الطفل أحمد الزعبي سوري المولد لبناني الممات، كان يمسح أحذية المارة لقاء أجر زهيد ليسد رمق إخوته وأهله الذين تحمل مسؤوليتهم مبكرا، ثم رحل مبكرا إثر سقوطه من إحدى البنايات في بيروت هربا من ملاحقة أمن العاصمة اللبنانية له كما قيل.

حال الطفل الزعبي يجسد معاناة سوريين كثر في لبنان وكأن مأساة اللجوء لا تكفي في هذا الشتاء القاسي، لتضاف إليها قسوة التعامل وصعوبة العيش، فهم ممنوعون من العمل والعيش وحتى الزواج من لبنانيات أيضا.

حلقة (2019/01/28) من برنامج "للقصة بقية" تساءلت عن أسباب الحوادث المنفصلة التي حصلت للاجئين السوريين والتي لا تعكس قيم المجتمع اللبناني الأصيلة؛ رغم تبني شخصيات لبنانية معروفة لغة التخويف من الأجانب والتحريض عليهم، وكيف يمكن مواجهة هذه الحوادث ومن المسؤول عنها؟

ولكن في المقابل؛ هل يتحمل لبنان وحده المسؤولية وهو يستقبل نحو أكثر من مليون ونصف لاجئ سوري، رغم ظروفه الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية التي يشتكي من وطأتها اللبنانيون أنفسهم؟ وأين الجهود الإغاثية المحلية والإقليمية والدولية؟ وكيف السبيل لتأمين عودة هؤلاء اللاجئين سالمين لوطنهم دون الدفع بهم إلى المجهول؟

عنصرية ومضايقة
يعتبر مدير حملات "آفاز" في العالم العربي وسام طريف أن المجتمع اللبناني مرّ بمراحل متعددة في علاقته مع المواطنين السوريين الذين نزحوا إلى لبنان، وبالطبع وقعت أثناء ذلك حالات مقيتة من العنصرية، ولكن وصف المجتمع اللبناني بكامله بالعنصري يعتبر ظلما.

وأضاف طريف أنه يعتبر اللاجئين السوريين في لبنان مواطنين لأنهم لم يحصلوا على أي حق من حقوق اللاجئين، ومعاناتهم ومأساتهم وفقرهم يشتركون فيها مع اللبنانيين، والمجتمع اللبناني يعاني من العنصرية بداخله ولكنه ليس عنصريا. واتهم الدولة اللبنانية بأنها تمارس العنصرية بشكل ممنهج ضد السوريين.

أما منسق الأبحاث في معهد "الدراسات المستقبلية" ميشال أبو نجم فيرى أن هناك خلافا سياسيا في لبنان منذ عام 2011، وقد أدى إلى عدم وجود سياسة موحدة للتعامل مع اللجوء السوري نحو لبنان بأعداد غير مسبوقة لا يستطيع لبنان تحملها لا جغرافياً ولا ديمغرافياً. ورغم أن المجتمع الدولي يقدم مساعدات للبنان فإنها لم ترتق لمستوى العبء الاقتصادي الذي يتكبده لبنان بسبب أزمة اللجوء.

وأضاف أبو نجم أن الاتهامات التجريمية للبنانيين بما يسمى العنصرية من قبل المنظمات الدولية زادت الشرخ بين السوريين واللبنانيين، في الوقت التي يسعى فيه لبنان لحل يضمن مصلحة السوري قبل اللبناني.

وأوضح أن للدولة اللبنانية الحق في اتخاذ إجراءات عبر الأجهزة المختصة لتحفظ أمنها، وأنه من الطبيعي نتيجة وجود أكثر من مليون لاجئ سوري أن يكون هنالك العديد من الحوادث، لكن من الطبيعي أيضا أن تقوم الدولة بعملها.

خيارات العودة
يؤكد طريف أن كثيرا من السوريين يريدون العودة إلى ديارهم، ولكن يجب تحقيق مجموعة شروط بضمانات دولية روسية وأممية، والمشكلة هي أنها غير موجودة.

وأضاف أن الدولة لا تدفع أي أموال للسوريين بل تجني الأموال من الدعم المقدم لهم، فالعملية الإغاثية تتكفل بها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، مشيرا إلى أن ما يمنع عودة السوريين هو أنهم مطلوبون ومطاردون ويريدون ضمانا بألا يتم إلقاؤهم في السجون وهذا ما يجبرهم على تحمل المعاناة والحياة القاسية.

ويقول أبو نجم إن العودة الآمنة وليست الطوعية هي السبيل الوحيد لمصلحة الشعبين، ويجب أن تبدأ بالعائلات، وهناك مناطق آمنة يمكن العودة إليها، ولا يجب انتظار الحل السياسي لتحقيق هذه العودة.

وأشار إلى أن المنظمات الدولية بدأت الحديث عن اندماج النازحين في المجتمعات المضيفة، وهذا يحي بمؤامرات دولية غربية تسعى لبقاء النازحين في لبنان كورقة تفاوض مع الجانب السوري.

ورأى أبو نجم أن المشكلة هي مشكلة مصطلح، والمطلوب ليس حلولا مستدامة بل حلولا إنسانية يجب تقديمها من المنظمات الدولية وليس الدولة اللبنانية، وهذه هي مشكلة المجتمع الدولي.

وختم قوله بأن الدولة اللبنانية قامت بواجبها بشكل كامل، ولكن الدول التي تدخلت في الأزمة السورية ومولت جهات مختلفة هي التي يجب أن تتحمل المسؤولية تجاه اللاجئين.