مقدم الحلقة:

مصطفى سواق

ضيف الحلقة:

أكبر أحمد/ أستاذ الدراسات الإسلامية بالجامعة الأميركية

تاريخ الحلقة:

28/07/2004

- محاولة نشر ثقافة الحوار
- تقييم التجربة الفكرية عند الأميركيين

- كيفية استفادة المسلمون من العولمة

- نظرة أكبر أحمد لعالم اليوم

مصطفى سواق: مشاهدينا الكرام مرحبا بكم نستضيف في برنامج لقاء اليوم هذه المرة الأستاذ البروفيسور أكبر أحمد أستاذ كرسي ابن خلدون للدراسات الإسلامية في الجامعة الأميركية بواشنطن وأحد أبرز المفكرين المسلمين في فضاء ما بعد الحداثة وربما يكون أشهرهم على الإطلاق.

محاولة نشر ثقافة الحوار

أستاذ أحمد مرحبا بك تقوم أنت حاليا مع عدد أخر من الأكاديميين والمفكرين بمحاولة نشر ثقافة الحوار في الغرب وفي العالم الإسلامي لماذا الحوار الآن؟

أكبر أحمد: إن الفكرة الأساسية للدعوة هي التحاور ودعوة الناس للنقاش أريد أن أخبر الناس بديني وعاداتي وتقاليدي وتاريخي وأريد أن أستمع إلى الآخرين وهم يخبرونني عن أديانهم أتحاور حاليا مع اللورد كيري الأسقف السابق لكنتربيري ورئيس الحاخامات في بريطانيا الدكتور جنسن ساكس وفي أميركا أتحاور مع الأسقف جون تشين ومع كبير الحاخامات لأستنج ما يخلق تفاهما متبادلا ونوايا حسنة متبادلة وصداقة متبادلة.

مصطفى سواق: يخشى الكثير من المسلمين من قضية الحوار هذه لاعتقادهم أن الغربيين يريدون تدجين الإسلام ربما تغيير بعض المفاهيم الإسلامية من أجل أن تتناسب والفكر الغربي وربما المعتقدات الغربية ما رأيك في ذلك؟

أكبر أحمد: نحن نمر في زمن من الحيرة والشكوك وزمن من المخاوف وزمن من العذاب للمسلمين يجب أن نرجع إلى تاريخنا هناك حديث نبوي شريف مشهور يقول النبي صلي الله عليه وسلم ما معناه سيأتي زمن يحمل فيه المسلمون دينهم كأنه جمرة في راحة أيديهم ستكون الجمرة ساخنة وطبعا من الصعب أن يحملها أحدنا فسأله أحد الصحابة ما معناه إلا أن عدد المسلمين سيكون قليلا فأجاب صلي الله عليه وسلم لا بل هم كثر كعدد الحصى على الشاطئ ويعتقد العديد من العلماء أن هذا هو ذاك الزمان فنحن كمسلمين نتعرض الآن لضغوط كبيرة جدا لذلك عندما تتطلع إلى التاريخ الإسلامي وتتحدث عن الحوار تذكر مثلنا الأعلى وهو النبي صلي الله عليه وسلم فحينما قرر أن يجري حوار بعث برسالة إلى جميع جيرانه من حكام وأباطرة من غير المسلمين كان يتحاور مع حكام بلاد فارس وأباطرة الرومان كان النبي صلي الله عليه وسلم يؤمن بسياسة الحوار، لابد أن نسعى لإحياء مفهوم الحوار وللعمل به دائما.

