من باب "ما أريكم إلا ما أرى"، تمضي دول عربية بأجهزتها الأمنية في كتابة محتوى الدراما العربية لضمان توجيه الرأي العام وفق سياساتها الخاصة، فهل تعكس هذه الأعمال حقيقة واقع المشاهد العربي؟ وإلى أي مدى تلقى قبولا لديه؟ وما البديل في ظل السيطرة على الإنتاج ومنصات العرض؟ وكيف عاثت السياسة فسادا في الدراما العربية؟

هذه الأسئلة وغيرها ناقشتها حلقة (2019/5/20) من برنامج "للقصة بقية" التي بثت في مقدمتها تقريرا عرضت فيه انتقاد وسائل إعلام غربية -نيويرك تايمز الأمريكية والتايمز البريطانية- لسيطرة المخابرات المصرية على إنتاج المسلسلات الدرامية من خلال شركة "سينرجي" الخاضعة لمجموعة إعلام المصريين.

وتابع التقرير الأهمية التي توليها الأنظمة السياسية للدراما، إدراكا منها لقدرتها التأثيرية ومساهمتها في غرس القيم وتعزيزها، وزاد الاهتمام بها بعد الربيع العربي باعتبارها أداة للترويج السياسي، كما أضحت توظف في التناحر السياسي الحاصل في الدول العربية.

فضلا عن أهميتها الاقتصادية والثقافية، تتميز الدراما العربية بقدرتها على بث رسائل سياسية مشفرة وتوجيه الرأي العام، مما دفع الأنظمة السياسية إلى ربط شركات الإنتاج الدرامي بمنصات العرض التلفزيونية لإحكام السيطرة والمراقبة على محتوى المسلسلات.

القوة الناعمة
وتعليقا على هذا الموضوع، قال الفنان المصري هشام عبد الحميد إن الرقابة كانت مفروضة منذ القدم على المجال الفني، مشيرا إلى أنه في عهد الرئيس المعزول حسني مبارك كان التوجه العام يحيد عن انتقاد المجتمع ومعالجة القضايا بشكل يدعو إلى التغيير.

وذهب عبد الحميد إلى أن السلطة السياسية -في المرحلة الحالية- تقوم بدور المنتج والمخرج والرقابة والعرض، وتحكم قبضتها على سيرورة الإنتاج الدرامي.

ورأى أنه طالما كان التشديد مفروضا على التابوهات الثلاثة "الدين والجنس والسياسة "، إلا أن التحكم في فكر السينما اعتبره "الكارثة الأكبر" -حسب وصفه- التي تعاني منها مصر، فكثرة القيود أدت من وجهة نظره إلى تدهور مستوى الأعمال الفنية المصرية.

أما عن البدائل المتاحة أمام الجمهور، فاستبعد عبد الحميد وجود منافس حقيقي في ظل سيطرة الأجهزة الأمنية على الإعلام ومجالي الفن والثقافة.

في المقابل، اعتبر أن مسلسل "شتاء 2016" -أول عمل درامي مصري يصور في تركيا- يعد بداية لدراما تلفزيونية بديلة تطرح نفسها بكثير من الطموح لمواجهة الدراما المنتقدة.

ولفت إلى أن العقلية المراقبة للإبداع تغفل أن العالم يعيش في عصر ما سماها "السماوات المفتوحة" الذي ينصهر فيه الستار الحديدي، مشيرا إلى أن القوة الناعمة من شأنها أن تصل إلى الجمهور وتحرك وعي الناس وتساعدهم على اتخاذ مواقفهم الخاصة.

استعمار طموحات المواطن
من جهته، ذهب الفنان القطري غانم السليطي إلى وجود غربة وفجوة شاسعة بين طموحات المشاهد وما تقدمه الشاشة العربية.

واعتبر أن الثورات المضادة بعد الربيع العربي تسعى إلى "استعمار" مشاعر المواطن و"احتلال" آفاقه وطموحاته.

واستنكر السليطي الرقابة الصارمة التي تفرضها المخابرات على الأعمال الدرامية، وتحكم العسكر في محتوى الإنتاج، معتبرا أن السلطة السياسية تمرر حقائق مزورة تتعارض مع الرسالة السامية للفن، والمتمثلة في إظهار الحقيقة وتنوير الرأي العام، مشيرا إلى أنه يُفترض أن تكون الموضوعات السياسية مجالا دسما للمعالجة والنقد.

ورأى أن الأعمال الدرامية لم ترتق بعد إلى مستوى العمل الفني، واعتبرها مجرد دعاية لأن السلطة السياسية تحتكر موضوعات المحتوى، وقال إن الفن يسير كما قدر له أن يكون، كما حمّل بعض الفنانين مسؤولية موافقتهم على السير وفق ما ترسمه لهم الأنظمة السياسية.

وأضاف السليطي أن هامش الحرية يختلف من بلد لآخر، وذكر تجربة قطر من خلال "ملتقى الكتاب الدراميين العرب" الذي يسعى إلى خلق واقع درامي عربي مختلف عما هو موجود، معتبرا أن البديل هو المكان الذي يجد فيه الفنان نفسه متحررا من كل القيود الخارجية التي تسعى إلى تغيير مسار أفكاره وإبداعه، فالفن يتطور بالحرية، وغياب هذه الأخيرة قتل للإبداع.

وأظهر استفتاء أجرته الجزيرة على منصات التواصل الاجتماعي أن 86% من المشاركين رأوا أن الدراما العربية خادمة للحكام، بينما ذهب 14% منهم إلى أنها تعكس نبض الشعوب.