مقدم الحلقة

ماهر عبد الله

ضيف الحلقة

حميد غل: رئيس الاستخبارات الباكستانية السابق

تاريخ الحلقة

23/06/1999

حميد غل
ماهر عبد الله
ماهر عبد الله: أعزائي المشاهدين، أهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من (لقاء اليوم) ضيفنا لهذا اليوم اللواء حميد غل (المدير السابق للاستخبارات الباكستانية).

لواء حميد welcome to jazeera.

حميد غل: thank you .

ماهر عبد الله: دعني أبدأ بسؤالك عن التطورات الأخيرة بين الهند وباكستان حول كشمير، باختصار ما هي أسباب الوضع الجديد؟

حميد غل: أساساً هي مشكلة كشمير، وهي مستمرة منذ أن بدأت عام 48 ، ولم يتم تنفيذ قرارات الأمم المتحدة بشأنها، ونتيجة ذلك هي أننا خضنا حربين في السابق مع الهند، وكان ذلك حول كشمير بالطبع، وسوف ندخل حرباً أخرى، لأن الهنود عنيدون، ولا ينفذون قرارات الأمم المتحدة، ولا يعطون شعب كشمير حق تقرير المصير.

ماهر عبد الله: ما هي أهمية كشمير بالنسبة لباكستان؟ دع الكشميريين يحاربون معركتهم.

حميد غل: الواقع أن هناك نظرية لهم، تنادي بوجوب القضاء على فكرة وجود شعبين، لأهل كشمير الحق في تقرير مصيرهم، سواء بالالتحاق بالهند أو باكستان.

ماهر عبد الله: لكن باكستان تصعد هذه القضية، قلتم: إنكم دخلتم حربين بسببها، وليس من السهل حل قضية من هذا النوع، لماذا لا يلجأ الكشميريون إلى الأمم المتحدة، أو دول أخرى؟ لماذا باكستان تحديداً، ما طبيعة الصلة بين باكستان وكشمير؟

حميد غل: لأن باكستان تتبنى قضيتهم، فالهند وباكستان كلاهما طرفان في القضية.

ماهر عبد الله: إذا كانت باكستان جزءاً من القضية، هذا يعني أن اتهامات الهند لباكستان بالتدخل في مشكلة الكشميريين مع الهند، هي اتهامات مبررة ومنطقية.

حميد غل: يجب على باكستان أن تتدخل في القضية، بل عليها أن تؤيد أهل كشمير دبلوماسياً وسياسياً، وأن تقف مع شعبها، فهو شعب مقهور، ويعرف أنه لو أُعطِي حق الاختيار منذ البداية لكان الآن جزءاً من شعب باكستان، أجل فهم من الناحية المعنوية مواطنون باكستانيون.

ماهر عبد الله: وفي هذه الحالة يمكن للمراقب بسهولة أن يقول: إنكم تتدخلون بشكل مباشر –كباكستان- في التطورات الأخيرة.

حميد غل: ليس مادياً، فالكشميريون يقومون باللازم بأنفسهم وبشكل جيد، وهذا يجري منذ عشر سنوات، فلديهم مقاومة مسلحة ضد قوات الاحتلال في

كشمير، وخلال السنوات العشر الأخيرة أبلى الكشميريون بلاءً حسناً في عملهم، لذلك فباكستان ليست مضطرة لأن تتدخل بشكل مباشر.

ماهر عبد الله: ولكن لماذا تحارب الهند باكستان؟ بمعنى أن معظم المناوشات، هي بين الجيش الباكستاني والجيش الهندي، وليس بين الكشميريين والجيش الهندي في المقام الأول؟

حميد غل: كلا، فهذه الفكرة ليست فكرة صحيحة، والقتال يجري داخل أرض كشمير، بين المجاهدين الكشميريين والقوات المسلحة الهندية، أما بخصوص خط الهدنة، فهو متوتر دائماً، وفيه مشاكل، وكلما تدخل الهند إلى أرضنا، علينا أن نرد بإجراء مناسب ومن هنا تبرز المشكلة.