مصطفى سواق: لكن بروفيسور يعني هل يمكن أن يكون الحوار بناء من دون أن يكون الطرفان متساويين في القوة ربما وفي على الأقل الثقة بالذات؟


لابد من الحوار داخل ميدان يسوده جو من الاحترام المتبادل دون اتخاذ موقف التساهل أو الخنوع
أكبر أحمد: مرة أخري هذا سؤال وجيه وكنت أطرح هذا السؤال كلما دخلت في حوار مع أحد ما أقول من خلال تجربتي هو أن هناك مساواة بين الأطراف في الحوار وعندما أتحدث مع اللورد كاري أو الدكتور ساكس رئيس الحاخامات أجدهما يعاملانني بكل احترام ويستمعان لما أقوله عن الإسلام وهما يرغبان في قراءة كتب عن الإسلام كما أنهم يستجيبان ويرغبان في الحوار معي هذا هو المنتدى الوحيد الذي يكون فيه احترام متبادل فيما بيننا وإذا لم يكن هناك حوار فأنك تكون في الوضع الذي ذكرته وهو انعدام التناسب والتوازن بين الأطراف وعندها يصبح المسلمون الشريك الأضعف في الحوار لذلك من المهم الانتقال إلى ميدان يمكن أن يجري فيه الحوار في جو من الاحترام المتبادل وعليه فمن المهم أن تحتل هذه المكانة بكل ثقة دون أي مبررات ودون اتخاذ موقف دفاعي فأنا لم أجري أي حوار متخذا موقف التساهل أو الخنوع.

تقييم التجربة الفكرية عند الأميركيين

مصطفى سواق: طيب أنت تتحدث عن الحوار بين الحضارات الثقافات الأديان إلى أخره هينتغتون تحدث عن الصراع بين الحضارات، فوكاياما تحدث عن نهاية التاريخ وإذا أخذنا الصراع صراع الحضارات ونهاية التاريخ يبدو وكأنه الصراع ينتهي بانتصار الغرب على الشرق على الأقل هذا رأي فوكاياما، كيف تقيم هذه التجربة الفكرية عند الأميركيين؟


شخصيات عالمية غربية دعت إلى الحوار واحترام الثقافات بين الغرب والمسلمين، وفي ذلك إشارة إلى التصدي لفكرة الصراع بين الحضارات
أكبر أحمد: ومرة أخري هذا سؤال مهم جدا لا يمكن تجاهله لآن فكرة الصراع بين الحضارات التي كتب عنها الأستاذ هينتغتون وقبله ذكر الفكرة الأستاذ برنارد لويس فكرة نهاية التاريخ وانتصار الغرب والأيديولوجية والرأس مالية وغيرها هذه مفاهيم راسخة والعلماء والمثقفون المسلمون يجب إلا يتجاهلوها ويتظاهروا بأنها غير موجودة إنما على العلماء المسلمين أن يتعاملوا مع هذه المفاهيم وأن يقدموا طرائق بديلة لفهم العالم ومن هذه الطرائق البديلة الحوار بالتحديد فمثلا إذا أشرنا إلى فكرة أن المسلمين ينتمون إلى دين إبراهيم الحنيف يجب إلا تنسى أن فكرة الحوار قد عرضها الرئيس خاتمي في الأمم المتحدة في العام 1998م وهناك آخرون يشيرون الآن إليها أنني أحرر كتابا بالتعاون مع أستاذ فورث من الجامعة الأميركية وفيه إشارة إلى الرئيس خاتمي وكذلك إشارة إلى الدكتور ساكس رئيس الحاخامات واللورد كاري الأسقف السابق ولدينا أيضا كوفي عنان وجيمس وولفنسون مدير البنك الدولي والدلاى لاما هؤلاء هم أيضا شخصيات عالمية فهم يؤكدون مجددا أن هناك حاجة إلى الحوار وحاجة إلى احترام الثقافات واحترام بعضنا البعض أعتقد أن هذا هو بمثابة توازن قوي يتصدى لفكرة الصراع بين الحضارات يجب أن لا نتشاءم ونستسلم لليأس.

