قدّسه قدماء المصريين واعتبروه سببا لحياتهم ووجودهم، لكن تدفق نهر النيل وفق وتيرته المعتادة منذ زمن بعيد باتت محل شك وتساؤلات لأول مرة في التاريخ.
 
برنامج "للقصة بقية" بتاريخ (2020/2/3) سلط الضوء على أزمة نهر النيل وتراجع منسوب تدفقه، وتساءلت عن التغيرات في الموقف المصري والتفاوض مع إثيوبيا بعد بنائها سد النهضة.
  
وتساءل البرنامج عما إذا كانت إثيوبيا تستهدف التحكم المطلق في مياه النيل كما يخشى المصريون؟ ولماذا طلبت القاهرة وساطة واشنطن وهي الشريك في بناء السد؟ وهل بدأت مؤشرات حرب مياه في الظهور؟
 
واستعرض فيلم "للقصة بقية" تحت عنوان "المصريون والنيل" لمحة تاريخية للانطلاق الرسمي للأزمة بداية التسعينيات، عندما قررت دول المنبع في حوض النيل التفكير في إقامة مشاريع تنموية ستغير قواعد تقاسم مياه النهر، التي مضى على وضعها أكثر من قرن.
 
وتعليقا على هذه النقطة، علق محرر الشؤون الدبلوماسية بالتلفزيون الإثيوبي أمانائيل قبرمده بأن هذه القواعد المفروضة منذ الحقب الاستعمارية لا يمكن العمل بها الآن؛ فاتفاقية عام 1902 وقعت بين بريطانيا وإثيوبيا، والآن مصر والسودان دولتان مستقلتان ولا يمكن اعتبار إثيوبيا منتهكة للاتفاق بتفكيرها في إنشاء سد النهضة.
 
أما مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق عبد الله الأشعل، فاعتبر أن كل المعاهدات السابقة حول تقاسم مياه النيل صحيحة وعادلة وتشكل الحدود بين البلدان أيضا.
 
ثورة يناير والفراغ
وحسب الفيلم، فإن فراغا سياسيا وأمنيا حدث في مصر مع اندلاع ثورة يناير 2011، وبعد خلع الرئيس الأسبق حسني مبارك، وكان المجلس العسكري منشغلا في ترتيب البيت الداخلي، في حين كانت إثيوبيا تضع حجر الأساس لسد النهضة على النيل الأزرق، وفرضت بعد ذلك لجنة فنية لأي مفاوضات دون طرح الحق التاريخي لمصر، رافضة أي إدارة مشتركة للسد.

مرسي ثم السيسي
وذكّر الفيلم بمشروع برنامج الإجماع الوطني المصري حول القضية للرئيس الراحل محمد مرسي عام 2012، الذي لم يتمكن من تطبيقه بسبب الإطاحة به في انقلاب عسكري قاده الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، الذي بدأ رحلة من المفاوضات من دون التوصل لأي اتفاق بشأن مستقبل أمن مصر المائي، أو مشاركة القاهرة في إدارة السد. 
 
مفاجأة التوقيع
في مارس/آذار 2015، وقّع السيسي بشكل مفاجئ وثيقة إعلان المبادئ في الخرطوم مع نظيره السوداني عمر البشير ورئيس الوزراء الإثيوبي آنذاك، وتضمن الإعلان عشرة مبادئ عامة أساسية.

خبراء يحذرون
وفي الوقت نفسه حذر خبراء مصريون في المخابرات وعدد من الوزارات من خطورة التوقيع على اتفاق الخرطوم، واعتبروه إقرارا مصريا بالموافقة على قيام إثيوبيا ببناء السد من دون ضمانات أو التزامات، وأنه سيضعف موقف القاهرة في المفاوضات؛ مما يضع البلاد في مواجهة المجهول.
 
انعكاسات خطيرة
وبعد فترة قصيرة على توقيع الاتفاق، بدأت مصر اتخاذ إجراءات خاصة وقاسية من أجل الحد من تأثير نقص حصتها من مياه النيل على كافة مناحي الحياة في البلاد، فأمرت بتقليل زراعة المحاصيل المستهلكة للمياه، مثل الأرز، وضخت أموالا كبيرة في دراسة مشاريع تدوير مياه الصرف الصحي والزراعي وتحلية مياه البحر.
 
مؤشرات حرب مياه
ولم يبدأ النظام المصري الاعتراف بفشل مفاوضات سد النهضة إلا بعد أربع سنوات، حيث أعلنت القاهرة في أكثر من مناسبة تعثر جولات ما بعد انتهاء الاتفاق على المبادئ، وهو ما مهد لبروز مؤشرات على تطور الوضع إلى ما هو أسوأ، والتلويح بشكل غير مباشر باستخدام القوة المسلحة لحسم ما لم تحسمه طاولة المفاوضات.
 
تدخلات دولية
بعد أن طلب السيسي تدخلات بعض الدول، مثل إسرائيل والإمارات، وفشلت جميعها، لجأ إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب للتوسط بين الدول الثلاث، وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية في 31 يناير/كانون الثاني 2020 التوصل لاتفاق سيتم التوقيع عليه في نهاية فبراير/شباط الجاري، ويتضمن جدولا زمنيا لخطة ملء الخزان، ووقعت مصر منفردة على الوثيقة؛ مما فتح الباب لعدة تساؤلات عن مغزى هذه الخطوة وجدواها للخروج من الأزمة بعد ماراثون مفاوضات استمر سنوات؟