وجد ضابط اتصال جنوب أفريقي في سفارة بلاده بالعاصمة المغربية الرباط نفسه في اجتماع يحضره أرفع قادة الأمن في البلاد، وفوجئ بأن موضوع الاجتماع هو تعرض سيارة دبلوماسي مغربي للخطف.

فيل ريس

يعمل معظم الجواسيس في الخفاء، إلا أن من المتعارف عليه أن كل جهاز مخابرات يعمل في الخارج يخصص على الأقل ضابط اتصال واحدا تكون هويته معروفة لدى الدولة المضيفة.

وكان ضابط الاتصال التابع لجهاز أمن الدولة في جنوب أفريقيا هو الذي عبّر له كبار المسؤولين في جهاز الأمن والمخابرات المغربية عن قلق غير عادي في ديسمبر/كانون الثاني 2012. 

فطبقاً لبرقية سرية حصلت عليها وحدة الصحافة الاستقصائية في شبكة الجزيرة، دعي ضابط الاتصال التابع لجهاز مخابرات جنوب أفريقيا في الرباط إلى اجتماع ذلك الشهر في مقر جهاز المخابرات الخارجية المغربي المعروف اختصارا بـ "دي جي إي دي" (وهي الأحرف الأولى من اسمه بالفرنسية).

مثل هذه الاجتماعات اعتيادية، لكن ما لم يكن عاديا هو وجود اثنين من أعتى جواسيس المغرب، وهما مدير دائرة الرقابة على تراب الوطن (دي أس تي) ورئيس جهاز الأمن الداخلي. 

مدير "دي أس تي" عبد اللطيف حموشي، رجل غامض وذو سلطة جبارة. هو في أواخر الأربعينيات من عمره. مجرد ذكر اسمه في شوارع المغرب يذكر الناس بقضايا الاختطاف ومراكز الاعتقال السرية. في عام 2014 مثل حموشي أمام قاضي تحقيقات فرنسي أثناء زيارة كان يقوم بها إلى باريس حيث اتهم بتعذيب معارض سياسي، إلا أن السيد حموشي نفى بشدة تلك التهم. 

ومع ذلك يفترض بشكل عام أن قدرات الأجهزة الأمنية المغربية في مجال التجسس هي التي أكسبتها الفعالية العالية في سحق أي تهديد محلي. 

إذن، لماذا دعي جاسوس جنوب أفريقيا في الرباط إلى هذا الاجتماع؟ 

اضغط هنا لفتح ملف الوثائق (الجزيرة)

دافع سياسي
تبين فيما بعد أن السيد حموشي كان يحقق في خطف سيارة في جنوب أفريقيا كان ضحيتها ضابط من ضباط "دي جي إي دي" في سفارة المغرب. وكان العميل المغربي قد تعرض للضرب ثم اختطف لخمس ساعات وبعدها ألقي به في إحدى ضواحي العاصمة بريتوريا. تساءل حموشي ما إذا كان ثمة دافع سياسي وراء الحادث؟ 

رد عميل الـ"أس أس أي" بالتعبير عن أسفه لما حدث، ولكنه قال إن من المؤسف أن عمليات خطف السيارات باتت شائعة جداً في جنوب أفريقيا وأن ما جرى في هذه الحالة هو جريمة من جرائم خطف السيارات لا أكثر. 

من الواضح أن العميل كان مستغرباً أن يتعرض للتحقيق من قبل أكبر منصبين في هرم التجسس المغربي، ولكنه رأى في ذلك إشارة على أن "المغرب لديه في العادة حساسية خاصة بسبب قضية الصحراء". 

وهو بذلك يشير إلى الصحراء الغربية الغنية بمواردها الطبيعية، وهي الأراضي الصحراوية الواقعة إلى الشمال الغربي من أفريقيا، وتسيطر عليها المغرب منذ جلاء المستعمر الإسباني عنها في عام 1975. ومنذ ذلك الحين والمغرب يواجه تحركا مسلحا تقوده جبهة البوليساريو التي يمولها منافس المغرب الإقليمي: الجزائر، وتسعى لإخراج المغرب من الصحراء الكبرى. 

لربما ظنت أجهزة المغرب التي تشعر الآن بالثقة بسبب قدرتها على ضبط الأمور في الداخل، أن جبهة البوليساريو تسعى لنقل الصراع خارج ساحة المعركة العسكرية، والبدء بمهاجمة الأهداف المغربية في الخارج. 

