تناولت حلقة (2018/12/17) من برنامج "للقصة بقية" موضوع "تقرير الحريات الفردية والمساواة في تونس" الذي قدمته لجنة شكلها الرئيس الباجي قايد السبسي، وما أثاره في المجتمع من جدل فكري وسياسي يتزامن اليوم مع ذكرى الثورة التونسية التي رفعت شعارات الكرامة الإنسانية، ولكنه يأتي أيضا في خضم أجواء سياسية مضطربة تمر بها البلاد.

بدأت القصة في 13 أغسطس/آب 2017 –وهو يوم العيد الوطني التونسي للمرأة- حين استقبل الرئيس السبسي مجموعة من الناشطات التونسيات، وأصدر عقب ذلك قرارا رئاسيا بتشكيل "لجنة تقرير الحريات والمساواة في تونس"، التي تم تكليفها رسميا بتقديم تقرير يتضمن مقترحات بشأن "الحقوق الفردية والمساواة".

اللجنة سلمت تقريرها إلى الرئيس التونسي يوم 8 يونيو/حزيران 2018، وبعد نشره انقسمت آراء المجتمع بشأنه إلى فريقين؛ ففي حين رأى فيه البعض "ثورة ثقافية واجتماعية وتشريعية في البلاد كانت نتاج ضرورات اجتماعية"، وصفه البعض الآخر بأنه "انقلاب على قيم المجتمع التونسي المسلم ورضوخ لضغوط خارجية".

الحلقة استضافت لمناقشة هذا الموضوع كلا من عضو لجنة الحريات الفردية والمساواة في تونس صلاح الدين الجورشي والأستاذ في علم الاجتماع عبد اللطيف الهرماسي.

مجرد مقترحات
وإجابة على سؤال هل كان تشكيل هذه اللجنة أولوية ملحة للشعب التونسي اليوم أم إن هناك أولويات أخرى أهم تتعلق بالعدالة الاجتماعية كان يجب البدء بها؟ قال الجورشي إن هناك قضايا عديدة لها الأولوية القصوى مثل التنمية الاقتصادية والبطالة، ورغم ذلك فإنه في مراحل الانتقال لا يكون تقسيم القضايا مقنعا لكثيرين.

وأضاف أنه لا يبرئ الأمر من مطالب السياسة لأن من طلب تقديم التقرير هو رئيس البلاد، ولكن رغم الصراع السياسي فإن البعد الاجتماعي يجب أن يبقى نقاشه ومعالجته أمرا مفتوحا.

وأوضح الجورشي أن كل ما في الأمر هو أن هناك لجنة نظرت في الموضوع وقدمت مشروعا ثم عُرض على الرئيس واختار مقترحا وقدمه للحكومة وسيحال للبرلمان للنقاش، وليس هناك أمر فوقي لأن البرلمان متعدد الأحزاب والتيارات وما سيُعتمد في النهاية سيكون من البرلمان المختار شعبيا.

ورأى في غلبة التيار الحداثي على اللجنة خطأ أساسيا في تركيبتها إذ كان يُفترض أن يكون فيها ممثلون عن "الحالة الدينية" في البلاد، وأكد أن حزب النهضة لم يرفض التقرير بل قال إنه يتفق مع 70% مما ورد فيه، وعلينا أن ننتظر النقاش البرلماني لنرى مطالبهم ورأيهم النهائي.

وشدد الجورشي على أنه في موضوع الميراث مثلا لم يكن هناك فرض للمساواة بين الذكر والأنثى، بل تركته اللجنة ليكون اختياريا بحيث يقرر صاحب التركة هل سيقسم ميراثه وفقا لفكرة المساواة أم إنه سيوصي بالتمسك بالحكم الشرعي طبقا لما تمليه الحالة العائلية.

اختيارات قسرية
أما الأستاذ في علم الاجتماع عبد اللطيف الهرماسي فقد قال إجابة على سؤال: ما الضير في أن يحصل التونسيون على حريات شخصية وهم من ضحى كثيرا من أجلها؟ إن الأمر لا يتعلق بموضوع الحرية والمساواة لأن معظم التونسيين مع هذا المبدأ في عموميته، ولكن القضية في تنزيله في سياق تونس اليوم الذي لم تعد فيه المرأة مضطهدة –كما كانت عند الاستقال- رغم بعض النواقص التي يجوز نقاشها.

وأوضح أنه لا توجد حاجة مجتمعية ملحة لإصدار هذا التقرير "سوى هواجس الشق الحداثوي المتطرف في تونس" الذي يريد فرض رؤية معينة يتحرك من أجلها منذ سنين عديدة، كما أن الاعتبارات السياسية حاضرة بشأنه لأن السبسي يريد استمالة النساء انتخابيا ونصب فخ للنهضة لحشرها في الزاوية.

ونفى الهرماسي أن هناك تغيرات مجتمعية -كما تقول اللجنة- تبرر إصدار هذا التقرير ومقترحاته، لأنه في موضوع المساواة في الإرث مثلا تشير البحوث الاجتماعية إلى أن أكثر من 60% من المجتمع هم ضد تغيير قاعدة الإرث الشرعية، وحتى النساء يرفضن بنسبة 50% مساواة الأنثى بالذكر في الإرث لأنهن لا يريدن المس بمقدساتهن. وتساءل: هل مقدسات المتدينين أقل شأنا من مقدسات الحداثيين؟ وهل حقوق الإنسان هي فقط للحداثيين وغيرهم ليس لهم حقوق؟

وأقر الهرماسي بأن هناك إيجابيات في التقرير؛ لكنه أكد أن صياغة التقرير تأثرت بإكراهات أجنبية وخاصة من الاتحاد الأوروبي الذي يرهن تعاونه مع تونس بتبنيها خيارات ثقافية معينة، هذا إضافة إلى تأثر التقرير بسلطة المواثيق الدولية مثل اتفاقية "سيداو" التي نجدها تقدم اليوم وكأنها فوق الدستور وإرادة التونسيين.