ماهر عبد الله: إذا كانت هذه المشكلة موجودة منذ زمن طويل، فلماذا الآن؟ ما الذي بعثها من جديد؟

حميد غل: هذا ناتج عن أن الكشميريين طوروا من عملهم، ومقاومتهم، طوروا خططهم، وهذا يحدث في الكفاح المسلح، ثم بعد عشر سنوات من الخبرة سيطروا على أماكن تؤذي الهنود كثيراً، فهم الآن يسيطرون على خطوط الإمداد.

ماهر عبد الله: أشياء مثل ماذا كيف لهذا أن يؤثر؟

حميد غل: لقد قطعوا خطوط الإمداد، وعسكرياً هم قطعوا أكثر خطوط الاتصال حيوية مع منطقة الشمال.

ماهر عبد الله: لماذا تصر الهند على الاحتفاظ بكشمير لدرجة الاستعداد لقتال الباكستانيين وسكان كشمير كل هذا الوقت؟

حميد غل: إن الهنود يخلقون المشاكل من لا شيء، واليوم يريدون صرف الأنظار عن مشاكلهم الداخلية، فهم خلقوا المشاكل في (سريلانكا) و (بنجلاديش) ودخلوا ثلاث حروب مع باكستان، كما تدخلوا في مناطق بعيدة وصلت إلى (فيجي) ولديهم مشكلة مع (بورما) إن لديهم مشاكل مع الجميع، وليس فقط مع باكستان.

ماهر عبد الله: كيف ترى نهاية هذه القضية؟ المناوشات العسكرية لا يمكن أن تقدم حلاً، والهند وباكستان الآن دولتان نوويتان، إذا وضعنا هذا في الاعتبار، كيف ترى نهاية هذه القضية؟

حميد غل: النهاية في يد المجتمع الدولي، وإذا أرادت الأمم المتحدة حقاً أن تلزم الطرفين بقراراتها، فإن القضية ستنتهي، ثم ما الذي يطلبه الكشميريون؟ فقط حق التصويت، ولا ننسَ أن قمة النظام الغربي هي حق التصويت، ولكن هؤلاء لم يبق لهم شيء آخر.

ماهر عبد الله: بإمكاني أن أقول لك: أنه دائماً تحدث انتخابات في كشمير، لاختيار ولاة للبرلمان المحلي.

حميد غل: هذه انتخابات وهمية، لك أن تجري ما تريد من انتخابات، لكن ذلك ليس بديلاً عن حق تقرير المصير، المنصوص عليه في المواثيق الدولية.

ماهر عبد الله: إذن، لماذا لا يقوم الكشميريون بمقاطعة الانتخابات؟

حميد غل: اسألهم، نسبة الذي أدلوا بأصواتهم لم تتجاوز 2% عام 89، ولذلك ازدادت حدة الصراع والمقاومة، وبالتالي أدرك الكشميريون أنهم لن يحققوا شيئاً بالسبل الدبلوماسية، فحملوا السلاح وبدؤوا يقاتلون القوات الهندية.

ماهر عبد الله: ما هي درجة التعاطف مع المقاتلين الكشميريين اليوم-دعاة الاستقلال-ما هي درجة شعبيتهم في أوساط الكشميريين أنفسهم؟

حميد غل: يحظون بشعبية كبيرة، لأن الحركة المسلحة لا يمكنها البقاء دون دعم من الشعب، واستطاعت هذه الحركة البقاء لعشر سنوات، وهذا مؤشر على شعبيتها.

ماهر عبد الله: بعض المعلقين الباكستانيين أشاروا إلى احتمال وجود تورط إسرائيلي مع الهند فيما يتعلق بقضية كشمير، من خلال تجربتك في العمل المخابراتي، هل هناك أي درجة من الصحة في مثل هذه الدعاوى؟

حميد غل: نعم.. نعم، فهذا صحيح إلى حد كبير، فقد كان أفراد من القوات الإسرائيلية يساعدون الجنود الهنود، ويدربونهم تدريبات خاصة لمواجهة الحركة، وكانت هناك علاقة بين الموساد الإسرائيلي والمخابرات الهندية، وهناك دلائل واضحة وكثيرة على تورط واهتمام إسرائيل بقضية كشمير، وذلك بجانب الهنود وليس مع حركة التحرر.

