منذ عقد ونيف وإسرائيل لا تكتفي بحصار أكثر من مليونيْ فلسطيني في قطاع غزة الذي جعلت منه أكبر سجن مفتوح في العالم، إذ تأبى على أهله أن يدافعوا عن أنفسهم بما لا يقارن بما تملكه من أعتى الأسلحة الفتاكة التي ترتكب بها عدوانا بعد الآخر عليهم، والعالم ما بين صامت عنها أو داعٍ لضبط النفس أو مبرر لها جرائمها.

وبين ما ترتكب إسرائيل ذلك؛ تروّج ماكينة دعايتها الإعلامية في الغرب لروايتها هي فقط للصراع، وتغيب مشاهد التدمير والقتل والإبادة التي تمارسها على الفلسطينيين. ومع هذا ما زالت هناك بقية من ذوي الضمائر الحية قررت كشف مجازر الاحتلال ومعاناة أهالي غزة.

ومن نماذج جهود تلك القلة فيلم "غزة" لمخرجه ومنتجه الإسباني خوليو بيريز ديل كامبو الذي حاربته إسرائيل في المحافل والمهرجانات العالمية، غير أن رسالته لا مست ضمائر الأحرار ففاز أخيرا مطلع السنة الجارية بجائزة "غويا" الإسبانية للأفلام القصيرة.

حلقة (2019/7/15) من برنامج "للقصة بقية" عرضت فيلم "غزة" الذي يصنف ضمن فئة الأفلام القصيرة، وتساءلت: عن مدى تأثير مثل هذه الأعمال الفنية في دوائر صنع القرار الغربية؟ وكيف يمكن للفلسطينيين توظيف هذه الأعمال التوثيقية في دعم قضيتهم عالميا؟

مواجهة بالحقيقة
وتعليقا على ذلك؛ يقول مخرج الفيلم خوليو بيريز ديل كامبو -بشأن الأسباب التي جعلته ينتجه- إنه بعد العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2014 رأى أن من واجبه أن يزور قطاع غزة، ليقف على حقيقة الوضع فيه ويصوره للعالم تعريفا بالواقع الذي أرادت إسرائيل إخفاءه، فبدأ تنفيذ فكرته رغم المعوقات الإسرائيلية ورغم قساوة ظروف إنجاز فيلم هناك بسبب أوضاع غزة والدمار الشامل، ولكنه وجد "تعاونا جيدا في الإعداد" من أهالي غزة.

وأضاف أن إسرائيل لديها ماكينة إعلامية من أقوى مثيلاتها دوليا ومن الصعب مقاومتها بمقومات ما لدى الفلسطينيين، خاصة أن مثل هذه الأفلام دائما ما تجد محاربة كبيرة وواسعة من إسرائيل وحلفائها في العالم وخاصة في الدول الغربية، إذ رفض كثير من المهرجانات عرض فيلم "غزة" وهددوا كل من يختاره للعرض، مع أن الفيلم لا يعكس الأوضاع سياسيا بل من وجهة نظر حقوق الإنسان التي تنتهكها إسرائيل رغم كونها شريكة للغرب.

وأوضح ديل كامبو أنه رغم ذلك لقي الفيلم رواجا كبيرا ورحب به كل من شاهده، ثم نال مؤخرا جائزة "غويا" التي وصفها بالمهمة لأمرين: الأول هو أصداؤها العالمية التي أعطت للفيلم أكثر من مليون مشاهدة، والثاني أنها منحت الفيلم فرصة مخاطبة العالم بأنه يقف أمام نظام فصل عنصري إسرائيلي حصد الكثير من أرواح الأطفال، وأن على الغرب متابعة وسائل إعلام أخرى غير تلك التي تنحاز لإسرائيل.

تقدم مطرد
أما المحاضر في الدراسات العربية والثقافية في جامعة وستمنستر الدكتور عاطف الشاعر فأكد أن القصص المماثلة لما عرضه فيلم "غزة" لا تحظى بالتغطية في الإعلام الغربي لأن هناك تحكما قويا للوبيات الصهيونية في هذا الإعلام، ولذلك فإن الرواية الإسرائيلية تلقى رواجا ويُمنع ما سواها لأن هذا جزء من المعركة ضد الفلسطينيين، حيث يمنع وصول قصصهم المأساوية للعالم بشكل حقيقي وكامل.

وأكد أن إنتاج أفلام بلغات الغرب أمر مهم لأنها ستكشف للغربيين العاديين أشياء يمكنهم التفاعل معها بصورة عاطفية ومؤيدة لرفع الظلم عن الفلسطينيين، فهي أعمال تصور معاناتهم الواقعية بصورة مفهومة لكل الناس وبعيدة عن الأدلجة، ولذلك فإن إسرائيل ستظل تحارب هذه النوعية من الأفلام الموجهة للرأي العام العالمي والغربي خاصة.

ورأى الشاعر أنه رغم التقصير الموجود فإن هناك "جهدا فلسطينيا عظيما" في مجال إنتاج الأفلام المعرفة بالقضية الفلسطينية في أنحاء مختلفة من أوروبا وأميركا، ولكن المشكلة تكمن في أن الماكينة الإعلامية الإسرائيلية قوية ولها حلفاء أقوياء، وهم يستخدمون القوانين لتدمير كل من يظهر عدالة القضية الفلسطينية، بينما نشهد في المقابل تراجعا في الاهتمام العربي الرسمي بالدفاع عن القضية الفلسطينية.