مصطفى سواق: طيب أستاذ أحمد يعني لماذا في رأيك تقوم عدة أطراف في الغرب بمحاولة تصوير المسلمين على أنهم أشرار والإسلام والعالم الإسلامي على أنه عالم الشر؟


العالم الإسلامي يواجه مشكلة حقيقية تتمثل بانخفاض نسبة المتعلمين وقلة احترام العلم والعلماء
أكبر أحمد: هذا سؤال معقد وسؤال محوري يجب أن يجيب عنه المسلمون وغير المسلمين ولا يمكن تجاهله أنني منهمك في الإجابة على هذا السؤال لأكثر من عقد من الزمان، هناك عدة إجابات على هذا السؤال هناك الوضع السياسي على أرض الواقع هناك خلل في التوازن الاقتصادي فمثلا هل تعلم أن ثلاثمائة وخمسين شخصا فقط يمتلكون نصف الأصول المالية الموجودة في العالم كله هناك اختلال مباشر في التوازن بين الفقراء والأغنياء في العالم الإسلامي نجد أن معظم الحكام ديكتاتوريون عسكريون وهذه مشكلة وهناك انخفاض حاد في نسبة التعليم وهذه مشكلة أخرى كما وهناك الواقع المرير مشاكل الفلسطينيين وسكان كشمير وسكان البلقان والشيشان، هذه مشاكل حقيقية على أرض الواقع يجب أن نجد حلا لها أعتقد أن المشكلة الرئيسية التي نواجهها في العالم الإسلامي والتي هي بحاجة إلى حل والتي يمكن أن تساعد في فهم صورة الإسلام هي مشكلة انخفاض نسبة التعليم عموما في العالم الإسلامي وقلة العلم أو قلة احترام العلم فالعلم هو الكلمة الأكثر ورودا في القران بعد لفظة الجلالة الله والعلم له مكانته المرموقة في التراث والثقافة الإسلامية مع ذلك فإننا لا نجد سوى أدلة قليلة نفخر بها تشير إلى أن التعليم الإسلامي ونسبة انتشاره مرتفعة جدا لدرجة تمكننا من منافسة الغرب أو الصين أو الهند وهي حضارات غير إسلامية، ففي فترة من الزمن كانت الحضارة الإسلامية في قمة ازدهارها وتخرج منها علماء بارزون أمثال الطبري الذي كان يكتب يوميا أربعين صفحة ولمدة أربعين عاما، أنا أكتب بسرعة وأُنتج تقريبا كتابا في السنة وأستعمل الكمبيوتر وغيره لكنني غير قادر على مجاراة الطبري الذي ألف كتبا قبل عدة قرون، هناك المسعودي وابن خلدون والبيروني وهؤلاء علماء بارزون فما الذي حدث لنا؟ إن هذا لتحد لنا وللحضارة الإسلامية وذلك للكشف من جديد عن العلم والمعرفة في الإسلام.

مصطفى سواق: نعود الآن لقضية لمسألة التحديات التي تواجه الإسلام والمسلمين يعني ما هي أهمها في رأيك أنت أشرت إلى مسألة العلم يعني التربية إلى أخره؟

