مقدم الحلقة:

جميل عازر

ضيف الحلقة:

هانزفون سبونك: منسق الأمم السابق للمساعدات الإنسانية في العراق

تاريخ الحلقة:

11/12/2002

- معوقات نجاح برنامج النفط مقابل الغذاء في العراق
- موقف سبونك من عمل النظام العراقي في الجانب الإنساني

- تأثير غياب الحماية التجارية للعراقيين على برنامج النفط مقابل الغذاء

- حقيقة الوضع الإنساني الحالي في العراق مقارنة بما كان سابقا

- موقف ألمانيا من التعامل مع المسألة العراقية

جميل عازر: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى هذه الحلقة من (لقاء اليوم)، وضيفنا هو هانزفون سبونك (المنسق السابق لعلميات الأمم المتحدة الإنسانية في العراق).

سيد سبونك، مرحبا بك.

لقد استقلت من وظيفتك كمنسق للعلميات الإنسانية الدولية في العراق في شباط/ فبراير عام 2000، فبعد هذه الفترة إذا نظرنا إلى الوراء هل تعتقد أو لا تزال تعتقد أنك اتخذت القرار الصائب؟

هانزفون سبونك: لا أعتقد أنه كان بوسعي اتخاذ أي قرار آخر، فلم تكن المسألة متعلقة بوظفيتي، بل ذات صلة بضميري، فقد كنت شاهد عيان على تنفيذ برنامج أدى في واقع الحال إلى تكثيف وليس تخفيف معاناة الشعب العراقي بأي شكل كان، ولم أكن لأقبل بذلك.

معوقات نجاح برنامج النفط مقابل الغذاء في العراق

جميل عازر: لقد شغلت منصبك في الإشراف على برنامج النفط مقابل الغذاء، وذلك منذ أربعة أعوام حتى هذا الشهر تقريباً، ويبدو أداء البرنامج مرضياً إلى حدٍ كبير، ألا تعتقد أن ذلك دليل كافٍ على أن البرنامج ناجح؟

هانزفون سبونك: بوجهه الظاهر يبدو للعيان أن أداء البرنامج الآن أفضل بكثير مما كان عليه في بداياته عام 96، لكن إن أخذنا الصورة عن قرب نجد أن الناس يعانون بسبب الضغوطات والبطالة، ويذهب الأبناء إلى مدارس وجامعات لا تهيئهم بالشكل اللازم والمناسب لخدمة المجتمع المدني والسياسي، ونرى ارتفاع نسبة سوء التغذية، وما تزال نسبة الأمية في ارتفاع.

لقد عمل برنامج النفط مقابل الغذاء وفي أفضل حالاته فقط على وقف عملية التدهور المستمرة، وإن رغبنا في التعبير عن ذلك بالأرقام نجد أن النتائج مؤلمة، لغاية نهاية شهر تشرين أول/ أكتوبر الماضي، أي إلى فترة قريبة جداً، ومنذ بداية برنامج النفط مقابل الغذاء، كل ما حصل عليه الشعب العراقي فعلياً من مساعدات إنسانية كانت قيمة 188 دولاراً للفرد الواحد في العام، هذا كل شيء، وبهذا لا يسعنا الادَّعاء أن برنامج النفط مقابل الغذاء كان كافياً، إنه لا يكفي، فهو بالكاد يوفر للشعب ما يعتاش به، إنها حياة يائسة.

جميل عازر: يقول البعض إن نظام المقاطعة المفروض هو ترتيب سياسي -إن شئت- في حين أن برنامج النفط مقابل الغذاء هو أمر إنساني، وقد اتهمت خاصة من الأميركيين أنك تخلط بين الأمرين، فكيف ترد على هذه الاتهامات؟

