هي بلاد السمن والعسل والقهوة، تسيطر عليها ملامح الطبيعة في القرى وحتى في المدن، تفوح في كل أماكنها روائح القهوة والزهور، إنها إثيوبيا.. بلاد الهجرة الأولى.. ومهد الحضارات.

حلقة (13/10/2018) من برنامج "المسافر" تـأخذنا إلى هذا البلد العريق لاكتشاف أسراره الجمالية وخصوصياته الثقافية، واستنطاق ذاكرته المكانية.

بدأت الجولة في جبل أنطوطو الذي يرتفع 3 آلاف و200 متر عن سطح البحر، وفي الطريق إليه تمر بالمنازل والقرى الصغيرة الهادئة، التي تنتشر أمامها الحيوانات حاملة السكان والأمتعة والأخشاب، ومن فوق الجبل تجذبك روعة المكان وجمالية العاصمة الإثيوبية أديس أبابا.

بلاد القهوة
على إحدى ربى جبل أنطوطو يتربع المجمع التاريخي للإمبراطور مينيليك الثاني الذي وحّد إثيوبيا في نهاية القرن 19، بعد أن كانت مقسمة إلى عشرات الممالك والدويلات الصغيرة، وظل هذا المجمع مقرا لأباطرة وملوك وقادة إثيوبيا حتى وقت قريب، وصار الإثيوبيون يعتبرونه رمزا وطنيا لبلدهم، وأصبحت العاصمة جامعة للإثيوبيين على اختلاف قومياتهم، ورمزا لوحدتهم وهويتهم الوطنية.

بعدها تنتقل كاميرا "المسافر" إلى أكبر سوق مفتوح في الهواء الطلق بقارة أفريقيا، مساحته الشاسعة تجعلك تتيه في شوارعه. تأسس في بداية القرن العشرين، وأطلق عليه الإيطاليون اسم "ماركاتو" التي تعني السوق باللغة الإيطالية. يتوافد على هذا السوق أكثر من 13 ألف شخص كل صباح، يفتحون أكثر من 7 آلاف متجر يبيعون فيها كل ما يخطر على البال بأسعار زهيدة.

في هذا السوق؛ تكاد تستنشق روائح القهوة والتوابل في كل ممراته، فالقهوة في إثيوبيا ليست مجرد شجرة أو مصدر رزق، بل هي جزء أصيل من ثقافة وحضارة الشعب الإثيوبي باعتباره المكتشف الأول لنبتة "البُنّ" في العالم، وتحظى القهوة في إثيوبيا بجودة عالية ونكهة مميزة وتأثير متفرد، أما صنعها وتقديمها فله طقس خاص.

وفي موقع قريب من السوق؛ اكتشف طاقم برنامج "المسافر" روحا أفريقية عظيمة، مخزنة في متحف يزخر بكل أنواع التراث والزخارف والصنائع اليدوية، التي توارثها الأبناء عن أجدادهم عبر آلاف السنين. والجميل في الأمر أن هذا التراث ضم مزيجا من الثقافة الإسلامية والثقافة الأفريقية، تجلى في لوح من ألواح الكتاتيب القديمة، كُتبت عليه أبيات للإمام البوصيري في مدح النبي صلى الله عليه وسلم.

تعايش وتسامح
يوجد في إثيوبيا أكثر من 80 قومية تختلف عاداتها وتقاليدها ومعتقداتها وأديانها، ويبدو هذا التنوع جليا في الرقصات المتنوعة والطبول القوية، والجميع يحتفون بالقوة والشجاعة والنشاط، وبكل ما يمر به كائن حي من مشاعر ومرح.

في جولة أخرى بمدينة بحر دار؛ يعرض لنا "المسافر" لوحة معبرة عن قمة التسامح بين الديانات المختلفة؛ إذ تجد مساجد بمآذنها العالية جنبا إلى جنب مع كنائس أرثوذكسية، ويقال إنه في الأسرة الواحدة قد تجد أقواما ينتمون إلى أديان مختلفة.

مدينة بحر دار هي كبرى المدن الإثيوبية، ويقول عنها الإثيوبيون إنها مدينة البحر والسهل والجبل. ورغم أنها ضاربة في القدم؛ فقد تمت إعادة بناءها على الطراز الحديث، فأصبحت العاصمة السياسية والاقتصادية لإقليم أمهرة شمال إثيوبيا.

ومن بحر دار تنتقل إلى جزيرة من الجزر التي تحيط ببحيرة تانا، وبمجرد وصولها تجد نفسك أمام غابة استوائية كثيفة، وفي طريق ضيق متعرج تصطف في جوانبه أكشاك الباعة بحرفهم التقليدية التي توارثوها جيلا بعد جيل!

وبعبور نهل النيل العظيم؛ تكون أمام جنة من الجمال مجسدة في لوحة فنية لشلالات النيل الساحرة، التي تتشكل من الأمطار الموسمية، وترتفع 40 مترا ويصل عرضها في بعض المواسم إلى 400 متر.

من هذا المكان ينبع نهر النيل العظيم الذي بنيت على ضفافه مدن كبرى ونشأت حضارات عديدة، وجعل من أفريقيا مركزا للحضارات الإنسانية منذ آلاف السنين وحتى يومنا هذا.