تكشف برقيات التجسس معركة حامية الوطيس لإنقاذ أجهزة التجسس في جنوب أفريقيا، والتي تتهم بأنها خارج السيطرة وبحاجة إلى إصلاح.

ويل جوردان

جواسيس جنوب أفريقيا ليسوا غرباء عن الفضيحة، إلا أن تسريب المئات من وثائقهم السرية يضع جهاز أمن الدولة في جنوب أفريقيا تحت المجهر أكثر من أي وقت سبق. 

كثير من البرقيات المسربة جاءت من أجهزة صديقة مثل جهاز الموساد في إسرائيل وجهاز إف إس بي في روسيا وجهاز إم آي 6 في بريطانيا، والتي قد ترى في هذا التسريب انتهاكاً لميثاق قائم بين مختلف الأجهزة الاستخباراتية، مما قد يثير أسئلة حول مدى الثقة بمخابرات جنوب أفريقيا بعد اليوم. 

يقول وزير الدفاع في حكومة الظل في جنوب أفريقيا دافيد ماينير: لقد أضحى جهاز أمن الدولة دولة داخل الدولة، وبات فوق المساءلة والرقابة من قبل البرلمان. 

تقول جان دانكين، مؤلفة كتبا "ظهور السيكيوروكرات" إنه بعد الفراغ من معركة انتقال السلطة داخل الحزب الحاكم، أي المؤتمر الوطني الأفريقي، لاستبدال ثابو مبيكي في عام ٢٠٠٨ "رأينا إساءة استخدام الأجهزة الاستخباراتية لتقوية جناح سياسي على حساب جناح سياسي آخر". وأضافت إن الفائز نال كل شيء ولكن الخاسرين لم يتلاشوا، وهم الآن يتهمون جهاز أمن الدولة بأنه بات مسيساً وخارج السيطرة وتحت قيادة الرئيس جيكوب زوما. 

أنقر هنا لتصفح الوثائق (الجزيرة)

أبارتايد
بعد أن قاد نيلسون مانديلا في عام ١٩٩٤ تحولاً ناجحاً من نظام التمييز العنصري (الأبارتيد) الذي كانت تحكم من خلاله الأقلية البيضاء، واجهت دولة جنوب أفريقيا تحد كبير، ألا وهو بناء مؤسسات دولة ديمقراطية جديدة وجامعة لكل مواطنيها. كانت العملية إلى حد كبير شفافة فيما عدا أجهزة مخابرات الدولة.

تم إغلاق جهاز المخابرات الوطني الذي كان فاعلاً في عهد نظام التمييز العنصري واستحدث مكانه جهازان، جهاز المخابرات السري في جنوب أفريقيا (إس إيه إس إس) ووكالة الاستخبارات الوطنية (إن آي إيه). تم بناء الجهازين باستخدام نفس طاقم موظفي جهاز المخابرات الوطني المنحل.

يقول باري غيلدر، وهو جاسوس سابق في مخابرات جنوب أفريقيا ومنسق سابق للمخابرات، وكان في نفس الوقت جاسوساً للمؤتمر الوطني الأفريقي أثناء النضال من أجل التحرير: كانت النتيجة هي دمج الجهازين المتنافسين واللذان كانا قد تحالفا مع دول أجنبية مختلفة، فصارت لكل منهما فلسفته المختلفة، وأيديولوجيته المختلفة وفهمه المختلف لما ينبغي أن تكون عليه حكومة ما بعد عهد التمييز العنصري وما ينبغي أن تكون عليه سياستها الخارجية، وما ينبغي أن تكون عليه أولوياتها الأمنية. 

وأضاف غيلدر: لقد توجب علينا أن نبني أجهزة مخابراتنا على أساس ما كان موجود من قبل، وحينما ينتهي بك الأمر إلى أجهزة مخابرات خلقت بعد هذه الخلفية، بعد ذلك لا يوجد إلا التاريخ، وفي النهاية يصبح لديك مزيج من النظريات المهنيات، ومن المهننين، ومن الخدمات الاستخباراتية. وأحياناً تلتبس علينا الأمور ونقع في الخطأ. 

المركزية
جهازا المخابرات الجديدان، إس إيه إس إس و إن آي إيه لم يعمرا سوى خمسة عشر عاماً. وفي عام ٢٠٠٩، وخلافاً لتوصية نشرت في تقرير صادر عنها هي، قررت الحكومة دمج خمسة أجهزة أمنية في جهاز واحد اسمه أمن الدولة (إس إس إيه). 

وطبقاً لدانكين حصل الدمج جزئياً بسبب دروس استلهمت في الولايات المتحدة الأمريكية من قبل هئية التحقيق في أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والذي خلص إلى أن التنافس القائم ما بين الأجهزة الأمنية أدى إلى تجميع المعلومات الاستخباراتية وضخها إلى مكاتب القادة السياسيين دونما تحليل يذكر. 

