تظهر الوثائق أن أجهزة المخابرات في جنوب أفريقيا وإثيوبيا كانت في أزمة وتراودها شكوك بشأن السودان في وقت قيل إن رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي تعرض لمؤامرة اغتيال عام ٢٠١٢.

ويل جوردان

تكشف وثائق استخباراتية سرية سربت إلى وحدة الصحافة الاستقصائية في شبكة الجزيرة إن عملاء مخابرات في أديس أبابا حذروا من وجود مخطط من قبل "دولة لم يذكر اسمها" لقتل دبلوماسي رفيع المستوي في الاتحاد الأفريقي.

اتهم عملاء إثيوبيون السودان بالتورط في خطة لاغتيال نكوسازانا دلاميني زوما رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي التي كانت من قبل تشغل منصب وزيرة خارجية جنوب أفريقيا.

زعم في حينها أن نكوسازانا دلاميني زوما كانت في أكتوبر/تشرين الأول ٢٠١٢، وبعد أيام قليلة فقط من تعيينها، تواجه تهديداً وشيكاً لحياتها في العاصمة الإثيوبية التي تستضيف المقر الرئيسي للاتحاد الأفريقي.

تبين الوثائق أن أجهزة مخابرات جنوب أفريقيا وإثيوبيا لم تكن جاهزة لمثل هذا التهديد والذي وجهت أصابع الاتهام فيه إلى السودان. اعترفت الأجهزة بأنه لم يكن لديها الوقت الكافي "لإحباط العملية" أو لإلقاء القبض على الأشخاص المتورطين فيها.

كما تصف الوثيقة كيف أن الحراس غير المسلحين التابعين للاتحاد الأفريقي "ناموا لأربعة أيام دون أن يقدم لهم أكل ولا ماء" لأن الاتحاد الأفريقي لم يرتب لهم الإقامة ولا الموارد اللازمة لتوفير الطعام".

السودان كان في دائرة الضوء لكن لم تبرز أدلة قاطعة عن تورطه (الجزيرة)

خطر محدق
في الثاني والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول، وبعد أسبوع من استلام زوما لمنصبها كرئيس لمفوضية الاتحاد الأفريقي، تظهر برقيات التجسس أن المقر الرئيسي لمخابرات جنوب أفريقيا تلقى معلومات عن محاولة اغتيال محتملة.

نقلت المعلومة على عجل إلى السفارة في أديس أبابا وفي ذلك المساء قدم سفير جنوب أفريقيا تقريراً للسيدة زوما أخبرها فيه أنه "قد تطرأ بعض التغييرات على ترتيبات الحماية الخاصة بها".

كان السفير يتوقع حدوث هجوم خلال اليومين التاليين.

ثم اتصل مسؤول جهاز مخابرات جنوب أفريقيا في أديس أبابا برئيس مخابرات إثيوبيا وترك له رسالة جاءته على إثرها مكالمة منه بعد ساعة.

قبل العاشرة مساء بقليل جرى إبلاغ رئيس مخابرات إثيوبيا بالتهديد، واتفق الرجلان على تعزيز الحراسات الخاصة بدبلوماسيي جنوب أفريقيا، وفعلاً أرسل أربعة حراس إضافيين في صباح اليوم التالي إلى الفندق الذي كانت تقيم فيها.

اجتماعات أزمة
في اليوم الذي كان من المتوقع أن يقع فيه الهجوم، لم يكن بمقدور كافة الجواسيس سوى أن يراقبوا وينتظروا ويأملوا في أن توفر التعزيزات الأمنية التي أدخلوها الحماية اللازمة لشخص الرئيس.

وفي خضم الأزمة عقد كبار مسؤولي الأمن في جنوب أفريقيا اجتماعاً طارئاً، وردت تفاصيله أيضاً في برقيات التجسس. أخبر القائم بأعمال رئيس الاستخبارات العسكرية في جنوب أفريقيا الجنرال تي نايمبي زملاءه أن "دولة لم تسم" كانت تقف وراء المخطط وحذر من وجود "تحذير آخر أشار أيضاً إلى مخطط محتمل للاغتيال (...) قد يتم تنفيذه في موقع مختلف".

ناقش مسؤولو جنوب أفريقيا الحاجة إلى القيام "بتدخل كامل في إجراءات الأمن والحماية الخاصة برئيسة مفوضية الاتحاد الأفريقي"، ولكن على أن يكون ذلك بشكل دبلوماسي حتى "يتجنبوا إعطاء انطباع بأن جنوب أفريقيا كانت تعرب عن عدم ثقتها بالطريقة التي كان يدار من خلالها أمن رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي" من قبل إثيوبيا.

مر اليوم دون وقوع أي هجوم.

رئيسة مفوضية الاتحاد الإفريقي الجنوب أفريقية خضعت لإجراءات أمنية إضافية ولكن غير مجدية (الجزيرة)

اشتباه
في صباح اليوم التالي، التقى المسؤولون من جنوب أفريقيا بنظرائهم الإثيوبيين الذين أخبروهم لأول مرة بأن السودان هو الذي يشتبه بتورطه في مخطط الاغتيال.

