أكد وزير الخارجية العراقي الأسبق ناجي صبري الحديثي أن الرئيس الراحل صدام حسين لم ينكسر، وظل صامدا ولم يحن رأسه يوما. وكشف أن المدير العام السابق لوكالة الطاقة الذرية محمد البرادعي نفذ أجندة أميركية قادت إلى غزو العراق.

وفي الحلقة الثانية من "المقابلة" التي بثت مساء الخميس (2017/4/13)، تحدث صبري عن المرحلة الهامة والحساسة التي عاشها العراق منذ نهاية التسعينيات وحتى الغزو الأميركي عام 2003، وهي فترة أدار فيها ملفات خارجية عدة وهامة مثل ملف أسلحة الدمار الشامل، والعلاقات العراقية العربية، والعلاقات مع الدول العظمى، وكشف كيف كان للولايات المتحدة إصرار غريب على المضي قدما في العمل العسكري، رغم الأدلة التي أثبتت عدم وجود أسلحة دمار شامل في العراق.

تولى ناجي صبري منصب وكيل وزارة الإعلام عام 1991، لكن الخلاف مع الوزير حينئذ حول التعامل مع الإعلام الخارجي أفضى في النهاية إلى تركه المنصب، لينقل عام 1995 كمستشار في رئاسة الجمهورية في منصب شرفي حتى العام 1998.

في هذا العام صدر قرار بتعيينه مستشارا لوزير الثقافة والإعلام، ثم صدر مرسوم جمهوري بتعيينه بمنصب سفير، ثم لاحقا سفيرا للعراق بالنمسا، حيث وكالة الطاقة الذرية.

البرادعي
عن تلك المرحلة الدقيقة، يقول ناجي صبري إن المدير العام للوكالة الذرية وقتها محمد البرادعي كان ينفذ منهجا أميركيا "بحذافيره"، وكان يؤخر صدور قرار من الوكالة لتبرئة ساحة العراق من أي نشاط في مجال الطاقة النووية، رغم أنه كان يعرف تماما أنه ليس في العراق شيء من هذه الأسلحة، فقد "كانت هذه أجندة أميركية، والبرادعي خدم المشروع الأميركي خدمة كاملة".

وأكد الوزير الأسبق أن كل الوثائق تدل على ذلك، والوكالة نفسها قالت إنه منذ العام 1992 وصل البرنامج النووي العراقي إلى مرحلة الصفر وانتهى تماما، معتبرا أن المشروع الأميركي كان "تعجيز العراق وإنهاكه بالحصار والضربات الجوية وإيصاله إلى مرحلة الغزو".

وتابع أن ما حدث للعراق وبدأ تنفيذه منذ العام 1990، كان مشروعا إسرائيليا لتدمير الدولة العراقية وليس النظام السياسي، وبدأ تنفيذه بواسطة الإدارة الأميركية، ثم التحقت بها إيران.

وأوضح أن بعض الدول العربية توهمت أن هذا المشروع هدفه صدام حسين، والبعض الآخر اعتبر أنه لإزاحة حزب البعث عن السلطة، لكن الواقع الآن يؤكد أن الهدف كان الدولة العراقية.

عاد ناجي إلى العراق بعد عامين في النمسا، حيث عين وزيرا للدولة للشؤون الخارجية خلفا لمحمد سعيد الصحاف، وظل في هذا المنصب حتى عين وزيرا للخارجية خلفا لطارق عزيز، حيث بدأت جهوده لإعادة العراق إلى محيطه العربي، ولتعامل أفضل مع الأمم المتحدة.

تغير صدام
وردا على سؤال عما تغير في الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في تلك الفترة، قال صبري إن أول تغيير ملحوظ كان في السنوات الأولى من التسعينيات، حيث أطلق صدام "الحملة الإيمانية" وزاد من دروس الدين الإسلامي في المدارس، وأغلق البارات ومنع تقديم الخمور في الفنادق، كما أغلقت الملاهي.. "شعر أنه يجب تحصين الجيل الجديد بالعودة إلى الأواصر الإيمانية".

وأكد أن صدام "لم ينكسر" حتى بعد وقوعه في أيدي الغزاة الأميركيين، "ورغم أنني كنت أشعر بالألم أن يكون قائد العراق أسيرا ويحاكم، فقد كان هناك شعور بالفخر أنه قائد كبير ولم يحن رأسه للغزاة ولم يتوسل للمحكمة، وكان كبيرا".

عقب توليه وزارة الخارجية، دفع صبري الأمور لحل المشاكل المعلقة مع الكويت، فأقنع الرئاسة بإعادة الأرشيف الكويتي كاملا إلى الكويت.

وفي القمة العربية التي عقدت في بيروت عام 2002، عقد صبري لقاء وديا طويلا مع وزير الخارجية الكويتي وقتها محمد الصباح السالم. وخرجت هذه القمة باتفاق مَثل إنجازا كبيرا لحل المسائل المعلقة كلها، إلا أن الإدارة الأميركية لم تقبل تنفيذ هذا الاتفاق وضغطت باتجاه تعطيله وإلغائه.

الغزو
"عندما بدأ الغزو والحشد له من الغرب عرفت أن الخطر قادم، وأنه لا قبل للجيش العراقي بمواجهته أبدا، لاسيما أنه أُضعف وأُنهك من الحرب مع إيران والحصار وكان بحاجة إلى إعادة تأهيل لفترة طويلة".

يضيف ناجي أن آخر مرة التقى فيها صدام حسين كانت في اليوم الثالث للغزو، فقد "أرسل في طلبي وكان في مبنى صغير في منطقة وسط بغداد التي تسمى الآن المنطقة الخضراء، وكان قد أنهى اجتماعا مع مساعديه، وقال لي إن مؤتمرا لوزراء الخارجية العرب سيعقد في القاهرة لبحث موضوع الغزو، وطلب مني الذهاب لحضوره، وطلب مني الانسحاب إذا لم يتخذ المجتمعون قرارا لصالح العراق، وقال لي: أبلغ إخوانك العرب أن الغزاة لن يهزموا العراقيين، وكان يقصد بذلك المقاومة".

عاد ناجي إلى العراق بعد اجتماع عربي موفق صدر خلاله قرار بدعم العراق، وطالب بانسحاب الغزاة دون قيد أو شرط، وعندما اقترب الأميركيون من بيته، أرسل أسرته خارج بغداد، وانتقل إلى منطقة الأعظمية، حيث بقي فيها حتى إعلان الاحتلال.

خرج الوزير الأسبق من بغداد إلى دولة عربية مجاورة، وبقي فيها سبعة أشهر، ثم جاءته دعوة من أمير قطر حينئذ الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني للمجيء إلى قطر مع أهله، حيث يعيش الآن.

يعتبر ناجي صبري الحديثي أن يوم 9 أبريل/نيسان 2003 وسقوط بغداد "يوم أسود في تاريخ العراق والأمة العربية، لأن العراق ليس بلدا صغيرا هامشيا في هذه الأمة.. هذا البيت العربي يقوم على أربعة أركان أساسية، والعراق أحدها إضافة إلى السعودية وسوريا ومصر".