ولعل حموشي، المتشكك بطبعه قد شم رائحة غدر ما، ولعله ساوره القلق من أن يكون لجنوب أفريقيا دور في ذلك خاصة أن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي الحاكم، كان دوماً من مساندي البوليساريو. 

إلا أن رئيس جهاز التجسس المغربي بدا في نهاية المطاف مطمئناً إلى أن خطف السيارة لم يتجاوز كونه عملاً إجرامياً، وانتهى الاجتماع بود. 

من المعروف أن جنوب أفريقيا لديها أعلى معدلات جرائم القتل في العالم، ولم يسلم من العمل الإجرامي عدد من الدبلوماسيين من مختلف البلدان خلال السنوات القليلة الماضية. وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي قتل في بريتوريا قنصل مغربي اسمه فاطمي نور الدين في حادثة سطو على بيته حسبما قالت الشرطة. 

محمد السادس تجاوب مع مطالب الشارع إبان الربيع العربي، لكن القرار لا يزال يصدر من القصر (غيتي إيميجز)

الربيع العربي
وفي رسالة أخرى وردت من رجل جنوب أفريقيا في الرباط إشارة إلى القلق من أثر الربيع العربي على حكم الملك محمد السادس في المغرب. 

وكان موقع ويكيليكس قد نشر في أواخر عام 2010 برقيات دبلوماسية تدعي وجود فساد على أعلى المستويات، حتى أن الملك نفسه متورط فيه. يذكر أن الثروة الشخصية لملك المغرب تقدر بعدة مليارات من الدولارات، ويعتقد بأن البطانة الصغيرة التي تحيط به راكمت ثروات بعشرات المليارات على مرّ السنين. 

من جهة أخرى، كان من شأن الاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت كلاً من تونس ومصر في عام 2011 أن حفزت آلاف المغاربة على المطالبة بأن يتنازل الملك عن بعض صلاحياته. 

تجاوب الملك محمد السادس سريعاً مع المطالب ووعد بإصلاحات دستورية لتوسيع الممارسة الديمقراطية وتعزيز سيادة القانون. 

كانت تلك هي الخلفية المضطربة للقاء الذي جرى بين ضابط جهاز أمن الدولة في الرباط والرجل الذي كان على وشك استلام منصب سفير المغرب في جنوب أفريقيا واسمه ثامي القلعوي. في لقائهم الأول عرف الجاسوس نفسه للقلعوي على أنه دبلوماسي من جنوب أفريقيا. 

ذكر الجاسوس في تقريره عن اللقاء أن القلعوي كان ثرثاراً، إذ تحدث عن نفسه طويلاً بما في ذلك عن تاريخ عائلته وعن "كيف أصبحت موضع ثقة العائلة الملكية". كما جرى نقاش بشأن الحكومة "الجديدة"، ويظهر من التقرير أن القلعوي أكد أن الإصلاحات التي نفذها الملك في عام 2011 كانت شكلية، وأنه لم يتغير الكثير. وذكر التقرير "بدا واضحاً أن السلطة الحقيقية والقرارات المهمة تتخذ داخل القصر الملكي". 

ويبدو أن ضابط المخابرات رأى في القلعوي مصدراً جيداً للمعلومات. وبعد عدة اجتماعات، ومن باب تعزيز الثقة بادر بإخبار السفير المعين بهويته كضابط في جهاز أمن الدولة في جنوب أفريقيا. يذكر الجاسوس بأن السفير "لم يجد أدنى مشكلة في ذلك، لكنه أصبح منذ ذلك الوقت أكثر حرصاً فيما يقوله". 

ورغم معرفته بمنصبه الحقيقي فإن القلعوي دعا جاسوس جنوب أفريقيا إلى تناول المشروبات معه قبل ليلتين من موعد مغادرته إلى مقر عمله الجديد. وبحسب ما جاء في التقرير قال القلعوي في تلك الأمسية إنه بعد أن يستلم مهامه الجديدة فإنه "يريد أن يتواصل مع عنصر رفيع المستوى في جهاز أمن الدولة في بريتوريا"، على أن يكون شخصاً "معروفاً وثقة" لدى الجاسوس في الرباط. وقال السفير المعين إنه يرغب أولاً في الاستقرار وسوف يشير "بعد ثلاثة شهور متى سيكون جاهزاً". 

لا تشير البرقيات التي حصلت عليها الجزيرة ما إذا كانت تلك العلاقة قد نشأت أم لا.