من يقف وراء تنامي ظاهرة العداء للمسلمين العابرة للقارات من أميركا وصولا لنيوزيلاندا؟ وما دور الإعلام في تغذيتها وكيف شجع وتستر على تنامي تيار العنصرية ضد المسلمين؟ وإلى أين يمكن أن تقود هذه الظاهرة مجتمعات قائمة على التنوع والتعدد؟ وهل الديمقراطيات الغربية قادرة على مواجهة تيارات أقصى اليمين؟ وما مسؤولية المسلمين في مواجهتها؟

هذه الأسئلة وغيرها ناقشتها حلقة (2019/4/1) من برنامج "للقصة بقية" التي بثت في مقدمتها تقريرا تناولت فيه الإحصائيات المنشورة بشأن ظاهرة الإسلاموفوبيا، وتزايد استهداف المسلمين إعلاميا وجسديا في منازلهم ومساجدهم ومراكزهم الثقافية، مسلطة الضوء على نموذج لذلك الاستهداف هو قصة الهجوم على قرية "إسلامبيرغ" بمقاطعة ديلاوير الأميركية، الذي خططت له عام 2017 جماعة من البيض الأميركيين بقيادة القس روبرت دوغارت، وكان هدفهم منه "قتل جميع سكان القرية باستثناء الأطفال".

وأجرى التقرير مقابلات مع رئيس "منظمة مسلمي أميركا" التي يقع مقرها في "إسلامبيرغ" وبعض سكان هذه القرية، رووا فيها قصص الرعب الذي اجتاحهم حين سمعوا بأنباء الهجوم الذي كان مخططا له على قريتهم الوادعة، واستياءهم من تجاهل كافة وسائل الإعلام الأميركي لهذه الحادثة وكونهم "ضحايا للإرهاب الأبيض".

كما استعرض التقرير نماذج من تحريض الإعلام الأميركي على المسلمين، واعتباره "إسلامبيرغ" منطقة "مغلقة ومحظورة لتدريب الإرهابيين"، رغم أن سلطات إنفاذ القانون الأميركية قالت إنه ليس في القرية ما يُقلق. وتطرق لما تضمنته تقارير بشأن تنفيذ 260 جريمة كراهية ضد المسلمين بأميركا عام 2016، وكونهم الأكثر عرضة للتمييز ويليهم اليهود.

ازدواجية المعايير
وتعليقا على هذا الموضوع؛ قال ديفد فيلكس –وهو منتج أفلام وثائقية وحائز لجائزة "إيمي"- إنه أنتج فيلم "الرعب الأبيض" عن قصة الهجوم الذي كان مخططا له على إسلامبيرغ لأنه شعر –هو ومعدّ الفيلم- بأن هناك قصة يجب أن تُروى، خاصة أن سكان القرية أرادوا أن يسمعوا أصواتهم عالية بعد أن تجاهلها الإعلام الأميركي، ولأن المواطن الأميركي العادي والعالم ككل يجب أن يعلم بما تواجهه الجاليات والأقليات من ظلم وتهديد.

وأضاف فيلكس أن العدالة تطبق بقسوة على متشددي المسلمين أكثر من متشددي البيض، كما أن الإعلام الأميركي مستمر في ممارسته للنفاق وازدواجية المعايير العنصرية. ولفت إلى أن تغطية هجمات المتشددين المسلمين تنقل 150 مرة أكثر من تلك التي ينفذها متشددو البيض، ورغم أن هجماتهم تتم بدوافع أيديولوجية فإنها لا توصم بالإرهاب في وسائل الإعلام التي يتحكم فيها البيض تحريريا وإداريا، مع أنهم يشكلون فقط 33% من سكان أميركا.

وأما مخلوف مامش مستشار رئيس فدرالية مسلمي فرنسا فأكد أن الحادث الذي كانت ستتعرض له إسلامبيرغ من الممكن أن يحدث في فرنسا أو أي دولة أوروبية أخرى توجد فيها تيارات اليمين المتطرف لأن خلايا هذا التيار تتشابه حيثما وُجدت؛ ففي فرنسا مثلا توجد خلية "جيل الهوية" التي احتل منتسبون إليها مسجدا في مدينة بواتيه، وكذلك الأمر في ألمانيا وبلجيكا وهولندا حيث أصبحت الأحزاب اليمينية تضمّن برامجها الانتخابية الخلط بين الإسلام والحالة الأمنية والوضع الاقتصادي في البلاد.

روافد الظاهرة
وأوضح مامش أن الأمر الصادم للجاليات المسلمة هناك هو تجاهل الحكومات الأوروبية لأنشطة هذه التيارات اليمينية المتطرفة وطريقة تعاطي الإعلام معها؛ مؤكدا حاجة فرنسا إلى "ترسانة قانونية كبيرة للحد من هذا الخطر العنصري"، لأنه حتى الآن لا يوجد قانون صريح يجرم الإسلاموفوبيا تحديدا، رغم أن 70% من هجمات تياراتها تستهدف النساء المسلمات وخاصة المحجبات. وطالب السلطات الفرنسية بالبحث عن خلايا اليمين المتطرف النائمة كما تبحث عن نظيرتها بين المتشددين المسلمين.

وبدوره؛ يرى روبرت ماكينزي –وهو مستشار سابق للخارجية الأميركية لشؤون العالم الإسلامي- أن في أميركا أمرين مهمين يتعلقان بظاهرة الإسلاموفوبيا، وهما: الإعلام التقليدي وتأجيجه للكراهية ضد المسلمين، وبعض الساسة المترشحين الذين يشعلون نار العنصرية لكسب أصوات البيض في الانتخابات. هذا إضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي تلعب دورا كبيرا في انتشار الكراهية ضد المسلمين بدافع سوء الفهم والتصورات الخاطئة عنهم.

وأكد ماكينزي أن هناك مئات الملايين من الدولارات تقدَّم لعشرات الجمعيات اليمينية المتطرفة وتنفق على التأثير في المسؤولين المحليين لتحريضهم ضد المسلمين، كما تتم استثارة خوف الجميع بالقول إن المسلمين يخططون دائما لأعمال إرهابية ضد الأميركيين. ولكنه أشار إلى أنه كان من نتائج تصاعد الإسلاموفوبيا أن أكثر من مئة مسلم ترشحوا لمناصب عامة، وفازت سيدتان مسلمتان بمقعدين في الكونغرس لأول مرة.