترافاً قوياً بشرعيته.

عدا ذلك جاءت الديباجة في الملف الفلسطيني والسوري كعادتها وإن كانت بنبرة أقوى هذه المرة، وتمت فيها المطالبة بتفعيل المقاطعة الإسلامية لإسرائيل والتنسيق مع مكاتب المقاطعة العربية في هذا الشأن، وهو أمر يبدو نظرياً محضاً في ظل عدم اتخاذ مواقف رسمية من دول إسلامية بشأن العلاقة مع تل أبيب.

ولكن قضية اليهود وإسرائيل أثارت ضجة من جهة أخرى مختلفة تماماً،حيث وصف رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد اليهود بأنهم يستعملون كل الوسائل للسيطرة على العالم الإسلامي، تصريحات جاءت قوية في شكل حصاد عمر سياسي امتد عشرات السنين لرجل بهذا العيار، ولقيت التصريحات هجوماً حاداً إسرائيلياً وغربياً، واتهم مهاتير بمعاداة السامية مرة أخرى قبل أسبوعين من تركه للحكم، ولكنه أصر على تصريحاته دون أن يلقى سوى مساندة على استحياء من بعض زعماء المنظمة.

وإدراكاً بفشل اللقاءات والبيانات وحدها في إحداث أثرٍ يذكر، ارتفعت نداءات مطالبة بإعادة هيكلة المنظمة بما يضمن فعاليتها عن طريق آليات متابعة تضمن تطبيق القرارات والالتزام بها، ولكن المراقبين رأوا تطوراً إيجابياً تمثل في تأكيد البيان على حق الدول الإسلامية في تطوير مشاريع نووية لأغراض سلمية، في إشارة إلى دعم لطهران، هي في أمس الحاجة إليه.

وماليزيا كانت القمة توديعاً لمهاتير محمد، الذي أكد أمام عشرات الزعماء تسليمه منصبه لنائبه، عبد الله بدوي، الذي وجد فرصته ليقدم نفسه كزعيم جديد لماليزيا.

في قمة كهذه يضم جدول الأعمال المقترح عشرات القضايا، لكن الدول تتجاذب الاهتمامات، وفيما تبرز قضايا آنية تفرض نفسها، يظل الموقف تقليدياً بشأن ملفات قديمة، تتراكم تفاصيلها، فيما توصف الاستجابة بالضعيفة بشأن حلول تطالب بها الدول لمواجهة التحديات التي تواجه هذه الأمة.

صهيب جاسم -(الجزيرة) - لبرنامج (الملف الأسبوعي) - بوتراجايا.

هموم الإنسان العراقي الحياتية

توفيق طه: يحاول العراقيون تضميد جراحهم بعد حروب متواصلة منذ عام 80 من القرن المنصرم، وقد أضحى الأمن هاجس الجميع بعد سقوط نظام الرئيس العراقي صدام حسين، وغياب السلطة المركزية، لكن للحياة شكلاً آخر شبه طبيعي بعيداً عن عمليات المقاومة والتظاهرات، وربما تكون للمجتمع المدني العراقي هموم ليس لها بريق الأحداث السياسية المتفجرة لكنها تصنع الحياة، إنها هموم الإنسان العادي، يحاول إلقاء الضوء عليها مراسلنا من بغداد أكثم سليمان.

مدرسة في بغداد

تقرير/أكثم سليمان: لم تبدو الحياة أكثر طبيعية في العاصمة العراقية بغداد كما كانت يوم الدوام الأول في المدارس بعد الحرب الأخيرة على العراق.

البراعم الصغيرة التي جاءت لتعلم القراءة والكتابة والحساب لم تكن لتنشغل بقراءة الأحداث ولا بكتابة التاريخ أو حسابات السياسة، لكن الأحداث والتاريخ والسياسة ليست بعيدة رغم ذلك عن مواطني المستقبل.