أكبر أحمد: أرى أن هناك عدة أنواع من التحديات فهناك الواقع السياسي والشعور بالإحباط تجاه الأزمة المستمرة التي يعانيها الفلسطينيون وسكان كشمير وسكان البلقان، فبلاد البلقان لم تهدأ أحوالها بعد وكذلك في الشيشان وهذه المشاكل تولد نوعا من الاستياء والغضب الأمر الذي يدفع الناس إلى القيام بأعمال عنف داخل العالم الإسلامي وهذا ما يحدث على أرض الواقع وكلنا رجاء وأمل في أن يتم حل هذه المشاكل فكل من الفلسطينيين والإسرائيليين يسعى للتوصل إلى حل، الحل بإقامة دولتين بحيث يعيش الشعبان في جو من الوئام والاحترام المتبادل بين الطرفين، نأمل ونرجو أن يتحقق هذا قريبا جدا. ولكن هناك مشاكل أعمق في قلب المجتمع نفسه هذه المشاكل لا تزال موجودة ونحن في الغالب لا نناقشها مشاكل في قيادة في العالم الإسلامي فالقيادة مهمة جدا في المجتمع الإسلامي ومشاكل الفجوة الحاصلة بين الفقراء والأغنياء ومشاكل التعليم في العالم الإسلامي ومشاكل قلة احترام العلماء في الحديث النبوي الشريف ما معناه أنه يجب احترام العاِلم في الإسلام فهو يمثل العلم ومصدر المعرفة كما تعلم العلماء الآن إما أن يقتلوا أو تتم ملاحقتهم أو يتم كتم أصواتهم أو نفيهم إلى بريطانيا أو الولايات المتحدة، يجب أن نستردهم فهم الكنز الذي لدينا ونحن لا نعاملهم باحترام شديد لذلك هناك فراغ الآن حول الحاكم إذ لا يتحلق حوله سوى المتملقين والمتزلفين الذين لا يخبرون الحاكم إلا بما يريده من معلومات، فعندما كان صدام حسين رئيسا حظي بنسبة 99.9% بالأصوات في الانتخابات لأن الأشخاص الذين كانوا حوله كانوا يقولون له انك أعظم حاكم بعد صلاح الدين هذا الأسلوب لا يساهم في ازدهار المجتمع الإسلامي إطلاقا لذلك نحن كمجتمعات إسلامية يجب أن نسعى بكل جدية إلى تقدير العلم والتعليم، فالتعليم بنظري يجب أن يكون الأولوية لكل حاكم مسلم يجب أن يخصص نحو نصف ميزانية الدولة للمدارس والجامعات وللتعليم والحوار فلنتعلم دروسا من الطبري والمسعودي ومن ابن خلدون ومن البيروني فلنعتز بما ورثناه من تاريخ عريق وغني.

كيفية استفادة المسلمون من العولمة

مصطفى سواق: أنت من دعاة العولمة كيف يستفيد المسلمون اليوم من ظاهرة العولمة التي يخافون منها لأنهم في حالة ضعف مقابل القوة التي تهيمن على ظاهرة العولمة؟


العولمة سلاح ذو حدين، ففي الوقت الذي قد تسحق فيه الثقافات المحلية أو المجتمعات الريفية والقبلية، نلمس بها محاسن معينة في مجال الإعلام والحاسوب
أكبر أحمد: في الحقيقة أن لست من مؤيدي العولمة بقدر ما أنا خبير في تحليل العولمة فأنا أكتب عن العولمة وأشير إلى نقاط ضعفها الرئيسية من نقاط ضعفها أنها كالمحدلة البخارية تسحق الثقافات المحلية كما أن هناك خطورة في أن تسحق المجتمعات القبلية والمجتمعات الريفية فهي كالطاغوط لكنها في الوقت نفسه لها محاسن معينة في مجال الإعلام مثلا وهناك أجهزة الكمبيوتر والبريد الإليكتروني مثلا كلها تشكل جزء من العولمة بحيث أن الفرد الذي يكون في كابل أو كرتشي أو كولالمبور أو القاهرة قادر على الاتصال مباشرة ببقية أنحاء العالم لذلك أعتقد أننا نعيش في عصر يهيمن عليه علم التقنيات وعلى العلماء المسلمين أن يستمروا في التواصل فيما بينهم وكذلك المجتمعات الإسلامية وهذا أمر مفيد جدا فمثلا أجد نفسي وأنا في واشنطن على اتصال بكل العالم الإسلامي وهذا مفيد لأنني أعرف الطريقة التي يفكر بها الناس وأعرف ردود أفعالهم لحدث ما كما أنني أتعلم الكثير من خلال الاتصالات التي أجريها لذا يجب أن نفهم العالم الذي نعيش فيه يجب ألا نشعر بالخجل من ذلك وأن نتذكر بأن بدايات العولمة نشأت في العالم العربي وضمن الحضارة العربية فمثلا ابن خلدون ولد في تونس وعاش في غرناطة وعاش في فاس وعاش في تونس وعاش في القاهرة وعاش في دمشق وعاش في مكة المكرمة لقد عاش في ثلاث قارات أوروبا وأفريقيا وأسيا وكان يتكلم اللغة نفسها وعاصر الثقافة نفسها وتمكن من أن يتواصل مع اليهودي والبربري والمسيحيين والمسلمين وهذا نوع من أنواع العولمة فلماذا يتخذ المسلم موقفا دفاعيا منها لا حاجة لمثل هذا الموقف إنما يجب أن يدرك أننا نعيش في عالم صعب.