هانزفون سبونك: أقول إن الحصار الاقتصادي والمالي هو عقوبة وُجهت للجهة الخاطئة، هذا ردي، نزع التسلُّح أمر يخص الحكومة، في حين أن العقوبات تؤذي الشعب، وإن عملنا على تحميل الشعب المسؤولية عما تفعله الحكومة، أعتقد أن هذا خطأ فادح، وأنا أقف مع كل من يعارضون هذا الخلط، إذ يمكن مثلاً فرض عقوبات عسكرية كان علينا أن ننفذ في عام 96 ما أصبح يعرف في عام 2000، ونعرفه الآن باسم العقوبات الذكية، فإذا فرضنا الآن عقوبات ذكية بعد اثني عشر عاماً من العقوبات المفروضة على الشعب العراقي، فما هي إذاً العقوبات التي كانت مفروضة منذ أحد عشر عاماً؟

جميل عازر: نظراً إلى المأزق الحالي الذي يواجه تجديد برنامج النفط مقابل الغذاء، ونظراً إلى خبرتك أنت شخصياً في التعامل مع التنفيذ العملي لهذا البرنامج داخل العراق، ما هي في رأيك العقبات الرئيسية أو العيوب والنواقص التي تعيق كفاءة ونجاعة هذا البرنامج؟

هانزفون سبونك: بدايةً كانت عملية توفير المواد لبرنامج النفط مقابل الغذاء معقدة للغاية، إذ يستغرق وصول أي مادة إلى العراق فعلياً ما بين 6 إلى 12 شهراً، ويتوجب على المستوردين والمصدرين إلى العراق الدخول في إجراءات طويلة تنفيذاً لبيروقراطية عقيمة.

ثانياً: شهدنا توقفاً متزايداً للمعونات الإنسانية الطائلة التي أوقفتها الحكومتين الأميركية والبريطانية لأسباب عديدة، أهمها: خشية استخدام هذه المواد في أغراض عسكرية، وكان حجز البضائع من جانب هاتين الحكومتين بمثابة الصفعة على وجه الأمم المتحدة، لأن للأمم المتحدة أكثر من 300 موظف يعملون في العراق، عملهم الوحيد هو التأكد من وصول هذه المواد إلى الجهات والاستخدامات المحددة لها مما يمكننا من التحقق والمتابعة، وهو إجراء أثبت جدواه.

أما السبب الثالث فهو: نقص التمويل، فقد شهدنا وخاصة في الفترة الأخيرة بعد ظهور مشكلة تراجع أسعار النفط في تموز/ يوليو شهدنا تراجعاً للعائدات، وبهذا أصبح البرنامج يعاني من ضعف التمويل الشديد، وعدم وفرة الميزانية.

لذا هناك أسباب عديدة توضح سبب عدم جني الشعب العراقي للفوائد الحقيقية من برنامج النفط مقابل الغذاء.

جميل عازر: بعد إعلانك استقالتك فوراً أجريت معك مقابلة في نشرة إخبارية على شاشة (الجزيرة)، وقد عبرت فيها عن انتقادك للسلطات في العراق آنئذٍ، في حين يوجه لك النقد على أنك تعمل لصالح صدام حسين والنظام العراقي، فهل كان بإمكانهم إنقاذ موقفك قبل استقالتك عندئذٍ؟

