بين موسكو والعواصم الغربية تاريخ طويل من التوتر والتأزم ما إن تهدأ حدته حتى يعود مجددا ليعكر صفو العلاقات بينهما.. ملفات كثيرة ومعقدة كانت ولازالت وراء هذا التوتر الذي يحول دون تطبيع كامل للعلاقات بين الطرفين.

مؤخرا، طفت إلى السطح أزمة جديدة بين الجانبين، إثر تبادل طرد الدبلوماسيين بين لندن وموسكو وتخفيض مستوى العلاقات بينهما على خلفية تسميم عميل روسي سابق بغاز أعصاب في مدينة ساليزبري البريطانية.

حلقة الخميس (2018/3/22) من برنامج "سيناريوهات" رصدت المسارات المحتملة للأزمة بين بريطانيا وروسيا وإلى أين تتجه؟

وطرحت الحلقة ثلاث سيناريوهات أولها التصعيد المحدود والمحسوب رغم التصريحات النارية وتبادل طرد الدبلوماسيين، والثاني مزيد من الإجراءات العقابية ضد موسكو للضغط عليها أكثر وعزلها دبلوماسيا واقتصاديا، أما السيناريو الأخير فيفترض حدوث حوار جاد بين الطرفين لطي صفحة الخلافات.

وعلى وقع حرب كلامية مستعرة بين لندن وموسكو، تدخل الأزمة بين البلدين أسبوعها الثاني دون أي بوادر في الأفق على قرب انتهائها، ومع أن لندن تحاول حشد حلفائها الأوروبيين والحصول على دعمهم بالإجماع للتنديد بدور موسكو في حادثة التسميم، إلا أنها تواجه بعض المعارضة من دول حريصة على الحفاظ على علاقاتها بالكرملين

أوراق الضغط
حول هذا الموضوع، يقول الدكتور مروان قبلان مدير تحليل السياسات في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات إنها ليست المرة الأولى التي تقوم فيها روسيا باغتيال ضابط سابق في مخابراتها، حيث وقع ذلك عام 2006 في بريطانيا أيضا، ومر مرور الكرام، لكن الفارق هذه المرة أن الأوروبيين منقسمون أكثر، وأوراق الضغط في يد روسيا أكثر، وهي فعالة بشكل أكبر.

وأضاف أن الأوروبيين اليوم منقسمون فيما يتعلق بروسيا، ورغم وجود نوع من التكافل الأوروبي إعلاميا، لكن في حقيقة الأمر هناك تضارب كبير في المصالح، فالدول الأكثر اعتمادا على الغاز الروسي هي الأكثر ترددا في الذهاب أبعد بالتصعيد مع موسكو، خاصة ألمانيا.

ووصف قبلان ما يجري الآن بين روسيا والغرب بأنه يشبه إلى حد كبير أجواء الحرب الباردة مع اختلاف العنصر الأيديولوجي، فروسيا حاولت وتحاول تفكيك الاتحاد الأوروبي خلال السنوات القليلة الماضية عبر دفع الأحزاب اليمينية المتطرفة إلى السلطة في أوروبا، وحققت نتائج كبيرة في دول مثلل فرنسا وألمانيا.

وتابع أن موسكو أيضا تحاول تقويض حلف شمال الأطلسي (الناتو) بشكل أو بآخر فتحاول جذب تركيا (العضو في الحلف) خاصة على المسرح السوري إلى جانبها، وتحاول أيضا أن تزيد الخلافات بينها وبين الولايات المتحدة.

سلاح العقوبات
من جهته، قال الباحث في المجلس الروسي للعلاقات الدولية أندريه اونتيكوف إن بريطانيا تريد إقناع أوروبا بضرورة فرض عقوبات جديدة على روسيا، جنب إلى جنب مع الدور الأميركي القوي جدا الساعي لعزل روسيا، ولكن داخل أوروبا هناك أصوات تقول إنه يجب رفع العقوبات على روسيا.

وأوضح أن هناك خسائر كبيرة داخل أوروبا بشكل عام بعد العقوبات التي فُرضت على روسيا عام 2014، ولذلك فإن أي عقوبات جديدة ليست لصالح روسيا ولكنها أيضا ليست لمصلحة أوروبا، وفي حال فرضت عقوبات جديدة فروسيا سترد بنفس الخطوة.

ويرى أونتيكوف أن الخيار الآن أمام لندن، وروسيا جاهزة للتعاون في التحقيق الخاص بمحاولة الاغتيال، وهي تريد أن تتوجه نحو تطبيع العلاقات مع الغرب لأنها تدرك أن ذلك يخدم مصالحها، لكن المشكلة أن هناك واشنطن التي اعتادت فكرة القطب الواحد ولذلك نشاهد هذا التصعيد المستمر فيي  العلاقات بين روسيا والناتو وواشنطن والاتحاد الأوروبي.

إجراءات لندن
أما الخبير في السياسة الخارجية الأوروبية تشارلز ليشفيلد فرأى في تحركات لندن ردا طبيعيا على ما يبدو أنه استخدام للقوة على أراضيها، ولا سيما أن ما قامت به روسيا لم تقم به دول أخرى، لذلك فإن الروس ينظرون إلى الاتهامات البريطانية على محمل الجد.

وبشأن سقف تصعيد لندن تجاه الأزمة، قال إن الحكومة البريطانية تعرف كيف ستتفاعل روسيا، وهي تحاول أن تبتعد عن الاستفزاز العسكري، وكذلك لديها استجابات كلاسيكية مثل طرد الدبلوماسيين وعدم إرسال أي رياضيين أولمبيين لأولمبياد هذا الصيف، وكذلك يسعون إلى تجميد أصول الروس الذين لديهم حسابات في لندن ومرتبطون بالكرملين.