[فاصل إعلاني]

مصطفى سواق: نواصل عن العولمة كيف أثرت أحداث الحادي عشر من سبتمبر على قضية العولمة وعلى رؤية العالم للحوار بين الحضارات والحوار بين الأديان إلى آخره؟

أكبر أحمد: كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر هي نقطة تحول في سياق العولمة خاصة في نشر صورة الإسلام لأنه بعد هذا التاريخ عكفت جميع وسائل الإعلام على تثبيت صورة الإسلام على أنه يولد العنف والإرهاب والهمجية وكان يصعب على العلماء المسلمين أن يتصدوا بطريقة ما لهذه الصورة فهذه الصور ظهرت في كل مكان في التليفزيون وفي الصحف كتابي الإسلام تحت الحصار هو محاولة لشرح أفكار وتحليلها والتفاعل معها في سياق عالم ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر لأن هناك هينتغتون فوكاياما وجميع كبار الفلاسفة والعلماء الذين كتبوا عن عالم ما بعد سبتمبر كانت جميع هذه الصور تحمل طابعا سلبيا عن الإسلام ونحن كمسلمين وعلماء اجتماع نحاول أن نشرح الأمور بصورة تحليلية نبين فيها أن المسألة ليست قضية حضارة قديمة متطرفة إنما هي سلسلة عمليات اجتماعية تحصل ويجب أن نشرحها تماما كما حصل لأبن خلدون قبل عدة قرون لقد استعملت فكرته عن العصبية وطبقتها في سياق عالم ما بعد أحداث سبتمبر وفي كتاب الإسلام تحت الحصار أشرت إلى فكرة العصبية المفرطة أعتقد أن تلك فترة فيها تحدي كبير وهي فرصة سانحة أيضا خاصة وأنها ولدت اهتماما كبيرا بالإسلام لقد وجدت الكثيرين الحريصين على فهمه إذا هناك عداوة شديدة وهناك أيضا اهتماما كبير

مصطفى سواق: طيب ما دمت أشرت إلى كتابك الإسلام تحت الحصار وموجود هنا معنا أنت تستعمل مصطلح العصبية هل يعني.. هل هذا يعني أنك استعملت المنهج الخلدوني في دراستك هذه أم أنك استعملتها لأغراض أخرى وهل تصلح مصطلحات بن خلدون مثل العصبية لهذا العصر؟

