قال خبير السياسات التنموية الوليد آدم مادِبو إن الثورة السودانية انتقلت -بعد مجزرة فض الاعتصام بالخرطوم وما تلاها من أحداث- إلى الجزء الثاني من مسارها وهو مواجهة المجلس العسكري نفسه، متوقعا أن تكون هناك مقاومة مسلحة من المجلس لأن السلاح الآن محصور في كتائب الظل الأمنية والجيش الرسمي وقوات الدعم السريع التي هي امتداد لمليشيا الجنجويد سابقا في دارفور.

وأضاف –في حلقة (2019/6/6) من برنامج "سيناريوهات"- أن انجرار الثوار للمواجهة مع المجلس العسكري "حتمي"، ولكن السؤال هو: هل ستنحصر هذه المواجهة في العاصمة الخرطوم أم ستمتد إلى المناطق الأخرى فتكون المعركة مفتوحة باتساع السودان؟ مشيرا إلى أن ذلك هو ما جعل الاتحاد الأفريقي يتدخل بقرار تعليق عضوية السودان فيه حتى يسلم العسكر السلطة للمدنيين، لخشيته من توسع المعركة الذي قد يفضي إلى تفكك الجيش السوداني.

ورأى مادِبو أن خيار التفاوض مع العسكر الآن "أصبح مستحيلا" لأن حشود الثوار بدأت تأتي من كل نواحي السودان لمقاومة العسكر، واللجنة الأمنية التي كانت مهمتها حماية البشير تبحث الآن عن عدو تبرر به وحشيتها، لافتا إلى أن النظام الآن هو نسخة من نظام البشير و"الإنقاذ 2"، وبدون وجود ظهير عسكري للثورة داخل الجيش يستحيل أن تستطيع الحركة الاحتجاجية إجبار المجلس العسكري على التنحي عن السلطة.

أما المتحدث باسم تجمع المهنيين السودانيين المهندس المنتصر أحمد فقد أكد أن الثوار متمسكون بسلميتهم مهما حصل، لأن أمن السودان جزء من أمن المنطقة كلها وحتى أمن الاتحاد الأوروبي الذي دفعته سابقا الخشية من تدفق اللاجئين للاتفاق مع حميدتي لمنعهم من عبور أراضي السودان مقابل منحه ملايين الدولارات، وهو ما عزز قدرات قوات الدعم السريع التي تتبع لإمرته.

سلمية وحوار مشروط
وأوضح أحمد أن هناك ثلاثة محاور يعمل عليها المجلس العسكري الآن مستغلا قطع الإنترنت؛ وهي: بث الشائعات بإسقاط الثوار لأعمدة الاتصالات والكهرباء، وأمر قوات الجنجويد بترك سلاحهم قرب مناطق الاعتصامات لتشويه صورة المحتجين، وممارسة انتهاكات كثيرة ومهينة لبيوت المواطنين ليستفزوهم بذلك ويدفعوهم للعنف. وقال إن أي مقابلة لعنف العسكر بعنف مماثل ستجرّ البلاد لويلات يريدها العسكر لشرعنة ممارساتهم ضد المواطنين.

وأكد أنه سيتم رفض أي محاولة للتفاوض مع المجلس العسكري ولجنته الأمنية ما لم تتم الاستجابة لمطالب الثوار وهي: محاسبة من أصدر الأوامر للفض الاعتصام بالقوة وإراقة دماء المدنيين، وحلّ المجلس الذي هو امتداد لنظام البشير وتحويله إلى لجنة أمنية تتبع الحكومة المدنية التي ستشكّل، وسحب الجنجويد ومصادرة سلاحها ومحاسبة المجرمين منهم واستيعاب البقية البريئة في مؤسسة الجيش.

ومن جهته؛ وصف أستاذ القانون والعلاقات الدولية في جامعة أديس أبابا الدكتور محمد حبيب قرار الاتحاد الأفريقي بشأن السودان بأنه "مبرر تماما" لأن الاتحاد لديه المبررات القانونية لسحب الشرعية عمن يمارسون العنف ضد المدنيين، كما أن الأحداث الدموية الأخيرة في الخرطوم أظهرت أن العسكر لم يكونوا صادقين مع المحتجين السلميين، وهو ما قد يُفقد هؤلاء الثقة في المؤسسة العسكرية فيلجأ بعضهم إلى خيارات أخرى غير سلمية دفاعا عن النفس.

وذكر حبيب أن الحل التفاوضي كان ممكنا تماما قبل فض الاعتصام وسيظل الحوار هو الخيار الوحيد الذي سينقذ البلاد وديمقراطيتها، مستبعدا أن يذهب المجلس العسكري السوداني لإرساء حكم عسكري في البلاد كما حصل في مصر نظرا لاختلاف ظروف السودان عن مصر، إذ قد يؤدي انتهاج النموذج المصري إلى مواجهة مسلحة في بعض مناطق البلاد لوجود عناصر مسلحة كثيرة وتعددية إقليمية، إضافة إلى احتمال عودة الحرب في دارفور.