من برنامج: الشريعة والحياة

وظيفة الفقيه اليوم

تتوقف الحلقة عند وظيفة الفقيه اليوم. من هو الفقيه؟ وهل تَهَمّش في ظل الدولة الحديثة؟ وماذا تَبَقّى له من الوظائف؟ وما حدود دوره؟

– معنى الفقه ودور وصفات الفقيه
– فقه الأقليات وفقه التيسير
– وظائف الفقيه وتجلياتها المعاصرة

عثمان عثمان
يوسف القرضاوي

عثمان عثمان: السلام عليكم مشاهدينا الكرام ورحمة الله وبركاته، أهلا ومرحبا بكم إلى حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة تأتيكم على الهواء مباشرة من الدوحة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {..فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}[التوبة:122]، من هو الفقيه؟ وهل تهمش في ظل الدولة الحديثة؟ وما تبقى له من الوظائف؟ وما حدود دوره؟ وظيف الفقيه اليوم موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، مرحبا بكم مولانا.

يوسف القرضاوي: مرحبا بك يا أخ عثمان.

معنى الفقه ودور وصفات الفقيه

عثمان عثمان: بداية فضيلة الدكتور من هو الفقيه الذي نتحدث عنه اليوم؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد، فالفقيه يقصد به العالم الديني المتخصص في معرفة الأحكام الفقهية، الفقه أصبح مصطلحا على علم معين وهو العلم الذي يعنى بمعرفة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، الأدلة التفصيلية، القرآن، السنة، الإجماع، القياس، المصلحة، الاستحسان إلى آخره، فالذي يعني بمعرفة هذه الأحكام، الأحكام الخمسة اللي هي الفرضية أو الوجوب والاستحباب والتحريم أو الكراهة أو الإباحة، هذه الأحكام الذي يعني بمعرفة هذه الأحكام من أدلتها هو الفقيه، هذا يعني أصبح مصطلحا على هذا الأمر.


عثمان عثمان: يعني هذا المصطلح فضيلة الدكتور متى ظهر، يعنى بمعنى رجل الفقه المتخصص في هذا المجال؟