هانزفون سبونك: حسب ما فهمت من سؤالك بوسعي أن أقول لك إن كل شخص له علاقة بالقضية الجدلية المتعلقة بالعراق يخضع للتصنيف والمراقبة والتفنيد، وأنا واحد من هؤلاء الأشخاص، لكن أسلوبي واضح جداً، فقد استقلت من منصبي احتجاجاً على سياسة أشعر أنها تعمل على معاقبة الجهة الخطأ، وهم المدنيون الأبرياء، وأنا مستمر في تصريحاتي للتعبير عن هذا الاحتجاج، لكن في الوقت ذاته تعلمت أثناء عملي في الأمم المتحدة طوال 32 عاماً أن الحوار خيار أفضل من المواجهة، لهذا السبب حافظت على علاقتي بالحكومة العراقية، إذ لم تسئ الحكومة العراقية استغلال هذا الأمر على الإطلاق، ولم تحاول رشوتي أو الضغط علي، بل منحوني الحرية المطلقة في الحضور وقتما شئت ودخول المواقع التي أريد، وأن تكون لي أفكاري الخاصة، وأن أعبر عنها للجميع.. خلاصة القول هي أن الشعب العراقي يعاني من عقوبة مزدوجة، اضطهاد شديد في الداخل، وبرنامج خارجي من العقوبات الممتدة طوال اثني عشر عاماً، وقد أوضح المجتمع الدولي مراراً وتكراراً نتائج هذه العقوبات، واستنتج كثير من المحامين أن المؤسسة التي يفترض فيها حماية الأفراد من سوء المعاملة وانتهاك حقوقهم الإنسانية تنتهك الآن القوانين الدولية التي وضعت لمصلحة عموم الأفراد في جميع أنحاء العالم. اتفاقية حقوق الطفل، وحتى اتفاقية جرائم الإبادة. عندما تعلم أنك تنفذ سياسة تعمل على قتل الأطفال وتستمر في تطبيق هذه السياسة يمكن عندها أن يوجه لك الاتهام ذاته الذي تقوله الولايات المتحدة وبريطانيا على الحكومة العراقية، أعتقد أن هذا تطور خطير للغاية، وهذا هو بالتحديد ما أنتقده، ولا شيء سوى ذلك.

موقف سبونك من عمل النظام العراقي في الجانب الإنساني

جميل عازر: وماذا كنت تريد من النظام أن يفعل على جبهة العمل الإنساني؟

هانزفون سبونك: أعتقد أنني سأبدو منحازاً للحكومة مرة أخرى، عندما أقول إن برنامج النفط مقابل الغذاء كان يسير بشكل جيد ولم نواجه أية مشاكل مع الحكومة، كنا في بعض الأحيان نختلف معهم في توزيع المخصصات، لأن التمويل لم يكن كافياً، كان أملي دوماً أن نتمكن من توفير المزيد من المخصصات للتعليم، ليتسنى على الأقل حماية صغار السن والأبرياء وأجيال المستقبل من أثار سياسة العقوبات الخاطئة، هكذا كانت الخلافات، لكن بشكلٍ عام لقد كان البرنامج جيد من حيث التنفيذ، وكانت المواد التي تصل العراق تذهب فعلاً للأماكن المخصصة لها، لذا لم يكن لي أي اعتراض في هذا السياق على أداء الحكومة من حيث استخدامها للمواد المستوردة بموجب برنامج النفط مقابل الغذاء.

لكننا نعيش في عالم يعاني من نقص شديد في المعلومات، وكثيرا ما سمعنا عن حجز الحكومة للغذاء والأدوية عن الشعب العراقي، لكن ليس لدينا أي دليل يثبت ذلك على الإطلاق، ومثال على سوء استخدام الحكومة لمخصصات برنامج النفط مقابل الغذاء هو الشمال الكردي، حيث أن الموارد التي تصلهم تكفيهم بشكلٍ أكبر من بغداد، هذا صحيح، لكن ما لم توضحه الحكومة الأميركية أو الحكومة البريطانية أن كردستان العراق تحصل على 20% من تلك الموارد مقابل ما لا يزيد عن 13% من نسبة السكان، ولا نعلم لماذا يمكن اختراق العقوبات في الشمال في حين يجب على باقي أنحاء العراق الالتزام الصارم بهذه القوانين، وهي القوانين التي تطبقها بغداد العاصمة،لم يذكر أبداً أن الطقس في الشمال مختلف، وبالتالي فإن الوضع الصحي مختلف،لم يذكر أبداً أن هناك تجارة تشهد ازدهاراً تتم عبر الحدود مع إيران وسوريا وتركيا، لذا فإن مسالة الأداء الأفضل في الشمال معقدة جداً، لكن يشار في كثير من الأحيان إلى وفرة الموارد المالية، لم يُشر أبداً كذلك إلى أن الحكومة العراقية لا تحصل على أي دخل لدفع أجور موظفيها، لكنهم يشيرون إلى البيع غير القانوني للنفط، وقيمة ذلك تتراوح ما بين 2 إلى 3 مليارات دولار في السنة، لو افترضنا أن الدخل هو ثلاثة مليارات، وكان عدد السكان ثلاثة وعشرين مليون نسمة تكون حصة الفرد مائة وثلاثين دولاراً، لكن لن يتبقى أي تمويل للحكومة لتغطية أجور الخدمة المدنية والمعلمين والبنية التحتية والمستشفيات، فمن عساه يغطي هذه النفقات؟ مرة ثانية أؤكد أنني لا أدافع عن ديكتاتور، بل عن الحقيقة، عن الظروف السائدة على أرض الواقع التي تجبر الحكومة على البحث عن مصادر دخل بديلة.