ماهر عبد الله: وما هو سبب ذلك في اعتقادك؟

حميد غل: أعتقد أن هذا ناتج عن أهداف استراتيجية لإسرائيل، فمجال تخصصي هو دراسة الاستراتيجيات، وأعرف أن هناك علاقات بين الطرفين، وهي علاقات تتطور ولا تتناقص وهناك تفاهم كبير بين إسرائيل والهند.

ماهر عبد الله: لكن ما الذي يمكن إسرائيل تقديمه للهند، البلد بعيد جداً عنها، والمواجهة هناك تختلف عن طبيعة أية مواجهة خاضتها إسرائيل؟

حميد غل: الإسلام عدو للهند، وهذه مسألة تحالف طبيعي مقابل عداء طبيعي.

ماهر عبد الله: كيف يمكنك أن تقول: إن الإسلام عدو لكليهما، علماً بأن 10 إلى 15% من سكانها -إن لم يكن أكثر- هم من المسلمين والمشاركين في الحياة السياسية الهندية.

حميد غل: نعم، لكن الهنود يضايقونهم باستمرار، ولا يوفرون لهم فرص عمل، ويعاملونهم كمواطنين من الدرجة الثالثة، ويخلقون لهم المشاكل، ويدمرون دور عبادتهم، ثم لماذا أوجدنا باكستان لهذه الأسباب، كما أن الهند وإسرائيل عندهم طموحات في المنطقة هنا وهناك، خاصة الهند، التي تعتبر باكستان عقبة في طريقها، وتود أن تزيل باكستان، كي تصل إلى منطقة الشرق الأوسط.

ماهر عبد الله: إذا انتقلنا إلى موضوع آخر، ليس بعيداً جداً عن هذا بل هو بطريقة أو بأخرى ذو صلة، البعض يقول: إنه كما نجحت باكستان في خلق مشكلة للاتحاد السوفييتي في أفغانستان، فأخرجتهم من هناك، فإنها تأمل بإخراج الهند بأسلوب مشابه، وذلك عن طريق خلق المشكلة التي انفجرت اليوم في كشمير.

حميد غل: سؤال مهم، وجوابي هو أن الاتحاد السوفيتي السابق هو الذي خلق المشكلة الأفغانية، ووصولهم إلى نهاية محزنة هو من أخطائهم، وليس خطأ المقاومة ضد الاحتلال السوفيتي، وفي نفس الإطار إذا واجه الهنود مشاكل، فهي من صنع أيديهم، وعليهم أن يواجهوا العواقب، وإذا تجزأت الهند بسبب كشمير، فخطأ من يكون ذلك؟ بالتأكيد خطأهم، وقد آن الأوان لأن تدرك الهند ذلك، أعتقد أن الهند ستتجزأ، وكشمير ليست السبب الوحيد، لكنها قد تكون المسمار الأخير في النعش.

ماهر عبد الله: إذا عدنا لموضوع أفغانستان، وأنا أعتقد أنك ترأست المخابرات الباكستانية، في أواخر أيام الجهاد الأفغاني، أواخر.. مراحله الأخيرة هناك، ما هو الدور الذي لعبته باكستان في مساعدة المجاهدين؟

حميد غل: دور طبيعي وأساسي، باكستان فعلت كل شيء، فقد دربناهم زودناهم بالطعام والسلاح وكل شيء، باستثناء المشاركة الفعلية في الحرب.

ماهر عبد الله: لكن الصورة أو الانطباع الذي تشكل عند الجميع، هو أن كل ما يمكن تسميته بمسرحية المجاهدين، كانت من إخراج أميركي، ومن إنتاج أميركي، وباكستان كانت فقط تتعاون مع الأميركان، على أمل أن تقوم أميركا بمساعدتها في حل مشاكلها الإقليمية مع الهند أو غيرها من الجيران.

حميد غل: ولكن هل ساعدوا باكستان، الجواب: بالطبع لا، وفي القضية الأخيرة حول (كارجل) تريد أميركا من الحكومة الباكستانية أن تطلب من المجاهدين أن ينسحبوا من هناك، وبالطبع هذه الفكرة تتمتع بسذاجة كبيرة، لأنهم يريدون أن ينسحب الكشميريون من أرضهم، وما معنى هذا، أهو المساعدة الأميركية التي كنا نتوقعها؟!