تقول دانكين: لم يتمكن السياسيون من فهم المعلومات ولم يدروا ماذا عساهم يفعلون بها، وبسبب مثل هذه الممارسات لا تتوفر لديك بالضرورة آلية تعمد من خلالها أجهزة الأمن إلى ضبط وتحديث المصادر التي كانت متاحة لديها. 

كانت جنوب أفريقيا تتطلع إلى التغلب على هذه المشكلة من خلال البحث عن أجوبة لدى الأمريكان، ولكن بدلاً من أن تحقق المركزية قدرا أكبر من الكفاءة والفعالية والتنسيق حدث شيء آخر.
تصف دانكين ذلك بأنه "المركزية في غياب الشفافية"، والتي تقول إنها "خطرة جداً" على الناس في جنوب أفريقيا لأنها بدلاً من تحسين الأمن تؤدي إلى العكس من ذلك تماماً. 

المركزية قد تكون السبب في فلتان أجهزة الأمن والاستخبارات الجنوب أفريقية (الجزيرة)

الأمن البشري
اتخذ الجهاز الجديد من مفهوم "الأمن البشري" "عقيدة مرشدة" له. ما تفعله هذه الفلسفة هو أنها تنقل أجهزة الاستخبارات من الرؤية الواسعة للأمن الوطني باتجاه شيء أكثر تركيزاً على الأفراد. ترى دانكين بأن هذه العقيدة "متهافتة من الناحية التحليلية" وأنها بدلاً من تحسين الأمن، فإنها تؤدي إلى استهداف الناس دون وجه حق. 

"إنها تؤدي إلى تمادي أجهزة المخابرات فيما تقوم به من نشاطات وفي بلد لا يزال يسعى لتعزيز الديمقراطية قد يكون ذلك أمراً في غاية الخطورة". 

إذا ما جمعت بين هذه الفلسفة الجديدة والمركزة في غياب الرقابة البرلمانية، فإنك ستنتهي إلى وضع في غاية الخطورة. ولذلك يذهب ماينير إلى القول بأنها حولت جهاز مخابرات جنوب أفريقيا إلى دولة داخل الدولة فوق التدقيق والمساءلة البرلمانية. 

وأضاف: ما رأيته هناك كان تركيزاً للسلطة والنفوذ وأظن أن ذلك من الناحية الديمقراطية يعتبر خطوة إلى الخلف. ولذلك أشعر بالقلق الشديد. 

دولة بوليسية
كان روني كاسريلس شخصاً قيادياً في الجناح العسكري للمؤتمر الوطني الأفريقي أثناء سنوات لجوئه في الخارج، ومن بعد ذلك شغل منصب وزير الاستخبارات لأربعة أعوام حتى عام ٢٠٠٨. واستقال، كما أخبر الجزيرة، "بسبب إشكالات متنوعة"، وهو الآن يتابع "بعين المرارة التطورات والاختلالات الوظيفية" في جهاز أمن الدولة في جنوب أفريقيا، التي بات كثير من عملائها "منغمسين في اللعبة السياسية، وفي نفوذ الطبقة السياسية الذي يكتنف هذه البلاد". 

بعد أن استقال من منصبه حذر كاسريلس زملاءه من أن أجهزة المخابرات باتت خارج السيطرة: قلت لهم، أيها الرفاق أنتم بحاجة لأن تكونوا في غاية الحرص لتجنيب هذه البلاد الانتقال إلى مستوى أعلى من العمل السري لأن ذلك سيؤدي إلى ظهور دولة بوليسية وإلى سوء استخدام السلطة واستغلال النفوذ وسوء استخدام أجهزة المخابرات والأمن. 

"الإشكالات" التي أشار إليها كاسريلس تعود جذورها إلى الفصام الذي كان قائماً بين الرئيس السابق ثابو مبيكي وخليفته جيكوب زوما، الذي كان زميلاً سابقاً لكاسريلس. يقول باري غيلدر عن هذه الخصومات والتنافسات إنها وجدت طريقها إلى داخل أجهزة المخابرات في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، ومنذ ذلك الوقت وهي تعمل ببطء على تفتيت شبكة التجسس التي تعاني أصلاً من الانقسامات. 

يوافق كاسريلس على هذا التحليل ويقول: لقد رأينا الكثير من التغيير في الموظفين في عهد زوما، فكثير من الناس الذين خدموه بإخلاص وولاء جرى فصلهم تعسفياً من وظائفهم، وهؤلاء يحمل كل واحد منهم في يده فأساً يمكن أن يهوي بها جراء سوء المعاملة التي لقيها.

وإحدى الطرق التي يمكن أن تستخدم من خلالها هذه الفؤوس هي إحراج الجهاز وتسريب الأسرار. وبحسب ما تقوله دانكين فإن هذه التسريبات تحدث كل حين والنتيجة هي جهاز أمني مفتت وغير ملتزم. 

يقول صحفيو التحقيقات الذين يتابعون هذه القضايا إنه لم يعد سهلاً من الناحية العملية حصر لأجنحة المتنافسة داخل جهاز أمن الدولة.