جميل عازر: ولكن هذا الدخل مخالف لقرارات مجلس الأمن؟

هانزفون سبونك: هي بالتأكيد انتهاك لقرارات مجلس الأمن، لكنَّ حرمان أمة كاملة من الموارد التي تحتاجها لإدارة شؤونها يعتبر انتهاكاً لحقوق الإنسان، وهذا مثال آخر على أن العقوبة مزدوجة، وهي معاملة غير واقعية من جانب مجلس الأمن، وانتهاك لقانون دولي يقضي بضرورة التعامل مع البترول من خلال قنوات الأمم المتحدة.

جميل عازر: ولكن ما تقوله فعلياً هو أن هناك تناقضاً أخلاقياً في إجراءات.. في إجراءات الأمم المتحدة.

هانزفون سبونك: بالتأكيد إن محاولة التوصل إلى صورة واضحة عما يجري في العراق وتصنيفه من حيث الصحة والخطأ هي محاولة في الاتجاه الخاطئ، فالوضع العراقي مليء بالتناقضات، وضحاياه هم ثلاثة وعشرون مليون مواطن عراقي.

تأثير غياب الحماية التجارية للعراقيين على برنامج النفط مقابل الغذاء

جميل عازر: أفترض أنك على اطلاع على تصريحات (برنارد ستيفان) (المدير التنفيذي لبرنامج العراق في مجلس الأمن) بتاريخ التاسع عشر من نوفمبر الماضي، حيث تحدث عن غياب الحماية التجارية للمشتريات بالجملة للعراقيين، هل لك أن تخبرنا عن ذلك، وعن كيفية تأثيره على برنامج النفط مقابل الغذاء؟

هانزفون سبونك: نعم، أنا سعيد لطرحك هذا السؤال، فقد طرحت هذه القضية للمرة الأولى وأنا في بغداد، ما أشار إليه (برنارد ستيفان) هو ضرورة إدراج نص قانون تجاري في الاتفاقية التي توقعها الحكومة العراقية والمصدرين في الخارج، وحسب قرار مجلس الأمن يجب أن يتم تسديد ثمن البضائع كاملاً للمصدرين في الخارج قبل وصولها إلى العراق، وبالتالي لا يوجد أي شكل من الحماية للحكومة العراقية ضد من يسيء استخدام الموارد الناتجة عن برنامج النفط مقابل الغذاء، فإذا قام تاجر بإرسال بضائع تالفة إلى العراق بوسعه ذلك، لأنه يكون قد استلم ثمن البضائع كاملاً مسبقاً، قبل أن تتاح للحكومة العراقية فرصة الاعتراض على البضائع، لذلك أقوم أنا والسيد (برنارد) بالحوار مع مجلس الأمن لإقناعهم بضرورة إضافة بند تجاري على القانون يخوِّل العراق تأجيل دفع 10 إلى 20% من المبلغ كما هو معتاد في العلاقات التجارية في العالم.