مواطن عراقي: الوضع الأمني ما.. ما مطمئن، لذلك خاصة في الصباح المبكر أحاول أكون مع أولادي وأوصلهم بأمان، ومرتب لهم العودة أيضاً للبيت مرة ثانية.

أكثم سليمان: الهاجس الأمني هو الطاغي على الساحة العراقية وعلى كل فئات المجتمع من أم قصر على حدود الكويت جنوباً إلى زاخو على الحدود التركية شمالاً، لكن الشارع العراقي في غالبيته يحاول ألا يعيش على وقع الأحداث التي تتصدر الاهتمام الإعلامي، عمليات المقاومة ضد الأميركيين، عمليات المداهمة من قِبَل الأميركيين، قرارات الأمم المتحدة، شكل الدولة، الدستور الجديد، وجبات ثقيلة على بلد مازال يحاول هضم حرب فيها من الألغاز أكثر مما فيها من الحقائق، وسلام فيه من الأمنيات أكثر مما فيه من وقائع.

مواطن عراقي: نحن ما نريد مشاكل بعد، لازم نعيش ونريد بلد الخيرات هذا، إحنا نعيش مثل الهنود شحاذين على بلدنا، على.. هذا، يعني آني بالنسبة لي حوالي 8 سنين عسكرية خلصت الحروب كلها، يوم الكويت، يوم..، هو صح نريد هاي المشاكل إن شاء الله ينتهي.

أكثم سليمان: بعيداً عن زيارة (دونالد رامسفيلد) و(كولن باول) عن تشكيل مجلس الحكم والحكومة الجديدة، عن الانفجارات هنا وهناك، يكتفي المواطنون العراقيون حتى إشعار آخر بالأفراح الصغيرة، كالعملة الجديدة التي يأملون أن تستعيد قيمة كانت تمتلكها عملة العراق يوماً، أو كالاندماج في نشاط اجتماعي أو فني لمن استطاع إلى ذلك سبيلاً كهؤلاء الساهرين في نادي الصيد في بغداد للغناء والرقص وممارسة شيء من الاعتيادية.

مواطنة عراقية: دا نحاول إحنا بها الأشياء الصغيرة، دا نحاول إنه ونرفه عن أنفسنا شوية شوية، وإن شاء الله القادم يكون أحسن وأحسن، ونتمنى للعراق إنه يكون هو أحسن بلد بالعالم بكل خيراته وبكل ما موجود به.

أكثم سليمان: لا كفر بالتاريخ ولا حقداً عليه يركز العراقيون اليوم على الحاضر والمستقبل، بل إيماناً بالحياة التي تعيش دوماً في الحاضر وتحلم بحاضر في الغد اسمه المستقبل.

أكثم سليمان - (الجزيرة) - برنامج (الملف الأسبوعي) - بغداد.

توريث رئاسة الجمهورية في أذربيجان

توفيق طه: وأخيراً إلى آسيا الصغرى، وبالتحديد أذربيجان، التي يبدو أنها أثبتت أن توريث الأبناء منصب رئاسة الجمهورية لم يعد امتيازاً عربياً صرفاً، تحقق ذلك الإنجاز -إذا صح التعبير- إثر فوز إلهام علييف برئاسة أذربيجان، حسب الخطة التي رسمها الرئيس المزمن حيدر علييف قبل أن تتناوب عليه غيبوبة المرض، وأعباء السن، ورفض المعارضة لمشروع التوريث، فقد التف على بذلك بأن رشح نفسه في الانتخابات الرئاسية، ثم سرعان ما انسحب، ليفسح المجال لنجله، وقد هيَّأه لذلك منذ أن عينه حديثاً رئيساً للوزراء، عقب تعديل دستوري أجري قبل عام، ويثير تغاضي المؤسسات الغربية عن ذلك التجاوز التساؤلات،خاصة في ظل الثروات النفطية والغازية الهائلة لأذربيجان.

