ربما يكون العاملون في حقل الصحافة الاستقصائية وحدهم هم من يقدرون معنى أن العمل الصحفي هو "مهنة المتاعب" في هذا العالم.

ذلك ما أكده برنامج "المرصد" -في حلقته بتاريخ (2018/10/1)- بتسليطه الضوءَ على المخاطر الجمّة التي يتعرض لها الصحفيون الاستقصائيون، عبر إبرازه لقضية الصحفية الهندية رشنا خيرا التي تعمل مراسلة لصحيفة "ذا تريبيون".

فقد قررت خيرا خوض تجربة صحفية خطيرة كان الطرف المقابل فيها هو الدولة الهندية، وذلك عبر كشفها تعريض برنامج حكومي هندي (مخصص لجمع هويات المواطنين الهنود) 1.2 مليار هندي لخطر قرصنة بياناتهم الشخصية.

ففي 3 يناير/كانون الثاني 2018 نشرت صحيفة "ذا تريبيون" تحقيقا أعدته رشنا خيرا وتوصلت فيه إلى أن بيانات الهنود التي جُمعت عبر برنامج "أدهار" (AADHAAR) –الذي يعتبر أوسع برنامج لجمع الهويات البيومترية في العالم- يمكن لكل من شاء الحصول عليها مقابل ثمن زهيد.

المراسلة حصلت على رسالة واتس آب من مجهول يعرض عليها فيها دخولا غير محدود إلى بيانات البرنامج الذي تديره "الهيئة الهندية للهوية الموحدة"، ثم اكتشفت أن هناك مجموعة من الأشخاص يقدمون هذه البيانات "بشكل غير شرعي بمنحهم رمز التسجيل في البرنامج وكلمة المرور لمن يريدهما مقابل خمسئة روبية".

الحكومة الهندية تقول إن أهداف البرنامج طموحة ومن بينها رقمنة اقتصاد البلاد، وجعل سياسات التوزيع فيها للمواد التموينية -المدعومة حكوميا- أكثر جدوى، وحتى قُبيل نشر تقرير الصحيفة كانت الهيئة المسؤولة عن "أدهار" تدافع أمام المحكمة العليا الهندية بأن البرنامج لا يشكل أدنى خطر على خصوصية المسجلين فيه.

تقرير الصحيفة أغضب الهيئة فقدمت -بعد نشره بأيام- للشرطة شكوى من الصحفية خيرا بتهمة الغش ونشر الادعاءات الكاذبة وعدم الأمانة والتزوير. ويرى خبراء أن المراسلة ما منعها من السجن إلا كونها تعمل لصحيفة محترمة وعريقة.

وبعد شهرين من نشر التقرير؛ قدم رئيس تحرير الصحيفة استقالته لأسباب غير واضحة، لكن مصادر قالت إن الضغط الذي تعرض له بعد كشف صحيفته للفضيحة "كان مهولا".

وفي ردها على نتائج التحقيق الصحفي؛ قالت هيئة "أدهار" إن الصحفية وصلت للبيانات عبر كلمة مرور لمندوب محلي موظف في البرنامج، مؤكدة أن القول بأن بيانات مليار هندي متاحة للجميع قول "مبالغ فيه وكان الأجدر نقل الخبر بمسؤولية".

رشنا خيرا –التي ما زالت تصر على متابعة تغطية قضية "أدهار"- وجدت تضامنا من جهات كثير عبر العالم؛ منها منظمة العفو الدولية التي أعدت فيلما تعريفيا بقضيتها دفاعا عنها وتثمينا لشجاعتها، كما أصبحت مقالاتها محل ترحيب في كبريات الصحف العالمية.