يوسف القرضاوي: هو إذا نظرنا في القرآن والسنة نجد كلمة الفقه لها معنى آخر غير هذا المعنى المصطلحي، معناها الفهم الدقيق، الفهم الذي يعنى بمعرفة الأسرار وإدراك الغاية، يقول الله تعالى {..قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ}[الأنعام:98] وهذا في القرآن المكي، كذلك {..لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ}[الأنعام:65]،  {..لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا..}[الأعراف:179]، الفقه يعني إدراك المعنى والغاية والسر، ويصف الله المشركين والمنافقين بأنهم قوم لا يفقهون، فهذا الفقه وده اللي جاءت فيه الآية التي بدأت بها هذه الحلقة وهي قوله تعالى {..فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}[التوبة:122]، فالتفقه في الدين ليس المراد منه معرفة الأحكام الشرعية، أحكام الطهارة والوضوء والاستنجاء والرضاعة وكذا، لا، معرفة أسرار الدين التي يخشى بها الإنسان الله عز وجل، ولذلك قال {..وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ..}[التوبة:122]، الإنذار ده لا يكون بالأحكام الفقهية وإنما بالترغيب والترهيب والدعوة والتشويق هذا أمر غير الفقه المعروف في الاصطلاح. وجاء في الحديث "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" ولذلك الإمام الغزالي في كتاب العلم من كتابه "الإحياء" يقول هناك أسامي وألفاظ تغير مفهومها عما كان في عهد الرسول وعهد الصحابة والسلف وأصبح لها معان أخرى تجددت لها، ذكر التوحيد والحكمة والكذا ومنها الفقه، فالفقه كان له معنى آخر غير المعنى. سيدنا علي يقول "ألا أنبئكم بالفقيه كل الفقيه؟ من لم يوئس عباد الله من روح الله ولم يؤمنهم من مكره" فالفقيه كان له معنى أشبه بالمعنى الذي نسمي به الآن الداعية، فلم يكن المراد به هذا الأمر وكان يراد به معرفة أسرار الدين بصفة عامة سواء منها الأحكام أو غير الأحكام. سيدنا أنس يقول عن سيدنا أبو بكر "رحم الله أبا بكر ما كان أفقهه" حين لم يفرق بين الصلاة والزكاة حينما قاتل مانعي الزكاة وقال "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه"، لأن الصلاة والزكاة في القرآن يعني مقترنان دائما {..فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ..}[التوبة:5]، {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ..}[التوبة:11] فلم يفرق أبو بكر، فيقول ما كان أفقهه. فالفقه القرآني والفقه النبوي كان يراد به هذا المعنى العميق الواسع ثم أصبح تخصصات، كان الفقيه في عصر النبي صلى الله عليه وسلم يسمى القارئ أو الفقهاء يسمون القراء، قراء القرآن لأنه كان مصدر الدين في ذلك الوقت هو القرآن، من يقرأ القرآن، وكانت طريقتهم ليست مجرد الحفظ إنما كانوا يقرؤونه يتعلمونه ويفهمونه ويعملون به فإذا حفظوا عشر آيات فهموها وعملوا بها ينتقلون إلى عشر آيات أخرى، فكان هؤلاء يسمون القراء. كان مثل السبعين الذين بعثهم النبي صلى الله عليه وسلم في الحادثة المشهورة وقام عليهم المشركون في الطريق وقتلوهم، سبعون من القراء أي من العلماء لأنه بعثهم ليعلموا الناس الدين، وكان مثلما قال سيدنا عمر كان أصحاب مشورته القراء، يعني كان يستشير العلماء في ذلك الوقت فهم كانوا يسمون القراء. وبعدين ماذا بعد ذلك؟ في عصر الصحابة يظهر صحابة يشتهرون بالفتوى، ذكر الإمام ابن حزم منهم المكثرون في الفتوى مثل الخلفاء الراشدين ومثل ابن مسعود ومثل ابن عباس ومثل زيد بن ثابت وابن عمر وابن الزبير وبعضهم متوسطون، ومثل عائشة أيضا من المكثرات، وبعدين في  المتوسطون في الفتوى والمقلون جدا الواحد تروى عنه فتوى فتويين فهكذا. وبعدين في عصر التابعين ظهر اسم الفقه بوضوح، الفقهاء في عصر التابعين ظهر في المدينة من يسمون بالفقهاء السبعة وبعضهم يقول العشرة يعني سعيد بن المسيب وابن دينار وابن الخارجة وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود، مجموعة من سبعة اسمهم الفقهاء السبعة، ومثل من كانوا في المدينة كان في مكة وكان في البصرة وكان في الكوفة وكان في مصر واليمن والشام وفي كل بلد فقهاء من هؤلاء النوع.


عثمان عثمان: فضيلة الدكتور اليوم يعني أردنا أن نتحدث عن الفقيه وأن نعطيه وصفا معينا، يعني ما علاقة الفقيه بالمفتي؟ هل هناك من صفات محددة يوصف بها الفقيه اليوم؟

يوسف القرضاوي: الفقيه له وظائف عدة، ممكن يكون قاضيا ويمكن يكون مفتيا ويمكن يكون معلما يعلم الناس في حلقة، مثلا الإمام أبو حنيفة كان فقيها، كان مهمته إيه؟ عرض عليه القضاء فرفض وحتى دخل السجن من أجل ذلك، واللي كان شغلته إيه، له حلقة يحضر فيها تلاميذه ويعلمهم يعني مدرسة، مدرسة فقهية، أبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد وفلان وفلان هؤلاء يجتمعون ويعرضون المسألة ويناقشونها وأبو حنيفة يقول رأيي كذا، إذا قاس نازعه أصحابه المقاييس فإذا قال استحسن يعني أرجح، كذا، لم يلحق به أحد، فكان معلما، وممكن يكون واحد قاضيا وممكن يكون مفتيا يشتهر بالإفتاء وممكن يكون معلما وهكذا، كل هؤلاء من أهل الفقه.