ماهر عبد الله: هل يمكنك –بشكل قاطع- إنكار تعاون الأميركيين معكم في باكستان لمساعدة المجاهدين؟

حميد غل: العالم الغربي العالم الحر عدا –الاتحاد السوفيتي السابق وحلفاؤه- كان يؤيد ويؤازر حركة التحرير الأفغانية، أي المجاهدين الأفغان، كانوا يساعدونهم مادياً لوجستياً، وكان ذلك كله ناتجاً عن التقاء المصالح.

ماهر عبد الله: هل توقف هذا الأمر الآن؟

حميد غل: بالطبع توقف منذ فترة، عندما خرج الروس، وبالتالي توقف الدعم أيضاً، لكن الأميركيين لم يكونوا –أؤكد-لم يكونوا يساعدون المجاهدين الأفغان بشكل مباشر، كان ذلك يتم من خلال باكستان، وهي نقطة تحسب لصالح باكستان.

ماهر عبد الله: هذا يعتمد على رؤيتك للأمور، لكن هناك أشياء مثل صواريخ (ستنجر) ما كان يمكن لها أن تصل إلى يد المجاهدين إلا بموافقة الأميركان.

حميد غل: أجل، وللأميركيين مصلحة في ذلك، هذه الصواريخ ساعدت في إخراج الروس من باكستان، لذلك تكاتف الجانبان.

ماهر عبد الله: ذكرت كلمة سذاجة، اسمح لي أن أقول لك: بأنه إذا كان هناك ساذج فهو باكستان، لفترة ما توافقت مصالحها مع المصالح الأميركية، فوضعت باكستان كل إمكاناتها لمساعدة الأميركان على أمل الحصول على مساعدتهم، ولكن يبدو أن الأميركان لا يريدون أن يدفعوا.

حميد غل: كلا، أهدافنا كانت أهداف نبيلة وصادقة، كنا نساعد حركة التحرر الأفغانية، وإذا قدم أحدهم مساعدة في ذلك فإننا نأخذها ولا نحجم عنها، سواء كانت تبرعاً مادياً أو سياسياً، وأياً كان نوع التبرع.

ماهر عبد الله: بعدما رأينا الطريقة التي تطورت بها الأمور في أفغانستان حيث انقلب المجاهدون على المجاهدين، مما أدى إلى تدمير أساس الدولة الأفغانية كلها، هل تعتقد أن باكستان تشعر بالندم على مساعدتها في خلق وضع مثل هذا؟

حميد غل: أبداً.. أبداً كنت موجوداً في ذلك الوقت، لكن لم يكن هناك ندم أبداً، فعلى الأقل الأفغان يتقاتلون فيما بينهم الآن، والبديل الآخر كان من الممكن أن يكون إحكام القبضة الروسية على كل أفغانستان، ولا نعرف أين سينطلقون بعد ذلك.

ماهر عبد الله: العلاقات والصلة التاريخية التي أقمتموها مع المجاهدين، ما هو دور باكستان اليوم؟ الجميع يقول: إن طالبان ما هي إلا صنيعة باكستانية، وصلت إلى السلطة بمساعدة باكستانية، وطالبان –في أحسن أحوالها- لا تقود البلد إلى أي مستقبل محترم، ما الذي تأمل باكستان لتحقيقه بمساعدة طالبان؟

حميد غل: هذا غير صحيح، فطالبان أرست السلام في الجزء الذي تسيطر عليه ويشكل 90% من مساحة أفغانستان، وساعدوا في الحفاظ على وحدة التراب

الأفغاني، وصحيح هناك مشكلة، لكنها مع الوقت ستنتهي إن شاء الله.

ماهر عبد الله: كيف تفسر لمراقب مثلي هذا التقلب في مواقف باكستان؟ وهذا التأرجح، كان هناك حلفاء آخرون دعمتموهم من قبل ودربتموهم، هؤلاء كلهم تتجاهلهم باكستان وبعضهم ذهب لاجئاً إلى إيران، فجأة نجد باكستان لا تريد أن تعرف عنهم شيئاً.

