لماذا تحرم أنظمة عربية اللاجئين من مواطنيها من حقهم في الحصول على أوراقهم الثبوتية؟ وما هو التكييف القانوني لأوضاع هؤلاء اللاجئين؟ وكيف يدبرون أمورهم ويعيشون حياتهم في المنافي؟ وما إمكانية توفير حماية دولية لهم في مناطق لجوئهم؟ ومن يطبق بنود المواثيق الدولية التي تحميهم وتكفل مصلحتهم؟

هذه الأسئلة وغيرها ناقشتها حلقة (2019/5/27) من برنامج "للقصة بقية" التي فتحت ملف قضية معاناة اللاجئين العرب في المنافي جراء انعدام أو انتهاء صلاحية أوراقهم الثبوتية (مثل الجوازات والشهادات العلمية ووثائق الميلاد والزواج والطلاق)، ومنع سفارات وقنصليات بلدانهم توفيرها أو تجديدها لمجرد أنهم نشطاء معارضون، سواء أكانوا أفرادا عاديين أم شخصيات بارزة: علماء ومثقفين وفنانين وقادة أحزاب سياسية ومسؤولين سابقا في مؤسسات دولية مرموقة.

وقد أجرى البرنامج مقابلات مع لاجئين عرب رووا فيها حكايات معاناتهم في المنافي التي هربوا إليها طلبا للأمان من ملاحقة أنظمة بلادهم والتهديد بالتصفية أو الاعتقال، لكنهم وجدوا في منافيهم الجديدة أن عليهم خوض مواجهة من نوع آخر مع هذه الأنظمة التي شنت عليهم "حرب الوثائق"، التي صارت وسيلة ابتزاز وبطش من هذه الأنظمة للمعارضين وتحدد أحقيتهم بها التقارير الأمنية، فأصبحوا محرومين من حقوقهم في استخراج وثائق رسمية تتيح لهم ولأبنائهم السفر والدراسة والعمل في أماكن اللجوء.

انتهاك خطير
وتعليقا على هذا الموضوع؛ قال زعيم حزب غد الثورة المصري أيمن نور إن استخدام سلاح حرمان الإنسان من وثائق تعبّر عن هويته ووطنه وجنسيته خرق كبير لحقوق الإنسان الأساسية التي تتضمنها المواثيق الدولية، كما أنه انتهاك خطير لمقتضيات المواطنة التي تضمنها الدساتير الوطنية.

وأضاف أنه شخصيا يعاني من تعطل حقوقه في العودة لوطنه والتنقل ورعاية مصالحه، بسبب حرمانه من تجديد جوازه المصري الذي انتهى عام 2013، وحين رفع في 2014 دعوى قضائية ضد وزارتيْ الخارجية والداخلية المصريتين كسبها لصالحه لكن النظام رفض تنفيذ الحكم بتجديد جوازه، وذلك بحجج تستند إلى مواد قانونية لم تعد موجودة بعد أن ألغتها المحكمة الدستورية المصرية.

وأوضح نور أن النظام المصري يريد إجبار المعارضين في الخارج من أمثاله على طلب التجنيس الأجنبي أو تقديم طلبات لجوء سياسي في البلدان التي تؤويهم، ولكنهم لن يفعلوا ذلك لأنه أمر يمس كرامتهم، مؤكدا أنهم لا يريدون "جواز سفر" بل "وثاق سفر" لتسهيل التنقل والحياة، لأنهم "منفيون" لا يستطيعون الرجوع إلى أوطانهم ولا العيش بسلاسة في الخارج لأن الحياة بلا أوراق ثبوتية في منتهى الصعوبة.

وانتقد الأنظمة الأوروبية التي تشكو من قدوم اللاجئين إلى بلدانها وتنسى أن مساندتها للأنظمة المستبدة هي التي تفتح عليها أبواب الهجرة، واتهم فرنسا تحديدا بالتنكر لقيمها الليبرالية التي تحمي حقوق الإنسان والحريات بمساندتها للأنظمة العربية القمعية مقابل صفقات مالية، مشيرا إلى أن مسألة اللاجئين قضية أخلاقية وليست سياسية ولا قانونية، وبالتالي فكل الأحرار الأوروبيين عليهم مواجهة انتهاك أنظمتهم للقيم التي قامت عليها بلادهم.

صعوبات جمة
ومن جهتها؛ رأت مارين دو هاس -المتخصصة في شؤون الهجرة بأوروبا في جمعية لاسيماد- أن هناك تفاوتا كبيرا في أوروبا بين تصريحات المسؤولين الشاكية من كثرة من يطلبون اللجوء والواقع الفعلي الذي يقول إن أوروبا لا تستقبل إلا عددا ضئيلا من لاجئي العالم، بينما يقع العب الأكبر على الدول المجاورة للأزمات.

وأكدت أن هؤلاء اللاجئين يعانون صعوبات جمة للوصول إلى حياة طبيعية وفي سبيل الحصول على الأوراق اللازمة من سلطات بلدان اللجوء الأوروبية، وأما الأشخاص الذين لا ينالون هذه الأوراق فإنهم يضطرون للعمل بطريقة غير شرعية وما يفرضه ذلك من العيش في الخفاء فتتضاعف عليهم المعاناة.

وشددت على أهمية أن يعطى اللاجئ أوراقا ثبوتية لأن هذه الوثاق تتيح له مجموعة من حقوق الإنسان الأساسية من بينها حق البقاء وحق المغادرة وحق الحماية. ومع أن القيم الأوروبية تمنح اللاجئ هذه الحقوق لأن الدول الأوروبية وقعت على وثيقة جنيف بشأن اللاجئين؛ فإن الأحزاب الشعبوية تستخدم الهجرة فزاعة لتخويف الشعوب الأوروبية من اللاجئين.

وأشارت إلى أن الأمم المتحدة يمكنها الاضطلاع بدور في هذه القضية ولكنه سيظل "دورا متواضعا"، وذلك عبر الضغط على الحكومات للقيام بدورها في توفير هذه الأوراق الثبوتية لمواطنيها، كما أن مفوضية اللاجئين الأممية عليها أن تطلب من حكومات بلدان اللجوء استقبال أعداد أكبر من اللاجئين لتفادي إجبارهم على السير في مسلك خطير يهدد أرواحهم، خاصة أن عشرين ألف شخص ماتوا في سبيل الوصول لأوروبا.