إلى متى يمكن أن يستمر الحراك الشعبي الدائر في السودان؟ وما أفق الداعين إليه؟ وما مدى قدرة الأحزاب القديمة على دعم مطالبه؟ وكيف سيتم الحوار الوطني الذي تسعى الحكومة لتنظيمه في ظل فرض حالة الطوارئ وتعيين عسكريين في حكم الولايات؟ وهل السودانيون الآن أما مشهد ثورتيْ 1964 و1985.. أم مشهد احتجاجات 2011 التي اندلعت ثم توقفت وبقي النظام في مكانه؟

هذه الأسئلة وغيرها ناقشتها حلقة (2019/3/18) من برنامج "للقصة بقية" التي تناولت موضوع الاحتجاجات المستمرة في السودان، ومطالبة المتظاهرين –عبر رفعهم شعار "تسقط بس"- برحيل نظام الرئيس عمر البشير الذي وصل إلى السلطة بانقلاب عسكري على حكومة منتخبة عام 1989.

وقد بثت الحلقة في مقدمتها تقريرا رصدت فيه الأسباب التي أدت إلى اندلاع هذه الاحتجاجات في ديسمبر/كانون الأول 2018، وكان أبرزها الأزمة الاقتصادية في البلاد بما تشمله من ندرة الدقيق والوقود والارتفاع الحاد للأسعار، ثم سرعان ما اتخذت الاحتجاجات طابعا سياسيا بمطالبة منظميها بتنحي الرئيس البشير، قائلين إن النظام أخفق على مدار ثلاثة عقود في إدارة دواليب الاقتصاد والسياسة وتوفير الخبز والوقود والنقود، واتهموه بعسكرة البلاد بقرارات الطوارئ وتعيين الولاة العسكريين.

وفي المقابل؛ ترى الحكومة السودانية وقادة الجيش والأجهزة الأمنية أن هذه المظاهرات خرجت عن قانونيتها، مؤكدين أنه لا توجد أزمة بين النظام والمواطن بل مع الأحزاب التي رفضت الحوار الوطني. وجدد النظام حديثه عن عزمه تنظيم حوار وطني جامع لداعمي النظام وكل المعارضين الراغبين في دخوله، مشددا على أن الجميع مطالب بالحفاظ على استقرار البلاد وتماسكها.

شعار إعلامي
وتعليقا على هذا الموضوع؛ قال وزير الإعلام السودان حسن إسماعيل –الذي استضافته الحلقة- إن شعار "تسقط بس" سقف غير موضوعي وهو شعار إعلامي سياسي، لأن الصراع السياسي في السودان تغذيه وتديره نخب معارضة لديها سجل تاريخي من الفشل، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن الحوار مع المعارضة مطلوب وإذا قدمت رؤية موضوعية للإصلاح فإنها لن تكون مرفوضة.

وأضاف أن الحكومة تفرد مساحة للحوار مع المجموعات الشبابية عبر "الجمعية العمومية للحوار"، وتتواصل مع المعارضين في الداخل والخارج لقناعتها بأهمية الحوار، كاشفا عن لقاءات حصلت مع "رموز معارضة" وسعي لتفعيل الحوار عبر منبريْ أديس أبابا والدوحة، مؤكدا أن الحوار هو السبيل الوحيد لحل الأزمة والبديل عنه سيكون الاحتراب الذي سيمزق البلاد.

وأوضح إسماعيل أن الحكومة هي التي تملك المرونة السياسية والدليل على ذلك تقديمها عدة خطوات لتهيئة المسرح السياسي، بينما تقابل المعارضة ذلك بتكرار مقولة إنه لا حوار مجديا مع النظام. ووصف المطالبة برحيل النظام بأنها مجرد شعار وليس وراءها ما يصلح البلاد ويحل أزماتها، محذرا من الوقوع في أخطاء كبيرة إن أعادت المعارضة تاريخ الإقصاء السياسي في البلاد.

رحيل محتوم
أما المحلل السياسي السوداني فيصل محمد صالح فقد قال إن الحراك الشعبي متمسك بمطالبه وهو مستعد للاستمرار شهورا أخرى، وإذا انتهى فإنه لن ينتهي بما يريده النظام الذي لا بد أن يرحل. واتهم الأمن السوداني بأنه مارس عنفا منهجيا ضد المتظاهرين في أنحاء البلاد رغم سلمية حراكهم. وأضاف أن الحكومة تعرف الجسم السياسي الذي يقود الحراك لأنها تسجن قياداته وحوارها معهم في السجون أمر مرفوض.

وأكد أن شعار يسقط النظام ليس شعارا إعلاميا كما تقول الحكومة، بل هو صناعة شعبية ويعبر عن رغبة وإرادة الجماهير السودانية التي ترفض محاورة النظام، لأنها جربته واقتنعت بأن رأس الفساد وسبب الإشكالات كلها في الدولة هو وجود هذا النظام، ولن تجدي في بقائه كل الدعوات المعلنة للحوار في ظل الظروف الحالية لأنه نظام استنفد قدرته على البقاء والاستمرار.

ورأى صالح أنه كان يجب على النظام الاستجابة الفورية لمطالب الشارع بتأسيس نظام انتقالي وإتاحة الحريات للجميع، لكنه سفه كل هذه المطالب وهدد الناس بالقتل وبالكتائب المستعدة للدفاع عن حكمه، وهو ما يدل على أن الحكومة تفضل العيش في الماضي لأنها لا يمكنها مواجهة الحاضر.