أكبر أحمد: لقد استقيت من تلك الفكرة وكعالم اجتماع يجب أن أبحث عن أدوات استخدمها في دراسة المجتمع إن مفهوم العصبية وهو من المفاهيم الرئيسية لابن خلدون هو أصلا فكرة الولاء للجماعة والتضامن الاجتماعي والعمل على تماسك المجتمع، لقد أدرك بن خلدون هذا الأمر لأنه عاش في نهاية حكم آخر سلالة عربية وقبل ظهور ثلاث إمبراطوريات إسلامية هي الدولة العثمانية والدولة الصفوية ودولة المغول وجميعها غير عربية وكان ابن خلدون يعيش في فترة انتقالية وفترة تحول نحن الآن نعيش فترة انتقالية وفترة تحول لذلك ارتأيت أن مفهوم العصبية مفهوم مثير للاهتمام واستعملت مفهوم العصبية المفرطة واستخدمت كلمة مفرطة على أنها ولاء مفرط للجماعة وهذا المفهوم لا ينطبق فقط على المجتمع الإسلامي إذا درست جماعات أخرى كانت تتعامل مع المسلمين تجدها تستخدم نوعا من العصبية المفرطة لأنها تقول أن جميع المسلمين أشرار وأنه يجب قتل جميع المسلمين كانت تعبر عنها أحيانا بأفظع أنواع العنف مثل الاغتصاب الجماعي ومعسكرات القتل ومعسكرات الاغتصاب ونعلم أنها من الأحداث التي وقعت في بلاد البلقان فما هو ذلك السلوك أنه لم يكن سلوكا شريفا لأنهم كانوا يعتقدون أن اغتصاب النساء المسلمات سلوك شريف وتلك هي عصبيتهم المفرطة علينا أن نفهم آليات العالم الذي نعيش فيه الآن حتى نوضح للناس أن هذا الأمر لا علاقة له بالمسيحية أو بالإسلام أو باليهودية.

مصطفى سواق: لكن هل يمكن باختصار أن تشرح لنا هذه الفكرة هل هذه الظاهرة التي تتحدث عنها في الغرب مثلا هل هي عصبية بالمفهوم الخلدوني أم أنها في الواقع مجرد تعسف؟

أكبر أحمد: أنهما الشيء نفسه وجهان لعملة واحدة فعندما يفرط المرء في تصرفاته ضمن جماعته فأنه لا يكن أي احترام لأفراد الجماعة الأخرى ويكون مميلا لإهانة نساءهم وأطفالهم وكذلك متأهبا لقتل أي فرد فيها في أي وقت وليس هذا واردا في الحضارة الإسلامية؟

نظرة أكبر أحمد لعالم اليوم

مصطفى سواق: البروفيسور أحمد في كتابك في هذا الكتاب نفسه الإسلام تحت الحصار تتحدث عن كوننا نعيش في مجتمع ما بعد الشرف ما الذي يعني به هل هو مجتمع بعد الحداثة أم ماذا تعني بمجتمع بعد الشرف؟

أكبر أحمد: هذا هو تفسيري للعالم الذي نعيش فيه لقد أطلق بعضهم عليهم اسم عالمي ما بعد الحداثة وبعضهم الآخر قال أننا نعيش في عالم العولمة أم أنا فاستخدم مفهوم عالم ما بعد الشرف وماذا أقصد به إذا كنت تفكر كعالم اجتماع فأنك ترى أننا نعيش في عالم فيه عدة مجتمعات تحت الحصار في آن واحد ومن هنا جاء عنوان الكتاب الإسلام تحت الحصار والعنوان الفرعي له خطورة العيش في فترة ما بعد الشرف يقول الأميركان أنهم يعيشون تحت الحصار وبعد أحداث سبتمبر كانت عناوين الأخبار تقول أميركا تحت الحصار ويقول المسلمون أننا تحت الحصار في فلسطين وكشمير والبلقان والشيشان إذا تكلمت مع إسرائيليين فسيقولون لك نحن تحت الحصار نحن محاطون بالعرب الراغبين في أبادتنا أي أن هناك حضارات عالمية مختلفة تعيش في آن واحد وتشعر بأنها تحت الحصار وعندما يعيش الناس تحت الحصار فإن ذلك يستفزهم ويشجعهم ويدفعهم للقيام بأعمال عنف وأعمال غير عقلانية لا يتقبلونها هم أنفسهم حتى ضد أعداء حقيقيين أو وهميين لذلك تجدهم يرتكبون أعمال غير مشرفة لكنهم يبررونها على أنها أعمال شريفة كقتل النساء والأطفال والاغتصاب وممارسة أعمال العنف وقد شاهدنا ما حدث في سجن أبو غريب من إهانات مرتبطة بثقافة معينة كإفلات الكلاب على السجناء أو إساءة معاملتهم أو التحرشات الجنسية هذه هي مجتمعات ما بعد الشرف أناس يبررون أعمالا غير مشرفة ويعتبرونها مشرفة ومن هنا جاءت عبارة ما بعد الشرف وهنا أطرح هذا السؤال هل نحن ننتقل الآن إلى عالم ما بعد الشرف لأننا نسلك مسارا خطيرا إنه خطير جدا.