حميد غل: أنا لا أتكلم عن غيري، ولكنني شخصياً كنت صديقاً حميماً للمجاهدين الأفغان، ومنهم (حكمتيار) و (رباني) وآخرون، وكنت أحاول أن أعقد صلحاً بينهم، وتوحيد صفوفهم، لكنهم خيبوا آمال الجميع، بل خيبوا آمال الشعب الأفغاني نفسه.

وعندما نهضت حركة طالبان بقوة رحب الشعب الأفغاني بذلك، وبشكل عام هناك طموحات للأفغان في حركة طالبان، وهذا من أسباب نجاحها، والحركة لا يقاومها كثيرون، رغم أن كل الدعم يذهب للمعارضة، المهم هو أن الشعب الأفغاني يساند طالبان، وهو سبب نجاحها.

ماهر عبد الله: أنا أرى هنا مفارقة أخرى في مساعدة باكستان لحركة مثل طالبان، في حين نرى أن الحركة الإسلامية الباكستانية تجد صعوبة بالغة في تأسيس نفسها كحركة سياسية تعمل داخل باكستان.

حميد غل: هذا مثير بالفعل، وهو تناقض ملحوظ، لكنه مفروض من الأميركيين

والغرب، ولذلك فإن مواقفنا السياسية لا تتفق ولا تنسجم مع إرادة وتوجهات شعبنا، وهذا التناقض سيزول، إذا لم يفاجئنا بالتحول إلى صراع مكشوف وهو أمر يتربص بنا، وهذا احتمال وارد، لكن هذا التناقض يجب أن يزول، وعندها ستجد باكستان قدرها الطبيعي.

ماهر عبد الله: كيف ترى إزالة هذا التناقض؟

حميد غل: هناك طريقتان: الأولى هي أن يحدث إجماع عام، وإذا حصل هذا فسيكون معجزة، والثانية هي أن يطفو الصراع على السطح، وسوف تكون هناك خسارة كبيرة، الحكومات المتعاقبة لم تكن تحسن تدبير الأمور في باكستان، ولم تكن تعرف كيف تدير البلاد بشكل صحيح، حسبما هو متبع في النظام الغربي.

ماهر عبد الله: أنا أرى في كلامك نغمة مأساوية نوعاً ما، كأنك تتحدث عن جزائر ثانية عندما تقول..

حميد غل [مقاطعاً]: أبداً ليست هذه هي الحال بالضرورة أبداً، وأنا أظن أنه لن تكون هناك معارضة كبيرة، فالجيش الباكستاني جيش متجذر في الإسلام، ليس كالجيش التركي، ولا يشبه الجيش الجزائري كذلك، وباكستان ملتزمة دستورياً بالإسلام.

والجملة الأولى في الدستور الباكستاني تقول: "إن الله –تعالى- هو سيد ومالك الأرض، وإن القرآن والسنة هما شريعة هذه الأرض ويجب ألا يتناقض أي قانون وضعي مع القرآن والسنة"، وهذا شيء جميل، ويصوب الوضع، لذلك ليست هناك فرصة لأن نعاني كما عانت تركيا والجزائر.

ماهر عبد الله: إذا سمحت لي بتضييق النقاش إلى شخص واحد، أنت تعلم أن الكثير من الدول العربية سمحت لمتطوعين بالذهاب إلى أفغانستان لمساعدة المجاهدين، والعديد من هؤلاء -تماماً- مثلما أنت لا تحب ما يجري في أفغانستان اليوم، هم كذلك لم يعجبهم، حتى رجعوا وحاولوا إيجاد أفغانستانات في بلدانهم، سؤالي لك: ما هي درجة مسؤولية باكستان عن خلق هذه الظاهرة؟ وسؤالي الثاني لك، إذا ركزنا أكثر على رجل مثل ابن لادن، أنا متأكد أن النشاط المكثف لباكستان، لا يسمح بالقول: إنها لم تلحظ وجود رجل مثله، أين كنتم عندما كان يبني قواعده؟ لدرجة أن أغلب الدول الغربية تنظر إليه اليوم على أنه تهديد للسلام العالمي.

