قرابة مليون سعودي هم عدد المواطنين الذين قرروا الاغتراب عن بلدهم والهجرة واللجوء، ليس فقط في أوروبا وأميركا بل وفي بلدان شقيقة مثل مصر والعراق وبقية دول الخليج. وإذا كانت دوافع الغالبية منهم اقتصادية -وهو أمر غريب في بلد يعتبر الأكبر والأقدر ماليا بين حلفائه وخصومه في المنطقة- فإنه منذ اعتلاء الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد ازداد عدد الهاربين من التضيق وتكميم الأفواه.

حلقة (2018/11/19) من برنامج "للقصة بقية" ناقشت هذه القضية متسائلة عن أسباب ازدياد عدد السعوديين الهاربين من التضيق، إذ بلغ عددهم العام الماضي فقط نحو 800 مواطن سعودي خرجوا جراء مطالبتهم بالحرية والإصلاح والتغيير.

كما أثارات الحلقة تساؤلات عن أوضاعهم اليوم بعد اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول، واعتراف السلطات العليا في السعودية بأن هناك أمرا ساميا ومتواصلا لجلب المعارضين من الخارج طوعا أو كرها؟ وما هي مطالبهم اليوم وهل يثقون في إمكانية التجاوب معها بعد الضغط الدولي على الرياض إثر تورطها في جريمة خاشقجي البشعة؟

أم إن الشواهد لا تبشر بخير بعد تقارير عن قتل صحفي آخر هو تركي الجاسر تحت التعذيب بعد أيام معدودة من اغتيال خاشقجي، وهل من ضمانات لحمايتهم الآن في الدول التي لجؤوا إليها؟ وهل يمكن في الغرب الالتفاف على تقارير الاستخبارات الدولية تحت بند المصلحة العليا؟

الاحتياطات المتخذة
أكد أستاذ الإعلام السياسي أحمد بن راشد بن سعيد أن من قرر معارضة سياسات الدولة السعودية أصيب بفزع بعد معرفة ما حصل لخاشقجي، ويوجد كم من التناقض في الإدارة السعودية التي تقول إنها تحارب الإرهاب والتطرف وهي تمارس أبشع مما قام به تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتنظيم القاعدة. وأضاف أن جمال خاشقجي قُتل بطريقة وحشية لا يصدقها بشر.

ويقول المحلل الأمني البريطاني غلينمور ترينر هارفي إنه شعر بصدمة مما حدث لخاشقجي، ومن التصرفات الاستخباراتية السعودية لأنه يعرف مدير الاستخبارات السعودية السابق الأمير تركي الفيصل. وأكد أن أجهزة الاستخبارات في العالم كله كانت تحترم الاستخبارات السعودية لأنها كانت تعمل بطريقة احترافية.

لكن بعد وصول محمد بن سلمان لم يعد القانون هو الحكم وهذا ظهر في جريمة خاشقجي، وهذا دليل على عدم الكفاءة في العمل، لأن ما تم في إسطنبول عمل هواة ولا يدل عل عمل استخباراتي احترافي.

وعند سؤاله عن الاحتياطات الأمنية المتخذة من قبلهم خصوصا بعد مقتل خاشقجي؛ أجاب أحمد بن راشد بأنه هو والمعارضين السعوديين الآخرين يتجنبون الظهور في الأماكن العامة والأماكن التي قد تسبب لهم المتاعب، ولكنه يخشى أكثر على أبناء بلده في الداخل ويحزن على ما أصاب المفكرين والعلماء المسجونين دون تهمه.

حماية المعارضين
ويرى هارفي أن المعارضين في الخارج من حقهم الخوف على سلامتهم من عمليات مشابهة لما حدث لخاشقجي، وأضاف أن هناك العديد من حالات الاغتيال التي قام بها الموساد الإسرائيلي وجهاز الاستخبارات الروسية ولم يُكشف أمرها، على عكس السعوديين الذين كانت عمليتهم بطريقة بدائية فعلم بها العالم أجمع.

وأكد أنه يجب على المعارضين السعوديين توخي الحذر في تحركاتهم، وعلى استخبارات الدول التي يوجد فيها المعارضون أن تنبههم في حال ورود معلومات عن استهدافهم.

ويؤكد أحمد بن راشد أن الممارسات التي تقوم بها هذه السلطات السعودية لا تمت للشعب السعودي وتاريخه بصلة، وأن النظرة الوطنية في السعودية عنصرية للغاية وتتكيف مع هوى الحاكم.

وأشار إلى تعرضهم لكم كبير من رسائل التخوين والتهديد، وأن أي صوت ينادي بالإصلاح يعتبر خائنا ومهدِّدا للبلد ويجب إسكاته. ويضيف أن السلطات السعودية استخدمت الوجه الليبرالي اليساري والوجه السلفي اليميني للترويج لنظريتها في الوطنية.

ويقول هارفي إنه من المهم جدا معرفة أن هناك معارضة داخل السعودية تخاف من إظهار صوتها، ويؤكد أن محمد بن سلمان سيتعرض للعديد من الانتقادات في الخارج وسيتم كبح جماحه لكيلا يستمر في هذه التصرفات. ويؤكد أنه لا يثق بقدرة ولي العهد على إحداث تغييرات حقيقية داخل جهاز الاستخبارات لأنه ينفذ ما يريده دون الرجوع لأحد.

ويتمنى أحمد أن يعود قريبا إلى بلاده وأن يكون في القوم رجل رشيد يقوم بعمل مراجعة شاملة لحكم البلاد، ويطالب بالانخراط في عملية إصلاح حقيقية تسمح بالمشاركة الشعبية والانتخابات لاختيار ممثلين للشعب في البرلمان، والسماح بوجود مجتمع مدني لأنه يعتقد أنه مغيب لصالح رأي الحاكم.