كان التوجه الهندسي في القدم يعتمد على تصميم المدن بامتداد أفقي، فتتجاور المسكان والمباني حسب مربعات تتميز بأحجام متقاربة وارتفاعات متماثلة، وترتبط بشبكة طرقات عامة، ثم جاءت أزمنة بات فيها انحسار المساحات وارتفاع أثمانها مدعاة للبناء العمودي وأصبحنا نرى أبنية متراصة بأدوار كثيرة تميل إلى الارتفاع.

حلقة (2019/6/5) من برنامج "حياة ذكية" عرضت لكيفية تحول بناء الأبراج العالية إلى الاستخدام السكني أو التجاري، وتحولها لتصبح مثالا للبنية التحتية المتطورة، ومقياسا لمدى حداثة المنطقة وتناسبها مع الحياة العصرية.

فقد كان للعلو في البنيان شغف متأصل عند الإنسان فرأينا قديما الأهرامات في مصر، وأبراج بابل بالعراق، وبرج بيزا المائل بإيطاليا، وبرج إيفيل الفرنسي، وبرج باغودا في الصين، حيث كان العلو في البناء يعلي من شأن الحكم ويسهل تفقد أرجاء المملكة، أما المآذن وأبراج الكنائس فترفع صوت الأذان والأجراس تذكيرا بالصلاة. كما وُجدت الأبراج على شواطئ البحار فكانت تُعرف بالفنار وظل ينبعث من قبابها نور يرشد السفن إلى بر السلام.

أما اليوم فتتسابق الدول في تشييد الأطول والأعلى من الأبراج والأبنية؛ فبرج "شارد" في لندن يبلغ ارتفاعه 350 مترا عن سطح الأرض، لكن برج خليفة بدبي يفوقه في الطول حيث يبلغ 840 مترا، ويأتي برج دبي ليسابق الزمن مع برج جدة، ومن المقرر أن يكون علوهما كيلومتراً، وتسعى طوكيو لبناء البرج الأطول على الإطلاق حيث سيبلغ طوله حوالي 2 كيلومتر.

تاريخ بنائها
يذكر أن أول ناطحة سحاب بنيت في مدينة شيكاغو الأميركية أواخر القرن التاسع عشر، ويقول المؤرخون إنها جاءت كأول نتاج للثورة الهندسية التي أعقبت الحريق الكبير عام 1871، حين شرد مئات الآلف من منازلهم من مواطني شيكاغو.

وقد ساعدت على تقنية البناء الجديدة اكتشافات علمية؛ كان أهمها اكتشاف التيار المتردد الذي قام عليه اختراع المصعد، بالإضافة إلى اختراع الهاتف والتلغراف والآلة الكاتبة، وهو ما جعل من تمركز الشركات المختلفة في بناء واحد أمرا أيسر للعمل وأسرع في الإنتاجية.

وبعد ذلك ظهر الترام وسيارات النقل العامة ومعها ارتبط الناس بمحطات معينة لركوب هذه الوسائل، وكثر اعتمادهم على المجمعات الاستهلاكية لتلبية احتياجاتهم اليومية. ولذا أصبح من المناسب أكثر أن يعيش الناس في مبنى يضم نقاط عملهم، وأصبح الإنسان الحديث يعيش في غابة إسمنتية.

أبراج الخشب
لكن العالم يحاول العودة للطبيعة مجددا؛ ففي عام 2012 ظهرت أول ناطحة سحاب مبنية بالكامل من الخشب في مدينة ملبورن الأسترالية حيث وصل علو المبنى إلى 30 مترا، وبعد عامين لحقت به ناطحة سحاب في بريتش كولومبيا الكندية وبلغ ارتفاعها 55 مترا، وتقوم لندن ببناء ناطحة خشبية يبلغ طولها 350 مترا.

وتمتاز الأخشاب المستخدمة في هذه الناطحات بطبيعة خاصة، حيث يتكون المسطح الخشبي من سبعة ألواح رقيقة متلاصقة، ويبلغ سمك اللوح بعد تصنيعه 50 سنتيمترا، ويقل وزنه عن الألواح الإسمنتية بخمسة أضعاف، وتصل قوة تحمله إلى ثلاثة أضعاف تحمل الخرسانات.

ويساعد سمك الأخشاب في صعوبة اشتعال الحرائق فيها، كما تساعد هذه المباني في الحفاظ على الطاقة الحرارية بصورة أكثر من غيرها، ويعتبر المهندسون أن هذه الأبنية توفر نظاما أكثر فاعلية في ترشيد الطاقة وموازنة استخداماتها، ولكن إنشاء المزيد من هذه الناطحات يعني قطع المزيد من الأشجار التي لا تنمو في وقت قصير.