لماذا أصبحت أمة البلاغة والبيان يكاد يحرم عليها الكلِم والقلم إلا فيما يرضي السلطات؟ وكيف يتعرض عشرات الصحفيين للإخفاء القسري والاعتقال والتعذيب والقتل وتـُفرض قيود مشددة على الصحف والمواقع ووسائل التواصل في العالم العربي؟ ومتى يتحرر الصحفي العربي من الحصار ويأمن من التهديد؟ وهل من نهاية لقيود كبّلته وطال انتظار أن تكسر؟

هذه الأسئلة وغيرها ناقشتها حلقة (2019/4/29) من برنامج "للقصة بقية" التي بثت في مقدمتها تقريرا عرضت فيه نماذج من تصفية الصحفيين العرب، وتناولت الإحصائيات المنشورة بشأن ظاهرة استهداف الصحفيين –خاصة في العالم العربي- بالاعتقال والتعذيب والقتل، وتزايد الكراهية لوسائل الإعلام في خطابات كبار المسؤولين السياسيين في الدول الغربية؛ وقدمت في هذا الصدد نتائج تقارير لمنظمات دولية مهتمة بحماية الصحفيين وحرية الصحافة.

أمن العقاب
وتعليقا على هذا الموضوع؛ قال الصحفي والحقوقي السوري مازن درويش –الذي سبق أن عاش تجربة الاعتقال في سجون النظام السوري- إن الإفلات من العقاب هو الذي يسمح باستمرار الانتهاكات بحق الصحفيين وقمع حرية الصحافة في الدول العربية بشكل تصاعدي؛ فالحكومات المستبدة ما دامت تعرف أن استهداف الصحفيين لن يعاقَب مرتكبوه فإنها ستستمر في ممارساتها تلك.

وأضاف درويش أنه لا بد من وجود آليات دولية لمواجهة هذه الانتهاكات وعدم الاكتفاء بتهديد فاعليها أو التنديد بأفعالهم، مشيرا إلى أن الوقت تأخر كثيرا على إنشاء محكمة دولية تتولى النظر في هذه الانتهاكات وتعاقب أصحابها لحماية الصحفيين وحرية الصحافة. وأشار إلى أن الاختصاص القضائي العالمي في العديد من الدول الغربية قد يكون أداة بديلة للقضاء المحلي في معالجة هذه الظاهرة.

ورأى أن "منظومة العالم الحر" التي تحمي الحريات العامة متراجعة في الغرب، إذ بدأ السياسيون هناك –وحتى الشعوب أحيانا- ينسون كلفة الاستبداد والإعلام الموجَّه؛ وهو ما أدى إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يغض النظر عن جريمة اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي لأنه يريد الحصول على مليارات الدولارات من السعودية، وكذلك الرئيس الفرنس إيمانويل ماكرون الذي يصمت عن الانتهاكات الحقوقية في مصر بسبب المصالح الاقتصادية مع نظام السيسي.

وأكد أن مما يزيد الوضع سوءا هو أن الحكومات الغربية صارت تقبل بمنظومة الاستبداد في البلدان العربية لأن "الاستقرار أهم من الديمقراطية" لديها، وذلك بسبب مخاوف الهجرة واللجوء. وهو ما تلتقطه الأنظمة العربية فتزيد جرعة الانتهاكات والتضييق على الحريات لأنها تعرف أن الغرب أصبح يتغاضى عن ذلك -إن لم يشجع عليه- بدعوى مواجهة التطرف والإرهاب، وهو ما يجعله متواطئا مع الأنظمة العربية في هذه الانتهاكات. ولكن النتيجة هي السماح بالدكتاتوريات دون معالجة الاستبداد الذي يؤدي للهجرة عن الأوطان.

ظاهرة مقلقة
أما المديرة التنفيذي للمعهد الدولي للصحفيين بربارة تريونفي فرأت أن جريمة اغتيال خاشقجي شكلت صدمة للعالم، لا من حيث وحشية الجريمة بل لأنها كسرت محرمات كثيرة في العالم مما أثر على الجميع في أوروبا وأميركا الشمالية، وأطلقت موجة عارمة ضد استهداف الصحفيين وللمطالبة بمساءلة مستهدفيهم ومعاقبتهم، ولذلك فإن مقتله ولّد "العاصفة المثالية" في هذا الصدد فكانت الإدانة العالمية الكبيرة لما جرى.

وأفادت تريونفي بأن معهدها سجل تزايدا في الاغتيالات خلال عام 2018، إذ وثق حصول 79 عملية قتل منها 65 حالة مقصودة. كما سجلوا زيادة في سجن الصحفيين واعتقالهم، ورصدوا فرض السلطات المصرية قيودا كثيرة على الإعلاميين الذين يوجد منهم في سجونها عدد يتراوح بين 25 و100 صحفي، ولم تتوفر لهم أي محاكمة عادلة في الوقت الذي يشكل فيه غياب النظام القضائي العادل تحديا كبيرا للصحفيين في البلاد.

ولفتت إلى وجود "ظاهرة مقلقة جدا" وهي أنه على المستوى الدولي صار هناك قبول للانتهاكات المرتكبة بحق الصحافة، مؤكدة أن "هذه مشكلة جسيمة وغير مبررة" لأن العالم ينظر لأوروبا وأميركا بوصفهما منارة للديمقراطية، لكن في أميركا يوجد قادة سياسيون -في صدارتهم الرئيس ترامب- يصفون الصحافة بأنها "أعداء الشعب"، وهم بذلك ينشرون خطاب الكراهية الصحافة بين الناس ويساعدهم في ذلك "الذباب الإلكتروني"، ويكون من نتائج هذه الممارسات تزايد الاعتداء على الصحفيين.

وأكدت تريونفي أن المنظمات الحقوقية تعمل على مكافحة الإفلات من العقاب وتسعى لضمان معاقبة من يستهدفون الصحفيين، ولكن لا بد من توفر الإرادة السياسية لدى المنظومة الدولية لنجاح هذا الأمر، كما أن مشكلة الإفلات تحتاج منظمات محلية مثل الصحافة الحرة والمجتمع المدني والقضاء المستقل، وهذا كله مدمَّر في كثير من الدول العربية. هذا إضافة إلى أن هناك رغبة لدى الأنظمة الغربية في عدم الضغط على الدول المنتهكة لحقوق الصحفيين، ونتيجة لذلك كله فإنه يستحيل إنفاذ القانون بعدالة.