كيف جمعت إسرائيل مع احتلال الأرض الفلسطينية تبديد إرث أهلها الحضاري وتغيير معالم أرضهم وبنيانها وآثارها؟ ولماذا لم تحم القرارات الدولية ولا التسجيل في اليونسكو التراث الفلسطيني؟ وما السر في أن يتقمص المستعمِـر ثقافة المستعمَـر؟ وإلى أين وصلت الجهود الفلسطينية الرسمية والشعبية في الحفاظ على التراث الفلسطيني وتوثيقه؟

هذه الأسئلة وغيرها ناقشتها حلقة (2019/5/6) من برنامج "للقصة بقية" التي بثت في مقدمتها تقريرا عرضت فيه لمظاهر سرقة إسرائيل للتراث الفلسطيني، بما فيه من معالم أثرية (متاحف ومكتبات ودور عبادة)، وأكلات شعبية (الشكشوكة والكنافة والفلافل والمقلوبة) وأزياء تراثية (الثوب والكوفية الفلسطينيان والزنار المطرز).

وقدم التقرير بعض الإحصائيات المنشورة بشأن هذه القضية التي اهتمت بها الحركة الصهيونية منذ تأسيسها "جمعية أبحاث أرض إسرائيل" عام 1913 للبحث عن الآثار في فلسطين. وتفيد المعلومات بأن إسرائيل سيطرت على المتحف الوطني بُعيد احتلالها للقدس 1967، ودمرت أو غيرت هوية معظم المتاحف والمكتبات الفلسطينية القديمة. كما تم تهريب نحو مليون قطعة أثرية منذ 1967، بينما تتباهى إسرائيل بعرض قطع أثرية فلسطينية في متاحفها.

استلاب ممنهج
وتعليقا على هذا الموضوع؛ قال المؤرخ والباحث وصاحب موسوعة "أطلس فلسطين" سلمان أبو ستة إنه لا توجد في التاريخ أي قوة استعمارية عملت ما فعلته الحركة الصهيونية من استلاب وطمس للتراث والتاريخ الفلسطيني، وذلك لأن هذه الحركة تعيش خارج التاريخ والجغرافيا فتسعى للتعويض عن ذلك بسرقة الأرض ثم العقول واستلاب التاريخ والهوية الفلسطينييْن.

وأضاف أن الإسرائيليين يقولون إن فلسطين "أرض بلا شعب" ليبرروا بذلك احتلالهم لها، لكن الواقع يقول إنهم جاؤوا ليطردوا أهلها من أرضهم ليسكنوها هم، وفي سبيل ذلك اختلقوا فكرة الشعب اليهودي وفكرة أرض إسرائيل اللتين لا وجود لهما. ولذلك فإن إسرائيل تشرعن وجودها بادعاء الأطعمة والأزياء والأماكن الفلسطينية، مشيرا إلى أن هناك 6000 موقع بالضفة تنقب فيها إسرائيل دون وجه قانوني لأنها أماكن محتلة حسب القانون الدولي.

وأكد أبو ستة أن منظمة اليونسكو رفضت طلبات تقدمت بها إسرائيل لتسجيل أماكن فلسطينية بوصفها تراثا يهوديا، مثل قضية "تل القاضي" التي حاولت إسرائيل تسجيلها باسمها وفشلت حين نجح الفلسطينيون في الدفاع عن حقهم فيها، ولكن إسرائيل نجحت في قضية تسجيل "كهوف بيت جبرين". وأرجع سبب ذلك إلى أن الطرف العربي أحيانا لا يقدم دلائل كافية تقنع اليونسكو. كما أن المنظمة ترى أن أثرا معينا واقعا تحت سلطة واقعية لحكومة ما فتقدم دعواها على دعوى الطرف الآخر.

وشدد أبو ستة على أنه يقع على الفلسطينيين والعرب جميعا جهد كبير لتحقيق مزيد من التوثيق للتراث الفلسطيني لتلافي طمسه ومواجهة استلابه حضاريا، وأنه يجب أن يغرس في أذهان الأجيال الشابة التعريف بقضية فلسطين تاريخا وجغرافيا وتراثا شعبيا وأثريا، ومواجهة مساعي إزالة تدريس قضية فلسطين من المناهج العربية، خاصة أن نصف الشعب الفلسطيني وُلدوا بعد اتفاق أوسلو 1993 ولم يتعلموا تاريخهم وجغرافيتهم في المدارس بما يكفي.

مقاومة شاملة
وبدوره؛ أكد الشاعر وأستاذ العلوم السياسية تميم البرغوثي أن المستعمر الصهيوني ليست لديه ثقافة ليقدمها لمجتمعه، ولذلك جمع شعوبا وجاء بهم لفلسطين وطلب منهم تأسيس دولة مع أنهم لم يكن لديهم –على مدى 2000 سنة- ثقافة أو هوية موحدة، لافتا إلى أن إسرائيل هي الوحيدة التي تعطي الهوية على أساس الدين وهي تفرقة عنصرية مدانة، ورغم أن الصهيونية ليست حركة دينية فهي تقوم على أساس ديني وهو تناقض غريب.

وأوضح أن التوراة ليست سندا تاريخيا أو دينيا لاحتلال أراضي الغير، ومع ذلك فهي تقول إنه كانت هناك شعوب قبل اليهود في فلسطين وقد تحارب الجميع على أرضها؛ فما الذي يجعل أحفاد اليهود هم أصحاب الأرض؟ وهل الحق يثبت بالتقادم أم يسقط به؟ وبالمنطقين فإن الفلسطينيين أولى من الصهاينة بأرضهم، والتراث اليهودي ينتمي اليوم لسكان فلسطين من العرب أكثر من انتمائه لليهود المستجلبين من الآفاق.

ووصف البرغوثي إسرائيل بأنها مشروع استعماري صهيوني ملفق، وإعادة لإنتاج الحركات القومية العنصرية الأوروبية، ونتاج للتشنج القومي الأوروبي المتعالي على الأعراق الأخرى الذي ظهر بأوروبا خلال القرن العشرين، وتقدِّم الصهيونية ذلك كله في لغة توراتية دينية لا تمت للتوراة بصلة.

وطالب البرغوثي العرب والفلسطينيين بالتركيز على أمرين: الأول هو المقاومة العسكرية التي قال إنها هي السبيل الوحيد للتحرير ونشر ثقافتها ودعمها؛ والثاني هو المقاومة الثقافية داعيا مثلا إلى أن تلبس العروس الفلسطينية أزياء شعبها التقليدية بدلا من الأزياء الغربية، ونشر التراث الفلسطيني في العالم. كما طال بأن تُربى الأجيال على رفض بيع الأرض الفلسطينية بأي شكل أو الموافقة لأي سلطة فلسطينية على التنازل عنها للمحتلين.