من السلفية المحتسبة مرورا بتنظيم الجهاد وصولا لتنظيم القاعدة والقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، إلى تنظيم أنصار الدين، وحتى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)... وغيرها؛ مسميات مختلفة لتوجه واحد: تبني العمل المسلح طريقا للتغيير، مستندة -كما تقول- إلى منهج السلف في فهم الكتاب والسنة.

إنها "السلفية الجهادية" التي خرجت من عباءة الدين وتحولت إلى دكاكين اكتساب وارتزاق، كما يقول بعض شيوخها أنفسهم. تمددت في دول عربية وإسلامية عدة، وتوالدت تنظيمات و"حركات سلفية جهادية" متباينة، بل ومتصارعة أحيانا، تحولت من تنظيمات إقليمية إلى حركة عالمية، تجذب وتجند العناصر حتى في دول الغرب. 

أسئلة ملحة
حلقة (2019/01/14) من برنامج "للقصة بقية" عرضت تقريرا تفصيليا يتناول تنظيمات السلفية الجهادية؛ وتساءلت عن كيفية وأسباب تحولها من الإقليمية إلى العالمية؟ وهل ظهرت هذه التنظيمات نتيجة لحرب يتعرض لها الإسلام كما يقول منظروها؟ ولماذا خفَت صوتُها مع ثورة الشارع العربي المطالبة بالتغيير وإسقاط الظلم؟ وماذا حققت "السلفية الجهادية" مما تبنته من أهداف وتوجهات؟

تناول الجزء الأول من الحلقة -في تقريره الافتتاحي- مسيرة "الجماعات السلفية الجهادية" منذ بدايتها، وكيف قام عبد الله عزام بإنشاء ما يُعرف بالمجاهدين، ثم أقنع أسامة بن لادن بالذهاب إلى أفغانستان للقتال، ثم اغتيال عزام وإعلان بن لادن لاحقا إنشاء تنظيم القاعدة.

وتطرق أيضا إلى ما قد يكون لحق هذه الجماعات من تغيير في أفكارها، والمراحل التي مرت بها هذه التغييرات. وكيف سعت التيارات الجهادية لنشر أفكارها في أوروبا بعد انتشار أعضائها في العديد من الدول.

كما سلط التقرير الضوء على انقسام هذه التيارات إلى عدة طوائف وفرق، وتطرق لرأي العديد من المنظرين "للسلفية الجهادية" في الجماعات التي قامت بقتل أو ذبح شخص لأنه كافر، وانتقاد العديد من مشايخهم قتل الصحفيين أو قتل عمال الإغاثة من أي ديانة كانوا.

وتعليقا على هذا الموضوع؛ قال الباحث الفرنسي المتخصص في الإسلام السياسي فرانسوا بورغا إنه لا يعتقد وجود أي انتصار سياسي في سوريا للولايات المتحدة، لأن تنظيم "داعش" تلقى بالفعل ضربة قوية وطبيعية بسبب اختلال ميزان القوة، لكن الضربة لم تقض عليه تماما مما سيمكن التنظيم من إعادة تشكيل هيكليته، لأنه ما زال يمتلك قوة الاستقطاب.

صعود فانحسار
ويرى الخبير في الجماعات الإسلامية محمد محمود ولد أبو المعالي أن الصعود السريع لتنظيم الدولة الإسلامية رافقته توقعات كبيرة بسقوط سريع على قدر الصعود، وقد رافق هذا الصعودَ ظهورُ العديد من الخلافات داخل الجماعة أدت إلى انقسامها لفريقين يتبادلان التكفير والنزاع والتخوين، ولولا حرب التحالف الدولي لرأينهم يتقاتلون فيما بينهم.

ويشير بورغا لوجوب النظر إلى تطور وانتشار الفكر الجهادي بسبب سوء عمل مؤسسات التمثيل السياسي من خلال وجود أجنبي داخل الدولة يعطي مبررا لنشوء هذه التنظيمات، وكذلك مشاكل العنف السياسي التي تقع على عاتق القوى المهيمنة عالميا، وبالدرجة الأولى أميركا ويليها الحكام المسلمون المستبدون.

ويشير أبو المعالي إلى أن التيارات الجهادية وُلدت في السجون ومن رحم الظلم، وتبلورت فكرة السلفية المقاتلة في ملتقيات العديد من الجماعات ذات الخلفيات المختلفة بأفغانستان، وكلها اجتمعت ضد الظلم السوفياتي المحتل لأرض المسلمين هناك. وبالنظر إلى الماضي القريب؛ فإن اندلاع الثورات -التي تم جرها للسلاح- أسس أرضية خصبة للتنظيمات الجهادية.

ويرى بورغا أن ظهور التيارات الجهادية مجددا سببه إقصاء ما سماه "المثلث السني المضطهد"، إذ أصبح الآن الخوف من المعتدلين والوسطيين وهناك من يقوم بمحاربتهم. وفي المقابل؛ يتم السماح بتمدد "التيارات الجهادية" التي يستطيعون تدميرها بالقوة، ولذا فإن الغرب لا يريد التعامل مع الوسطيين ولا يجد حرجا في التعامل مع الطغاة.

ويختم أبو المعالي بأن الغربيين لا يتعاملون بشكل كامل مع "الجماعات الجهادية" لكنهم -في ذات الوقت- على قدر عال من الدهاء، ويسعون بالفعل للسيطرة على هذه التنظيمات لكنهم لن يستطيعوا تحقيق ذلك، ولكن بإمكان الأنظمة الغربية تحريك هذه التنظيمات والتحكم في مسارها في بعض الاتجاهات.