انتخابات في أذربيجان
تقرير/مكي هلال: أذربيجان تنضم إلى قافلة الجمهوريات الوراثية، بفوز إلهام علييف برئاسة البلاد بنسبة 80%، وبينما تتهم المعارضة الرئاسة بانتهاكات جسيمة، ترى فيه شركات النفط العالمية الضمانة الحقيقية للاستقرار والاستثمارات في بحر قزوين طالما تمسك بنهج أبيه الليبرالي المخضرم، كما وعد مراراً إبان حملته الانتخابية، فنهج علييف هو أن جلب المزيد من الاستثمارات الأجنبية إلى البلاد كفيلٌ بأن يضمن نهضة اقتصادية، واستقراراً ورفاهاً لم تضمنه الثروة النفطية.

ولد إلهام حيدر أوجليه علييف في الرابع والعشرين من ديسمبر سنة 1961، بالعاصمة باكو، حيث زاول تعليمه الابتدائي والثانوي، ليلتحق بعد ذلك بجامعة موسكو الحكومية للعلاقات الدولية، ويتخرج فيها سنة 82، وينال سنة 85 شهادة الماجستير في التاريخ والعلاقات الدولية، ثم يدرس بنفس الجامعة حتى عام 90، ليتفرغ بعد ذلك للتجارة والاستثمارات بين موسكو وأسطنبول.

بدأت تستهويه السياسة سنة 95، تاريخ دخوله البرلمان الآذري، ليصعد نجمه بسرعة بعد ذلك، فيعين رئيس اللجنة الأولمبية الآذرية منذ 97، وزعيم الكتلة البرلمانية للحزب الحاكم (ييني أذربيجان)، سنة 2001، ثم رئيساً للوزراء في الرابع من أغسطس الماضي، وهي الخطوة التي أثارت حَنَق المعارضة بوصفها كانت البارقة الأولى لمشروع التوريث، حين كان الموت يتهدد علييف الأب في كل لحظة، والدستور الآذري المعدل للغرض يسمح لرئيس الحكومة بتولي الأمور في حالة وفاة الرئيس أو عجزه.

عيسى جنبر من حزب (موسافات) المعارض والحاصل على 12.8% من الأصوات وفقاً للنتائج الرسمية صرح قبيل النتائج بأنه قد جرت عمليات ترهيب واسعة للناخبين، ليس أقلها تهديدهم بفقدان أعمالهم ما لم يصوتوا لابن الرئيس، هذه الادعاءات والمآخذ لم ينفها مراقبون دوليون ممن واكبوا العملية الانتخابية، إذ انتقد مراقبو منظمة الأمن والتعاون الأوروبي عملية التصويت، ووصفوها بالفرصة الضائعة لإجراء انتخابات ديمقراطية، كما أكد المتحدث باسم منظمة Human Rights Watch أن ثمة أدلة واضحة على تكرار عملية الإدلاء بالأصوات والتزوير في عملية الفرز، فوز علييف الابن أو بالأحرى وراثته للعرش الجمهوري يعد سابقة فريدة بين دول الاتحاد السوفيتي السابق، ويعتبره المراقبون خطراً يهدد الديمقراطيات الناشئة هناك، والهشة أصلاً، ومؤشر انتكاس قد يصعب تداركه خصوصاً وقد صحبته أعمال عنف ومظاهرات دعت إليها أحزاب المعارضة التي اتهمت الحكومة بالتلاعب في الانتخابات، وقد لقي شخص مصرعه في الاشتباكات التي أسفرت أيضاً عن إصابة عددٍ آخر وجرح 20 من رجال الشرطة، واعتقال نحو 25 شخصاً، وهو إيذان ربما لبدء المواجهة الحقيقية بين المعارضة والرئيس الجديد.

توفيق طه: بهذا نختتم جولتنا في (الملف الأسبوعي)، ونذكر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت، أو الكتابة إلى عنوان البرنامج الالكتروني، وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر.

تحية لكم من فريق البرنامج، وهذا توفيق طه يستودعكم الله، إلى اللقاء.