جاب "المسافر" في هذه الحلقة مدنَ إثيوبيا التاريخية ليحكي قصة حضارتها القديمة؛ فتجول في المدينة المقدسة وشارع السلام، قبل أن يسافر جنوبا حيث الزراعة والماء والقبائل المنقطعة عن العالم.

المدينة المقدسة
في السنة الخامسة من بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وعندما اشتد التعذيب على المسلمين في مكة المكرمة؛ أمر الرسول عليه السلام الصحابة بالهجرة إلى الحبشة، وقال لهم إن فيها ملِكا لا يُظلم عنده أحد.

"المسافر" زار بلدة "نجاش" ووصل إلى قبر النجاشي الذي أمر النبي محمد بالصلاة عليه فيه غيابيا، فكانت تلك أول صلاة على الميت الغائب صلاها النبي.

ثم انتقل إلى مدينة هرر التي عُرفت بمدينة السلام وأيضا مدينة الضباع، ويعتبر أهالي هرر مدينتهم رابع مدينة إسلامية مقدسة بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف، ويحتجون لذلك بوجود أكثر من مئة مسجد ومثلها من أضرحة الصالحين في مساحة صغيرة جدا، وهذا ما جعلها في نظرهم رابع مقدسات المسلمين ولها اسم آخر هو "مدينة الأولياء".

يعود تاريخ المدينة إلى القرن العاشر الميلادي حيث أسسها المسلمون العرب، وظلت مركزا لإمارة إسلامية مستقلة حتى عام 1887 عندما ضُمت إلى إثيوبيا، وتتميز المدينة بالمسجد العتيق الذي يُعرف باسم مسجد جمعة ويعود للقرن العاشر الميلادي، ويعتبر عنوانا لحضارة هرر الإسلامية.

وبسبب تعدد الديانات والأعراق بالمدينة وما يعمها من سلام ووئام؛ أطلقت عليها منظمة اليونسكو "مدينة السلام". وتمتاز المدينة بجدران منازلها الزاهية التي زار "المسافر" أحدها.

وتتميز هذه المنازل بطريقة عرض الأواني على جدران غرف الجلوس، كما أن في كل منها مقعدا مخصصا لسيد المنزل، ومجالس مخصصة للشيوخ الذين يحفّظون أهل المنزل القرآن الكريم، وهناك مجالس للنساء وأخرى للأطفال الذين يتعلمون القرآن، ومقاعد أخرى للأطفال الذين هم دون سن التعلم.

ومن أشهر شوارع المدينة "شارع السلام" أو شارع المصالحة الذي يمتاز بضيقه الشديد، بحيث لا يمكن لمن يمر به إلا أن يصطدم بأي شخص يصادفه، وهو ما يجبر أي اثنين متخاصمين يمران به على المصالحة وتجاوز الخلاف بينهما.

ومن المشاهد غير المألوفة التي رصدتها كاميرا "المسافر" في هذه المدينة أسراب الصقور التي تطوف فوقها، وفوق رؤوس سكانها الذين اعتاد الكثير منهم على إطعام هذه الصقور بوضع الطعام لها فوق رؤوسهم، كما تمتاز المدينة بالمنازل التقليدية الرائعة.

ولتعاطي "القات" في هرر تقاليد قديمة، حيث تزدهر أسواقه بها من وقت ما قبل الظهيرة وإلى غروب الشمس، وعند السؤال السكان عن فائدته يجيبون بأنه يمنحهم السعادة واليقظة.

سلام مع الضباع
ومما يثير الدهشة في هذه المدينة اتفاقُ السلام الذي يعقده أهلها مع الضباع، فمن المألوف أن ترى سكان المدينة يلاعبون الضباع ويطعمونها بأيديهم قطع اللحم.

وبحسب الروايات؛ فإن هذا السلام يعود إلى فترة طويلة عندما تعرضت المدينة لقحط شديد، وأوشكت الضباع أن تأكل الكثير من سكانها، فقرر أهالي المدينة مقاسمة الضباع بعض طعامهم، ومنذ ذلك الحين عاش الطرفان في صداقة وسلام.

بعيدا عن الحضارة
المحطة التالية للبرنامج كانت مدينة جينكا التي تشتهر بالزراعة والأحواض المائية، وما يميز المدينة -الواقعة في جنوب إثيوبيا- هو أجواؤها الخاصة بها، بعيدا عن العالم وحضارته، فهناك يعيش الناس في بيوت من القش وتحيط بهم رؤوس الماشية، وتطوق منازلهم أشجار الموز والمانغا، فيأكلون مما يزرعون ويلبسون مما يصنعون، غير آبهين بالعالم وحضارته.

وتعد قبائل "السورما" الإثيوبية من أقدم القبائل الأفريقية وأقلها اتصالا بالعالم، إذ ما زالت متمسكة بأسلوب حياتها وتقاليدها منذ القدم، ويتحدد نفوذ وقوة القبيلة بناء على عدد الماشية التي تمتلكها، وتدير المرأة بيت الأسرة ويقوم الرجل بالعمل في رعاية المواشي.

ويعيش أفراد القبيلة في بيوت دائرية من القش، ولا يحصل الذكور على منازلهم الخاصة إلا بعد الزواج، وتختار العروس من قبيلة أخرى، ويبلغ مهرها نحو 20 بقرة. وعندما تبلغ الفتاة سن 14 عاما -وهي سن الزواج- يتم ربط قرص من الطين بشفتها السفلى لتوسيعها، إذ يعتبر ذلك شكلا من أشكال الجمال.

وبدورهم يفتخر الشباب بعدد الندوب على أجسادهم لأنها تدل على قوتهم، بينما تقوم النساء بزخرفة أجسادهن بشفرات الحلاقة.

أما غذاء القبيلة فيقتصر على شرب الحليب ودم البقر في الصباح الباكر، ولا يأكلون إلا وجبة واحدة في اليوم تتكون من الذرة.