جميل عازر: وأنتم أطلعتم الأمين العام للأمم المتحدة على ذلك؟

هانزفون سبونك: نعم، من خلال مجلس الأمن، لكن الاقتراح رُفض، وهو جزء مما نعتبره أسلوباً عقابياً، اسمح لي أن أعطيك مثالا آخر، حصل أثناء عملي كمنسق للمساعدات الإنسانية، يخصص للعراق مثل قطر حصة سنوية للحجاج إلى مكة، فطلبت الحكومة العراقية الحصول على مائتين وأربعين دولاراً لكل حاج، وبعد شهر كامل من الجدل في مجلس الأمن حول هذه المسألة البسيطة تم رفض هذا الطلب، ولم يتم توفير أي مخصصات نقدية لتغطية نفقات الحج، وهذا مثال بسيط على مدى تردي الأمور فيما يتعلق بالمسألة العراقية.

جميل عازر: لقد استقلت أنت وكذلك سلفك (دينيس هاليداي) وعبرتما عن نواحي قلقكما، فلماذا تعتقد أن الأمم المتحدة لم تأخذ بالتوصيات والاحتجاجات والعمل على تصويب الأخطاء والنواقص؟

هانزفون سبونك: إن مجلس الأمن يخضع لضغط شديد جداً، ونستذكر هنا أن 10 من الأعضاء الخمسة عشر في الفريق يتغيرون كل 10 سنوات، مما يتيح للأعضاء الخمسة المتبقين ميزة جيدة وهي أنهم يستمرون في العمل ولديهم قاعدة بيانات خاصة بهم، ولديهم أشخاص مختصين يعملون معهم يصبحون مع الوقت خبراء في قضايا مشابهة للعراق، كما أن لديهم مخصصات كبيرة تفوق مخصصات دول صغيرة في مجلس الأمن، لذا فإن سيطرة هؤلاء الأعضاء الخمسة تسود على الجميع، مما يجعل من الصعوبة بمكان على أي أحد أن يؤثر في تغيير سياسات مجلس الأمن، وعندما تكون أمام دولتين هما الولايات المتحدة وبريطانيا عازمتان على إبقاء الوضع الراهن واستمرار العقوبات المفروضة على العراق لماذا؟ لأن العقوبات لن تُرفع إلى أن يتم التخلص من صدام حسين، هذه هي حقيقة الأمر، فالحكومة العراقية بوسعها أن تفعل ما تشاء لإثبات التزامها، لكننا لن نشهد أي رفع للعقوبات الاجتماعية والاقتصادية ما لم يتم تغيير النظام، هذا هو الشرط الوحيد.

حقيقة الوضع الإنساني الحالي في العراق مقارنة بما كان سابقا

جميل عازر: كيف تصف لنا الوضع الإنساني الآن بالمقارنة مع ما كان عليه أثناء فترة عملك؟

هانزفون سبونك: من خلال زيارتي إلى بغداد بوسعي القول: أنه من الناحية المادية الملموسة هناك تحسن، فمزيد من الأدوية متوفرة في المستشفيات لكنها مازالت غير كافية، الغذاء أكثر لدى الشعب العراقي، لكن هناك شيء أكثر تعقيداً يتطور الآن وهو الحرمان الميتافيزيقي أو الروحاني والعقلاني، وتزايد البطالة والشح العام تلو العام، وعدم التمكن من التنقل والسفر داخل العراق الذي تفرضه الحكومة العراقية، إذا جمعنا ذلك فهل لك أن تتخيل إنساناً قادراً على تحمل جميع هذه الظروف طوال اثني عشر عاماً ويبقى بحالة عقلية سليمة؟ إن الشعب العراقي يعاني من صدمة ومن الحرمان العقلاني والمادي والمحصلة هي إنسان فقير جداً شخص بالكاد على قيد الحياة من الناحيتين المادية والعقلية.