حميد غل: هذا يثير الضحك، ولكن بالنسبة للسؤال الأول، فنحن لم نمنع أحداً من الدخول إلى أفغانستان والمشاركة في الجهاد، فتلك كانت فكرة إسلامية عامة، وكانت القضية نبيلة، وإذا جاء أحدهم فلم يطلب منا تصريحاً لدخول أفغانستان، وطلبوا تأشيرات، وأعطيناهم مجاناً، كما نفعل إذا لم يكن هناك شيء ضدهم، وبعضهم مزق وثائقه ودخل إلى أفغانستان، فقد كان القتال شديداً، والقضية نبيلة.

وكان أسامة بن لادن واحداً منهم، فكيف ساعدت باكستان في خلق مشاكل للدول الإسلامية الشقيقة، كلا فنحن لا نتمنى أن نخلق أية مشكلة لأية دولة إسلامية، فهي أصلاً لديها مشاكلها، وبالنسبة لأسامة بن لادن شخصياً، فهو يملك ماله الخاص، ودخل إلى أفغانستان، وساعد في شق الأنفاق، حيث إنه مهندس في الأصل.

وكان يساعد مجموعة من المجاهدين هنا، ومجموعة أخرى هناك وهكذا، وكان يحظى باحترام الجميع، لأنه ساعدهم مادياً من ماله الخاص، وأخلص للقضية الأفغانية، وبعدما انتهت العمليات الجهادية، ذهب إلى السودان، ولم يبق في أفغانستان ولم يعد إلى أفغانستان، إلا عندما بدأت أميركا تتعقبه لتعتقله، وعند عودته كانت أفغانستان دولة حرة، ولا شأن لنا بقرارهم.

ماهر عبد الله: كونك ذكرت السودان، هناك مفارقة أخرى بخصوص السودان وباكستان ابن لادن لا يمكث في السودان إلا بضع سنوات، فتوضع السودان على قائمة الدول الداعمة للإرهاب الدولي، ابن لادن في الطرف المقابل يمكث معظم وقته في باكستان أو في حماية باكستان، طالبان وباكستان حليفان قريبان جداً، الأكيد أيضاً أن ابن لادن وطالبان حليفان حميمان، ألا ترى معي المفارقة العجيبة، في أن أميركا لا تفعل شيئاً مع باكستان، على صعيد الضغط بطرد ابن لادن.

حميد غل: فيما يتعلق بطالبان وباستضافتها لأسامة بن لادن، وكون باكستان تعترف بها، فإن السعودية والإمارات العربية المتحدة تعترفان بها أيضاً، أجل هاتان الدولتان أيضاً تعترفان بحركة طالبان، أما بخصوص وصف باكستان بأنها دولة إرهابية، فإنه وصف خادع، لأنه لا ينطبق على دولة لديها قدرة نووية، ونحن لسنا دولة إرهابية.

صحيح كنا خط المواجهة الأول بخصوص الجهاد الأفغاني، لكن مجاهدي كشمير لا يصلهم منا أي دعم مادي، علماً بأن الشعب الباكستاني يقف معنوياً مع مجاهدي كشمير، وهناك شباب باكستاني لا يمكن منعه من القتال إلى جانب

أشقائه، لحماية عرض أخواتهم وأمهاتهم، وهذا حق لهم وهم أحرار في

ممارسته، فباكستان لها وضعها الخاص، والسودان له وضعه الخاص المختلف تماماً.

ماهر عبد الله: فيما يتعلق بكونكم دولة نووية، كوريا الشمالية دولة نووية، وهذا لم يوقف الأميركان من تصنيفهم كدولة إرهابية؟

حميد غل: كلا، كوريا الشمالية ليست دولة نووية فعلياً، كما أن باكستان بلد كبير جداً، ولأميركا مصالح كبيرة وكثيرة في باكستان، حيث أننا نحتل موقعاً استراتيجياً وحيزاً هاماً.

ماهر عبد الله: العلاقة بين أميركا وباكستان، تبدو غريبة جداً لمراقب مثلي، أغلب الباكستانيين الذين أعرفهم لا يحبون الولايات المتحدة الأميركية، وأنا أعتقد أن هذا شعور عام، تجده حيثما ذهبت سواء في باكستان، أو في الجاليات الباكستانية المهاجرة.