عثمان عثمان: من الذي يعطي الصلاحية للفقيه أن يمارس دور الفقيه؟ يعني الإمام مالك قال ما أفتيت حتى أذن لي سبعون عالما من علماء المدينة، قالوا إن لم يأذنوا لك ماذا كنت تفعل؟ قال ما كنت لأقتحم قعر جهنم. من الذي يقول بأن هذا يستطيع أن يمارس دور الفقيه أو لا يستطيع اليوم؟

يوسف القرضاوي: هم الجمهور، جمهور الناس وخصوصا العلماء، العلماء يشهدون لهذا الشخص بأنه أهل لأن يفتي الناس في دين الله، خصوصا الفتوى، نحن تكلمنا عنها في حلقات سابقة، الفتوى أمر خطير لأنك تقول إن الله أباح هذا الأمر وليس في ممارسته أي ذنب ولا أي شيء أو إن الله حرم هذا يعني من ارتكبه استحق عقاب الله استحق دخول النار، من الذي يستطيع أن يقول هذا؟ فالعملية خطيرة ولذلك جاء في المأثور "أجرؤكم على الفتية أجرؤكم على النار" وكان سيدنا عمر يستشير، وسيدنا إذا عرض له أمر لم يجده في كتاب الله ولا في سنة رسول الله جمع رؤوس الناس واستشارهم هل أحد منكم يعرف شيئا عن سنة رسول الله لم أعرفها؟ فربما قام واحد زي في عهد سيدنا أبو بكر يعني الجدة، واحد مات وله جدته، يا ترى، هو يعرف الأم تأخذ الثلث، إنما الجدة؟ فقام المغيرة بن شعبة وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم لها بالسدس، يعني هي مكان الأم وهكذا. وأحيانا لم يجدوا سنة، فيستشير يأخذ الرأي مما يسمع من الناس حتى يكون رأيا.


عثمان عثمان: فضيلة الدكتور هناك إشكالية اليوم يواجهها الكثير من المسلمين، قد نجد رجلا عاملا ولكن عمله يخالف قوله، يعني هل يشترط في هذا الفقيه أن يكون عالما عاملا بعلمه أم يكفي العلم في ذلك؟

يوسف القرضاوي: لكي يأخذ الناس فتواه لا بد أن يكون عاملا بعلمه حتى يتقبل الناس منه، يعني العلماء بيسموا هذا العدالة، شرط العدالة، ده يعني ليس ليتحقق الاجتهاد ولكن ليقبل منه الاجتهاد حتى يطمئن الناس إليه، لأنه يعني كيف يأخذ الناس عنه دينه إذا كان لا دين له؟ يقول لك يعني، فلا بد أن يكون من التدين بدرجة بحيث يكون مقبولا عند الناس، ومن ناحية أخرى إذا كان شخصا مهتديا بهدى الله مستقيما على أمر الله فإنه أهل أن يوفق، الله تعالى يقول {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً..}[الأنفال:29] يعني يعطيك نورا تفرق به بين الحق والباطل، الناس بيستدلوا بهذا بآية في غير موضعها، يقولون {..وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ..}[البقرة:282] الآية دي ليست، لأنه ما قالش اتقوا الله يعلمكم الله، لا، اتقوا الله في أداء هذا الأمر والله يعلمكم دائما لتعرفوا الخير من الشر والباطل من الحق إلى آخره.


عثمان عثمان: مولانا يعني تاريخيا كان للفقيه دور تشريعي والتشريع هو لله عز وجل خاصة في الشأن التعبدي والشأن الحياتي، اليوم في ظل الدولة الحديثة نشأ البرلمانيون، نشأ القانونيون، كيف يمكن للفقيه أن يخرج من إطار الإفتاء في القضايا الخاصة في العائلة في الأسرة في القضايا التعبدية ليعيد الفقه إلى أن يأخذ دوره في الحياة العامة أيضا؟