مصطفى سواق: طيب أعتقد أنك في نفس الكتاب أو ربما في بعض مقالاتك الأخرى تحدثت عن غزو الإسكندر الأكبر للهند وقلت بأنه عندما يعني تغلب على حاكم الهند آنذاك بوروس سأله كيف تريد أن أعاملك وأجاب الحاكم أريد أن تعاملني كملك وقد فعل ذلك عندما عينه حاكما لإحدى المناطق هناك هل تعتقد أو لماذا لا يفعل جورج بوش اليوم ما فعله الإسكندر الأكبر آنذاك أي أنه يتعامل مع الآخرين بهذه الطريقة الشريفة؟

أكبر أحمد: إذا قرأ كتابي فإنه ربما سيفعل الشيء نفسه لأن مفهوم الشرف ومفهوم الكرامة ومفهوم احترام الثقافات واحترام الفرد هي مفاهيم مهمة جدا في المجتمعات الإسلامية أو ما أسميها المجتمعات الشرقية وعندما فعل الإسكندر ذلك فإنه أدرك كيف يتعامل مع الملك بوروس فحوله من عدو لدود إلى أكثر الحلفاء ولاء له لقد أصبح هذا الأمر مهما جدا فلو نظرت إلى الجنود الأميركان في العراق فإنك تجدهم يقومون بأعمال إيجابية مثل بناء المدارس وشق الطرقات وغيرها لكنهم في الوقت نفسه يصطحبون الكلاب لتفتيش المنازل ومضايقة النساء كما أنهم يطرحون صاحب البيت أرضا ثم يضعون أقدامهم فوق رأسه مما يولد الكثير من العداوة وهذا ما لا يدركونه لأنهم يخرقون تقاليد الثقافة المحلية والأعراف الثقافية وهذه لا نفهمها إلا إذا نظرنا إلى تلك المجتمعات وإلى ثقافتهم الخاصة وتاريخهم الخاص بشأن ما يحترمونه وما لا يحترمونه وهنا نرجع إلى مسألة المعرفة وأنه يجب أن نفهم ثقافات بعضنا البعض وأكرر القول إنه في المجتمعات التقليدية وربما ليس في المجتمعات الغربية حيث تضاءلت قيمة الشرف وحيث التجارة والعلاقات هي الأكثر أهمية في المجتمعات التقليدية مفهوم الشرف والثقافة لا يزال مفهوما مهما جدا.

مصطفى سواق: طيب مثلا إذا أخذنا الغرب هل سبب هذا هذه المشاكل هل فجوة موجودة بين التطور والتقدم الصناعي التكنولوجي والعلمي وربما عدم مواكبة هذا التقدم بتقدم آخر هو التقدم الروحي؟