ومع هذا ومنذ السبعينات -إن لم يكن قبل ذلك- وعلى الرغم مما تذكره عن التوتر في العلاقة، فإن باكستان وأميركا تبدوان لي كحليفتين، في مواجهة

الهند، والاتحاد السوفييتي السابق، أو في مواجهة الهند مثلاً، لسبب أو

لآخر، أليس عجيباً أن تكون الغالبية العظمى من الباكستانيين على غير وفاق مع أميركا، في حين نجد أن الحكومة الباكستانية صديق حميم للأميركان؟

حميد غل: أجل، وليس لدينا خيار آخر، وهذه معضلة بالنسبة لنا، ونحن نفكر بالتحرر من القبضة الأميركية، نريد أن يكونوا أصدقاءنا، وقد وقفنا معهم كثيراً، لكنهم لا ينظرون إلينا كحليف حقيقي، لأن نائب وزيرة الخارجية الأميركية قال في شهادة له أمام الكونجرس: إن الهند وأميركا حليفتان حقيقيتان.

فإذا كانت الهند وأميركا حليفتان حقيقيتان، فأين موقعنا إذن؟! إن هذا يعني أننا تلقائياً أصبحنا العدو الطبيعي لأميركا، هذا شيء غير صحيح، فنحن نحترم الديمقراطية الأميركية، ونحب نظام القيم عندهم، كما أنهم ساعدونا ذات

يوم عندما أرادوا احتواء روسيا، ونحن وقفنا معهم، وخاطرنا بالكثير أمام الاتحاد السوفييتي، من خلال دعم المجاهدين الأفغان.

رغم أن ذلك كان من مبادئنا أيضاً، ويجب عمله في جميع الأحوال، لكننا وجدنا أن أميركا لا تهتم كثيراً بمصلحة باكستان، ولا تعير اهتماماً لحقوقنا، وهذا بالتالي نوع من التناقض بدأ بالتزايد، والشعب الباكستاني كغيره من شعوب العالم الثالث لا يحب أميركا، ثم أين هو الذي يحب أميركا؟ أعتقد أن الأميركيين فقط هم الذين يحبون أميركا وليس غيرهم، حتى إن الأوروبيين لا يحبون أميركا، وهم من المفترض أن يكونوا حلفاءها، وأرى بأن على الأميركيين إعادة النظر في اتجاهاتهم وسلوكهم ومبادئهم، فهم يمارسون معايير مزدوجة، لذلك هناك مشكلة في علاقتنا مع أميركا، ولا أدري أين ستنتهي؟

ولكن على الأميركيين مراعاة مشاعرنا، ومراعاة قضايانا النبيلة والعادلة والأساسية، ومنها -على سبيل المثال- قضية كشمير.

ماهر عبد الله: مرة أخرى مازال سؤال يقلقني بعض الشيء، بعد معرفتي كل هذا عن أميركا، لماذا تصر باكستان على اتباع التوجه الأميركي والخط الأميركي؟

حميد غل: أعتقد أن الحكام يتعرضون لابتزاز أميركا، ومخدوعون فيها، وباكستان لسوء الحظ أيضاً عليها ديون كبيرة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، كما أن الأميركيين يستخدمون الأمم المتحدة لخدمة مصالحهم وأهدافهم، وبشكل عام يجد المرء أن أميركا أصبحت قوة كبيرة في مجال الابتزاز، وعلى الآخرين تصويب ذلك، ومتى يحدث هذا؟ لا أدري، لكنني أعتقد أنه ليس ببعيد.

ماهر عبد الله: هل طلب الأميركان منكم أن تسلموا ابن لادن أو تساعدوهم؟

حميد غل: لست متأكداً، لكنني قرأت أكثر من مرة في الصحف الباكستانية، أن أميركا ضغطت على حكومتنا، وأنه عليها أن تساعد في القبض على

أسامة بن لادن، وأن تسلمه إلى أميركا، لكن أسامة بن لادن ليس تحت سيطرة باكستان.