تذكر برقيات التجسس بأن مدير جهاز المخابرات والأمن الوطني في إثيوبيا هاديرا أبيرا قال بأن جهازه دقق في أسماء المخططين وبحث عنها في سجلات "كل نقاط العبور وخاصة تلك المحاذية للسودان".

لم يجدوا تطابقاً، ولا تذكر برقيات التجسس أسماء أي من المتورطين في المخطط.

إلا أن هناك وثيقة سرية أخرى دوّن فيها أن أبيرا وجهة نظر جهازه بأن السودان "ما كان ليقوم بمثل هذه العملية" لأنه "تكبد الغالي والنفيس" بسبب محاولة اغتيال رئيس مصر السابق حسني مبارك.

لا يوجد شرح لكيفية تكبد السودان للغالي والنفيس، إلا أن الدولة فعلاً أشير إلى علاقتها بالهجوم على مبارك الذي وقع في أديس أبابا في عام ١٩٥٥.

النوم في الممرات
طمأن أبيرا المسؤولين من جنوب أفريقيا بأنه "لم يحدث من قبل أن تطور مخطط ما إلى حالة اغتيال دبلوماسي في أديس أبابا سوى المحاولة التي جرت لاغتيال الرئيس المصري السابق حسني مبارك عام ١٩٨٧".

إن المحاولة الوحيدة لاغتيال مبارك والتي وردت بشأنها تقارير كانت هي تلك التي وقعت في عام ١٩٩٥. ليس واضحاً ما إذا أخطأ أبيرا في ذكر التاريخ أم أنه كانت هناك حادثة سابقة لم يتم الإبلاغ عنها جرت فيها محاولة لاغتيال مبارك في عام ١٩٨٧. والحقيقة أن مبارك زار أديس أبابا فعلاً في عام ١٩٩٥ لإجراء محادثات مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات.

طلب أبيرا مزيداً من المساعدة من جنوب أفريقيا بما في ذلك تبادل المعلومات الاستخباراتية المساعدة على إحباط "النشاطات الإرهابية".

ولكن نفس الوثيقة تبين أن مسؤول الأمن في الاتحاد الأفريقي الجنرال إغزيابهر ميبراهتو ناقض ما قدمه أبيرا من تطمينات حول أمن الدبلوماسيين في أديس أبابا، وأعرب عن استيائه من وضع رجاله غير المسلحين الذين باتوا يعانون من "قدرة ضعيفة على توفير الحماية".

كما شرح رجل الأمن من الاتحاد الأفريقي أن سوء الفهم والفوضى التي سادت العلاقة بين جهازه وجهاز المخابرات الإثيوبي، الذي تناط به مهمة توفير الحماية والأمن لرئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، نجم عنها وضع مأساوي "إذ لم يرتب الاتحاد الأفريقي منامات ولا طعام" للحراس.

وحسب ما ورد في إحدى برقيات التجسس: لقد نام الحراس المكلفون بالحماية في الممرات لأربعة أيام بلا طعام ولا ماء، وهذا خلق ثغرة لأنه توجب عليهم الخروج من الفندق لجلب الطعام والماء تاركين الرئيس بلا حماية وعرضة للخطر.

مبارك (يمين) زار أثيوبيا لملاقاة الراحل عرفات (وسط)
(أسوشيتد برس)

الأخطار
هناك وثيقة سرية أخيرة حول أزمة الأمن في أديس أبابا مؤرخة في التاسع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول من نفس العام، وتشتمل على تقييم للتطورات منذ التهديد الذي حدث قبل ذلك بأيام قليلة، وعلى شرح للترتيبات الأمنية التي تقوم بها جنوب أفريقيا في إثيوبيا. تقول البرقية إن البلد لديها "منطقتان آمنتان يمكن أن ينقل إليها مواطنو جنوب أفريقيا في الحالات الطارئة".

كما تظهر البرقية مدى انعدام الاستعدادات لدى أجهزة الأمن سواء في جنوب أفريقيا أو في إثيوبيا في مواجهة التهديد.

اعترف جهاز أمن الدولة في جنوب أفريقيا بأنه لم يكن قادراً على إحباط المخطط، وقال: لم يكن يسمح الوقت المتاح لأجهزة البلد المضيف بإحباط العملية" بالرغم من التعامل مع المعلومات "بأقصى درجات الجدية".

تقول البرقية: تجري المتابعة لإزالة كافة الاحتمالات الممكنة بشأن احتمال تعرض رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي للاغتيال.

وتخلص برقية التجسس السرية إلى أنه "لا يوجد حتى الآن أي معلومات جديدة بشأن من كانوا سينفذون عملية الاغتيال. سيجري رصد تطورات الوضع وسوف يتم التواصل بشكل يومي مع جهاز مخابرات إثيوبيا حول هذا الموضوع".