موقف ألمانيا من التعامل مع المسألة العراقية

جميل عازر: أنت مواطن ألماني وبالطبع يبدو أن الحكومة الألمانية تتخذ الآن موقفاً مغايراً كثيراً لما كان عليه موقفها في سنتي 90 و91 أثناء حرب الخليج، هل تعتقد أن هناك إدراكاً على المستوى العالمي بما يحدث وأن المسألة العراقية ربما تتطلب التعامل معها بشكل مختلف تماماً؟

هانزفون سبونك: أقول إن الحكومة الألمانية والفرنسية كذلك قد أدركتا أنه على الرغم من وجود حكم ديكتاتوري في العراق إلا أنه لا يشكل خطراً وشيكاً لتبرير ضربة احتوائية على العراق. يجب أن يبقى هذا الأمر في ذهننا كما أن هناك وعي ربما في بلدي ألمانيا أكثر من أي دولة أخرى، إذ في النهاية مررنا بتجربة مريرة وهي الحرب العالمية الثانية، لذا علينا تكريس جميع الوسائل المتاحة قبل اتخاذ أي قرار بضرب أي دولة أخرى. وهناك عدد متزايد من الأوروبيين وفي ألمانيا كذلك يشعرون بأن هناك مؤسسة تسمى الأمم المتحدة يجب إعطاؤها فرصة خاصة لإجراء الحوار عوضاً عن ضربة احتوائية حظيت بموافقة متعددة الأطراف ليس لها أي أساس، إذا راجعنا جميع الاتهامات الموجهة للعراق سواء كانت الأعمال الإرهابية ضد السفارات الأميركية في دار السلام ونيروبي أو البارجة الأميركية (يو اس اس كول) في اليمن أو الاتهامات المتعلقة بالأنثراكس أو الصلة بين عملاء المخابرات العراقية والإرهابيين أو حسب الادعاءات الأخيرة لوزير الدفاع الأميركي (رامسفيلد) بأن القاعدة تعمل بحرية تامة في العراق، لا يمكن إثبات أي من هذه الاتهامات، ولا حتى إحضار دليل مقنع على أن أسلحة الدمار الشامل يتم إعادة تصنيعها بشكل يجعل من العراق خطراً مباشراً يجب القضاء عليه اليوم قبل الغد، لأن غدا سيكون قد فات الأوان.

إن التقارير التي حصل عليها المجتمع الدول من الولايات المتحدة في الثاني عشر من أيلول/ سبتمبر، ومن حكومة (بلير) في الرابع والعشرين من أيلول/ سبتمبر، ومن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في التاسع من أيلول/ سبتمبر جميعها لا تذكر دليلاً واحداً على أن الخطر وشيك، وبالتالي فإن الخيار المتاح برأيي هو والرجوع إلى التشاور متعدد الأطراف من خلال الأمم المتحدة بدلاً من اللعب بمسألة خطيرة كالحرب. وأقتبس من جنرال بريطاني قال مؤخراً: إن شن حرب على العراق كصب الوقود على الشرق الأوسط بدلاً من الماء.

جميل عازر: في نهاية المطاف ما هي برأيك أفضل إمكانية أو إن شئت نتيجة الآن بالنسبة للعراق كشعب وليس كنظام؟

هانزفون سبونك: بداية لا أعتقد أن هناك نتيجة مثالية، لكن هناك نتيجة واحدة من شأنها تخفيف معاناة الشعب العراقي الطويلة، وهي أن تفهم الحكومة العراقية أن هذه آخر ورقة لديهم، فعليهم التعاون التام، وفتح جميع المواقع المتعلقة بمسألة أسلحة الدمار الشامل، وربما يتمكن فريق المفتشين التابع للأمم المتحدة من أن يؤكد بعد ستة أو سبعة أو حتى ثمانية أشهر من الآن أن العراق قد تعاون معهم وأنه خالٍ من أسلحة الدمار الشامل، وعندها يجب أن نتذكر القرار 687 لعام 91 الذي يضم فقرة ألغيت تماماً من القرار الجديد هي الفقرة 22 التي تنص على أنه إذا تعاون العراق وأبدى خلوه من أسلحة الدمار الشامل سيتم رفع العقوبات الاقتصادية، عندها سنشهد عودة بعض، وليس جميع، بل بعض الاستقرار للشعب العراقي.

جميل عازر: مستر هانزفون سبونك Thank you very much .

هانزفون سبونك: Thank you.