ماهر عبد الله: البعض يقول -صحيح- أنه ليس في باكستان، نحن نعلم ذلك ولكن باكستان لها دلالة على طالبان، وهناك من يقول: إنه –مؤخراً وبعد انفجار الأزمة الأخيرة في كشمير- أنه طلب إذناً من الحكومة الباكستانية أن تسمح له أن يبدأ حربه الخاصة ضد الهند في كشمير، هل هناك صحة بهذا؟

حميد غل: كلا، لا أظن ذلك، فهذه دعاية هندية، والهنود يريدون التلاعب بالمشاعر الأميركية ليس إلا، وأرى أن من يظن أن لباكستان تأثيراً قوياً على الأفغان يكون مخطئاً، ولا يفهم الشخصية الأفغانية، إنك لن تستطيع التلاعب برأي الأفغان، ولا يستطيع أحد قول ذلك، ولا الزعم أنه يستطيع تحريكهم.

وهذا يشمل كل الأفغان وليس طالبان دون غيرهم، فقد عملت معهم عن

قرب، والشيء الخاطئ تماماً، هو أن يمارس البعض شروطه وإملاءاته على الشعب الأفغاني، كلا إنهم مستقلون تماماً.

ماهر عبد الله: لو سمحت لي أن أسألك عن شخص آخر، يثير اهتماماً في الدول العربية، أو في مصر تحديداً، الدكتور أيمن الظواهري الذي قوبل مؤخراً في أفغانستان، نحن نعلم أنه هناك، ومعلوم أيضاً عداءه الشديد للحكومة المصرية، ويذهب البعض إلى اتهامه بتدبير الهجوم على السفارة المصرية في باكستان.

هل باعتقادك أثر وجوده في أفغانستان على علاقتكم بمصر؟ هل تضغط الحكومة المصرية على باكستان لتسليمه أو للمساعدة في تسليمه؟

حميد غل: ليس لدي معلومات عن هذا، فأنا الآن شخص متقاعد، وقد تركت الخدمة منذ سبع سنوات ونصف، وتركت العمل بالشأن الأفغاني منذ عشر سنوات، وفي ذلك الوقت لم يكن أسامة بن لادن ورفاقه أشخاصاً مهمين، بل كانوا كغيرهم من المجاهدين من الشباب الذي شاركوا في القتال، في بعض المناسبات كان يجري حديث عن أسامة بن لادن كملياردير سعودي يساند قضية عادلة ونبيلة.

ولم تكن أهميته تتعدى ذلك، وهو اليوم بؤرة اهتمام الدعاية الأميركية، ولا أعرف درجة مسؤوليته عن كل ما ينسب إليه، ولكن ومن خلال خبرتي كرجل استخبارات أرى أنه بعيد عن كثير من الأحداث التي يقال إنه متورط فيها.

ماهر عبد الله: هل ينطبق هذا على أيمن الظواهري أيضاً؟

حميد غل: حتى هذا قرأت عن الاسم في الصحف في وقت متأخر ولم ألتق به.

ماهر عبد الله: بما تعرف من صلاتك ومصادرك الباكستانية، هل أدى وجوده إلى إحداث توتر في العلاقة بين باكستان ومصر؟

حميد غل: كلا، لا أظن ذلك، ولكن لابد من وجود ضغوط دبلوماسية على باكستان، لكن باكستان تستطيع شرح موقفها، فهي لا تملك السيطرة على حكومة طالبان.

ماهر عبد الله: الانفجار في السفارة المصرية في باكستان -نحن نعلم أن التحقيقات حوله تجري منذ زمن بعيد- هل وجهت السلطات الباكستانية اتهاماً لأحد؟

حميد غل: كلا، ليس بعد.. ليس حسب علمي.

ماهر عبد الله: هل تتعاون مع الحكومة المصرية في هذا الاتجاه؟

حميد غل: عليها أن تفعل ذلك، فمن واجب باكستان أن تتعاون في التحقيق، لكنها لم تتوصل إلى أي مصدر محدد وواضح لذلك الانفجار.

ماهر عبد الله: حضرة اللواء حميد غل، شكراً لك على تشريفنا بهذه الزيارة وهذا اللقاء، شكراً لك.

حميد غل: شكراً.

ماهر عبد الله: أعزائي المشاهدين، شكراً لكم، وإلى لقاء آخر يتجدد.