"الأرض أرضنا والمياه مياهنا ولا قوة يمكنها منعنا من بناء سد النهضة"، هكذا كان الموقف الحاسم وغير المسبوق في لهجة إثيوبيا تجاه مصر. وجاء التصعيد بعد قرار إثيوبي مفاجئ بعدم حضور اجتماع واشنطن أواخر الشهر الماضي تحت ذريعة "إجراء مزيد من المشاورات"، لكن القاهرة اعتبرت الخطوة تعطيلا متعمدا للمفاوضات، ونهجا يدل على سوء نية، وسعيا للهيمنة على نهر النيل.

وقد ناقشت حلقة (2020/3/12) من برنامج "سيناريوهات" العلاقات بين أديس أبابا والقاهرة بعد تجاذبات واتهامات متبادلة بينهما، والسيناريوهات المحتملة لتعثر التوقيع على الاتفاق النهائي حول قواعد ملء سد النهضة وتشغيله. 
 
سيناريو استكمال المفاوضات
أشار الباحث القانوني والسياسي محمود فاروق إلى أن أديس أبابا بصدد تجديد وتنويع شروطها منذ العام 2011، مذكرا بأن آخرها كان اليوم عندما أعلن وزير المياه الإثيوبي عزم بلاده عرض مسودة جديدة بخصوص مراحل ملء وإدارة سد النهضة وطرحها للمناقشة بين دول حوض النيل الأفريقية، مشددا على أن هذا الموضوع بالذات سبق لإثيوبيا أن وافقت عليه.

وقال فاروق إن الولايات المتحدة ستضغط حتى تعود الدول المعنية إلى المفاوضات، مستبعدا أن تترك المجال لأي تدخل روسي في ملف بهذا الحجم.
 
من جانبه، أكد رئيس مكتب مبادرة حوض النيل في إثيوبيا فقيه أحمد أن أديس أبابا تؤمن بضرورة استمرار المفاوضات مع مصر وتسعى لإنجاحها، مضيفا أن لبلاده تحفظات على المفاوضات الأخيرة في واشنطن، من بينها طريقة استدعائها الرسمية، وطبيعة دور الطرف الثالث الأميركي، إضافة إلى سرعة نسق سير المفاوضات إلى درجة عدم توفر وقت لتقييم أهم ما طرح خلالها من قضايا.
 
كما أوضح السفير الأميركي السابق لدى إثيوبيا ديفد شين أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي هو من طلب من نظيره الأميركي دونالد ترامب أن يكون وسيطا في المفاوضات بشأن أزمة سد النهضة بين إثيوبيا ومصر والسودان، مؤكدا أن واشنطن لبت الطلب وعملت على إنجاح المقترح.

وإجابة على السؤال عن إمكانية لعب جنوب أفريقيا أو روسيا دورا أفضل من الولايات المتحدة، قال شين إنه من الناحية النظرية يمكن لأي دولة لعب دور في هذا الشأن، وبإمكان الدول المعنية الثلاث أن تقبل بروسيا وجنوب أفريقيا كمراقبين لسير المفاوضات، مضيفا أن واشنطن بصدد لعب دور غير محدد رغم إيجابية المبادرة.
 
سيناريو التحكيم الدولي
في حالة انتهاك إثيوبيا للمادة الخامسة من الاتفاق المتعلقة بملء السد، توقع فاروق لجوء القاهرة إلى مجلس الأمن لأنه أسرع من محكمة العدل الدولية في تناول الملفات وقراراته ملزمة، مشيرا إلى أن السلطات المصرية لن تتحمل ردة الفعل الشعبية تجاه أزمة خطيرة مثل نقص المياه.

من جهته، استبعد أحمد اللجوء إلى التحكيم الدولي في صورة حدوث أي خلافات حول تأويل اتفاق إعلان المبادئ، مؤكدا أن المفاوضات هي الخيار الأفضل، ومتهما الطرف الثالث الأميركي بتعطيل سيرها عوض حلحلتها.
 
سيناريو الأمر الواقع
وشدد فاروق على أنه إذا اتجهت إثيوبيا نحو ملء سد النهضة دون احترام الاتفاقات، والمضي في أعمال البناء، فلن تقبل القاهرة أبدا بمحاولة أديس أبابا فرض أمر واقع، وأنها قد تجد نفسها -بعد استنفاد جميع المساعي السياسية وأمام خطورة التداعيات الخطيرة لنقص المياه على أمن مصر واقتصادها- مضطرة للذهاب إلى الخيار العسكري، موضحا أن سيناريو الحرب لم تعلن عنه القاهرة رسميا دون أن تنفي إمكانية حدوثه.
 
وفي اتجاه مغاير لرأي فاروق، أكد أحمد أن تشغيل سد النهضة لن يؤثر سلبا على مصر، بل سيخدم مصالح الدول الثلاث، متهما المسؤولين المصريين ببث أخبار غير صحيحة وبعيدة عن الحقائق العلمية من أجل "نشر القلق"، ومذكرا بأن إثيوبيا ستحترم كل الاتفاقات حول مراحل ملء السد وأنه لا مجال "للحل الأسوأ". كما استبعد وقوع أي نزاع مسلح في كل الأحوال "لأن الحرب مشروع لن يستفيد منه أي طرف".