شهدت العاصمة السورية دمشق -خلال الأيام الماضية- أول لقاء منذ 2011 بين الرئيس السوري بشار الأسد ورئيس عربي حين زاره الرئيس السوداني عمر البشير. وإثر تلك الخطوة المفاجئة؛ أعلنت أبو ظبي إعادة فتح سفارتها في العاصمة السورية، وكشفت المنامة عن أنها لم تقطع العلاقات مع دمشق أصلا.

وتثير هرولة بعض العرب باتجاه دمشق -بعد نحو ثمانية أعوام من القطيعة المعلنة مع نظامها- تساؤلات بشأن دلالات هذا التحول، وإمكانية إعادة إنتاج نظام الأسد وعودته إلى الجامعة العربية والمجتمع الدولي.

فإلى أين يمكن أن يمضي العرب في تقاربهم مع نظام يبقى مسؤولا عن مقتل وتشريد مئات الآلاف من شعبه، رغم رفعه راية النصر العسكري واستعادته مناطق واسعة وحيوية من المعارضة المسلحة ومن تنظيم الدولة الإسلامية.

حلقة (2019/01/03) من برنامج "سيناريوهات" ناقشت التقارب العربي مع النظام السوري، وتساءلت: هل هو تطبيع شامل أم إن ما يجري خطوات منفردة؟

تخبط عربي
يرى الباحث في العلوم السياسية سلام الكواكبي أن هناك محاولات لإظهار أن الربيع العربي كان ثورات مدمرة للأوطان، ومساعي لإعادة لسوريا للجامعة العربية بعد أن عُلقت عضويتها في نوفمبر/تشرين الثاني 2011، وأنه يوجد شبه إجماع على إعادة النظام السوري للجامعة، وقد نرى مشاركة لسوريا في القمة الاقتصادية المقبلة في بيروت تمهيدا لقمة تونس.

وأضاف أن كل الدول التي قطعت علاقتها مع سوريا لم تقطعها من أجل الشعب السوري، بل من أجل مصالحها الخاصة، وأميركا لم تخرج من سوريا لأن نظام الأسد أصبح قويا بل لأنها ضمنت أن إسرائيل قادرة على الدفاع عن نفسها، بل وقادرة على ضرب الأهداف الإيرانية بدقة دون الحاجة لأميركا.

ويقر أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت عبد الله الشايجي بوجود تخبط عربي على مستوى الجامعة العربية، ويقول إنه لو كان هناك إجماع عربي لوجدنا مشروعا عربيا متكاملا يخدم الجميع، والسؤال هنا هو: ما الذي تغير في الربيع العربي بعد انتهاء موجته الأولى بخيبة كبيرة؟

ويؤكد أن نظام الأسد نجح في استعادة أغلب الأراضي السورية بمساعدة الروس، والتغير الذي نشهده بشكل متسارع يوحي بأن هناك إعادة تفكير في التعامل مع الواقع السوري، خصوصا بعد التذبذب الأميركي بخصوص مدة الانسحاب، وقد تركت أميركا الملعب السوري لروسيا، وتركيا هي المتحكم الرئيسي في قضية الأكراد بعد أن سلمهم لها دونالد ترامب، والصراع القادم سيكون على حصة إعادة إعمار سوريا.

ويرى السفير والمسؤول السابق في الخارجية الأميركية باتريك ثيروس أنه من الواضح أن بشار الأسد قد انتصر في الحرب، والدول الآن ترى أن موقفها صعب ويجب إرجاع العلاقات مع سوريا بقيادة الأسد، وترامب بدأ يشير للجميع بأنه لا يهتم بسوريا لأن تركيزه منصب على القضايا الداخلية للولايات المتحدة.

مساع روسية
ويعتقد ثيروس أن الروس يدفعون الدول العربية لإعادة العلاقات مع سوريا، وهذا لا يُعجب الإسرائيليين بسبب الوجود الكامل والمستمر لإيران في سوريا، وبنيامين نتنياهو يرى أنه تعرض للخيانة من ترامب.

ويشير الكواكبي إلى أن السياسة الإيرانية تدير مصالحها بالمنطقة وفق إستراتيجية متكاملة، وما قامت به القيادات العربية خطوات غير مدروسة بل ومتخبطة، وإيران وروسيا لن تقوما بإعادة إعمار سوريا ولا تستطيعان أن تقوما بذلك، بل قد تستفيدان من الأموال العربية التي ستدفع لإعادة الإعمار، والغرب هو من يتعامل بطريقة واضحة مع الملف السوري وقد لا يعيد العلاقات مع سوريا كما فعل بعض العرب.

أما الشايجي فيعتقد أن الحديث عن عودة العرب لكبح التمدد الإيراني والتركي سذاجة لأن الإيرانيين تفاخروا قبل أربع سنوات بأنهم سيطروا على دمشق، فأي كان العرب حينها؟ أما أن يبرر العرب عودتهم إلى سوريا فهذا عبارة عن ضحك على الذقون، فلو كانوا صادقين لعادوا دفعة واحدة عبر الجامعة العربية وليس بصورة فردية كما يحدث الآن.

ويقول ثيروس إن الواقع يعكس ما يعتقده ترامب الذي لا يخضع إلا لوعوده الانتخابية ومنها سحب القوات من سوريا، فترامب يهتم بمصالحه والحفاظ على قاعدته الشعبية الداخلية، وهو غالبا يقول ما يعتقد أنه صحيح ولا يستند إلى شيء محدد، وقد دفع بالسعودية لإعادة إعمار سوريا دون مباحثات مع الجانب السعودي.

ويؤكد الكواكبي أن هناك حالة من التخبط الإماراتي بدأت بحرب اليمن ثم حصار قطر وأخيرا العودة إلى سوريا، وأن الإعلان الإماراتي عن محاربة إيران مجرد إلهاء للشعوب العربية، التي يجب أن تعلم بأن أكبر تبادل تجاري في المنطقة يتم بين إيران والإمارات.