أكبر أحمد: ومرة أخرى هذا سؤال مثير للاهتمام فعندما نقول الغرب ماذا نقصد به يجب أن نتذكر أن هناك سبعة ملايين مسلم يعيشون في الولايات المتحدة وهناك ملايين من المسيحيين واليهود الذين لهم معتقداتهم وهناك نقاش دائر بين الإيمان والإلحاد في داخل المجتمع هناك نحو سبعين أو ثمانين مليون شخص يؤمنون بالكنيسة الإنجيلية في العالم وهي نظرة محدودة للعالم يؤمنون بها بدافع فهمهم للدين حتى إذا أقبلت أنت بفكرة أن الإيمان موجود ولكن هناك أسطورة وأنا أسميها أسطورة بأن هذه مجتمعات علمانية ففي النقاشات … تفترض أنت أن الغرب علماني كما أن الغرب يرغب في أن يظهر علمانيا أما أنا فلا أتفق مع هذا الرأي تماما وأعتقد أن الإيمان بشكل أو بآخر بطريقة مباشرة أو بغير مباشرة موجود ربما هو علم لاهوت أو ربما هو علم دراسة الإنسان أو ربما هو الثقافة لكنه يظل موجودا وهناك اعتقاد راسخ بأنهم يثقون بالله المرشحان للرئاسة الأميركية يحملان الإنجيل ويقولان إنه ميثاقهم الثمين وكلاهما يقول إنه استلهم قوته من المسيح فأين هي تلك النظرة العلمانية للمجتمع ففي العالم الإسلامي بدأنا نتصور كيف يحدثنا الغرب عن نفسه في العالم الإسلامي عندما ننظر إلى القادة المسلمين ونرى بعض أعمالهم نتساءل هل هذا عمل إسلامي وعندما نجد حكاما ديكتاتوريين يعاملون شعوبهم بقسوة ووحشية ويقتلون العلماء في مجتمعهم نتساءل هل هذا هو الإسلام وبرأيي هذا لا علاقة له بالإسلام ويجب كذلك أن نتذكر ما يمكن تصنيفه بالإسلامي والغرب.

مصطفى سواق: طيب بروفيسور الكثير من الباحثين يصفون القرن الماضي القرن العشرين بأنه الأكثر دموية في التاريخ هل تتوقع أن يكون القرن الواحد والعشرين مثل القرن العشرين؟


القرن الماضي كان من أكثر القرون دموية في التاريخ، وقد يكون القرن الحالي أسوأ حالا، لذلك أصبح الحوار بين الأديان مسألة جوهرية ومهمة
أكبر أحمد: إنني قلق للغاية لأن القرن الماضي كان من أكثر القرون دموية في التاريخ لقد قتل فيه الملايين من الناس في مختلف أرجاء العالم ألمان قتلوا بريطانيين وبريطانيون قتلوا غيرهم والفرنسيون والروس والكثيرون تورطوا في العالم أرى أن القرن الحالي سيكون أسوأ حالا وإليك السبب لأن هذا القرن لن يشهد حربا بين الدول إنما هي حرب يتورط فيها أشخاص معينون وهم سيورطون مدنيين أبرياء مثلا شخص في قطار أنفاق أو في صالة مسرح أو شخص في موقف حافلات يفجر نفسه فيقتل معه مجموعة من الأشخاص الأبرياء الذين يمكن أن يكونوا مسلمين أو يهودا أو مسيحيين أو علمانيين أو ملحدين عندما حدثت هجمات الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك وواشنطن قتل عدة مئات من المسلمين قد لا يعلم الناس هذا العدد لكن عدة مئات من المسلمين قتلوا في نيويورك وقتل أيضا أناس أبرياء كانوا يعملون في نيويورك لذا أقول إننا نعيش في عالم خطير جدا ويميل إلى العنف الشديد لذلك فإن فكرة الحوار وأهمية التفهم أصبحت مسألة جوهرية حقا فالحوار يعد محورا أساسيا في القرن الحادي والعشرين لأنه إذا فشلت قنوات الحوار فستحصل مواجهة ليس فقط بين الحضارات إنما بين مجموعة من الأفراد الذين يسعون إلى تطبيق القانون حسب أهوائهم وسيتمكنون من القيام بأعمال عنف ربما تودي بحياة مئات الآلاف من الأبرياء.

مصطفى سواق: الحديث جميل وأتمنى لو كان لدينا الوقت لكي نستمر لكن الوقت دهمنا ولذلك يجب أن ننهي هنا شكرا بروفيسور أكبر أحمد (Thank you very much).

أكبر أحمد: (Thank you mester).