يوسف القرضاوي: كان الفقيه فعلا له دوره في التشريع بمعنى التقنين، يعني الأحكام التي يحكم بها ولي الأمر كان لا بد أن يرجع فيها إلى الفقيه، الأصل في الإسلام أن يكون ولي الأمر فقيها ومجتهدا يعني الإمام لازم يكون مجتهدا، الذي يحكم، يعني في أول الأمر أيام الصحابة أيام الخلفاء الراشدين كان الأئمة ومع هذا كانوا يستعينون بالفقهاء، فإذا لم يكن هو يعني فقيها لا بد أن يستعين بأهل الفقه، لماذا؟ لأن الأصل هو الحكم بالشريعة، خلال القرون الـ 13 التي مضت على المسلمين منذ عهد النبوة إلى أن دخل الاستعمار بلاد المسلمين كان القانون الأساسي الذي يحكم الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها هو الشريعة. بعض الناس بيقولوا ده بعد الخلفاء الراشدين لم يكن هناك شرع ولا إسلام، هذا غير صحيح، الشرع هو كان هو، لم يكن هناك قانون غير قانون الشريعة ولم يكن يحكم القضاة إلا بالشريعة، فكيف يأتي هذا؟ عن طريق الفقهاء والأصل أن القاضي بيكون هو أيضا فقيها، فإذا أحيانا أيضا يأخذ يستعين ببعض الفقهاء في بعض الأحكام ويرجع إليهم. في عصرنا حينما انفصل الحكم عن الشرع بعد أن دخل الاستعمار بلاد المسلمين كان أول ما صنعه الاستعمار أنه ألغى الشريعة يعني هو أصدر قوانين جديدة وبسرعة جدا، حتى لما دخل الاحتلال الإنجليزي مصر كان أول حاجة عملها تغيير الأحكام الشرعية، ففي هذه الحالة طبعا أصبحت مراجع القضاة بعد أن كان يرجع إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله وإلى كتب الفقه المذهبي وغير المذهبي أصبحت مراجعه أنه يرجع إلى القانون الفرنسي والقانون.. فأصبح دور الفقيه بعد الدولة الحديثة ونقصد بالدولة الحديثة الدولة التي صنعها الاستعمار لأن الاستعمار هو الذي صنع هذه الدولة وأخرجها عن الشريعة وعزل الشريعة عنها فأصبحت دولة تعيش بغير جذورها الإسلامية ولم يعد هناك في حاجة إلى دور الفقيه لاستنباط الأحكام خصوصا في المستجدات إلا في جانب معين من الشريعة مثل قانون الأسرة أو ما يسمى الأحوال الشخصية، الزواج والطلاق والمواريث والوصايا والأوقاف وهذه الأشياء يرجع إلى الشريعة فيها، ولذلك الدول التي تحكم بالشريعة يكون دور الفقيه فيها أكبر وأوسع يعني مثل السعودية ومثل السودان ومثل إيران يعني إيران هنالك ما يسمونه ولاية الفقيه، فأصبح الفقيه هو اللي بيحكم.


عثمان عثمان: فضيلة الدكتور طبعا يعني الآن في العصر الحديث انطلق ما سمي بفقه الأقليات وربما البعض اعتبره دينا جديدا يعني هو فقه يقوم بوظيفة مهمة في مد نفوذ سلطان الفقه الإسلامي إلى المناطق التي يعيش فيها المسلمون وهي مناطق غير إسلامية، السؤال يعني كيف توضحون وظيفة الفقيه في هذا الفقه أو في هذه المنطقة الجغرافية؟ نسمع الإجابة إن شاء الله بعد وقفة قصيرة، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله.

[فاصل إعلاني]

فقه الأقليات وفقه التيسير

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان وظيفة الفقيه اليوم مع فضلية شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. فضيلة الدكتور عندما نتحدث عن فقه الأقليات يعني يخطر مباشرة دور الفقيه في تلك المناطق الجغرافية التي يقطنها المسلمون في بلاد غير إسلامية، كيف توضحون لنا وظيفة الفقيه في هذه المناطق؟

يوسف القرضاوي: حينما قامت الصحوة الإسلامية وطلع فجرها كان لهذه الصحوة آثارها في داخل العالم الإسلامي وفي خارج العالم الإسلامي حيث يعيش مئات الملايين من المسلمين تحت عنوان الأقليات، يعني ليس كل المسلمين يعيشون داخل دار الإسلام أو داخل المجتمع الإسلامي، هناك أقليات في آسيا وأفريقيا وهناك أقليات في أوروبا وأميركا، أقليات مسلمة وأحيانا قد تكون بالملايين وأحيانا تكون بمئات الآلاف وهؤلاء لهم مشاكلهم الخاصة ولهم حاجاتهم فمن حقهم أن يكون لهم فقههم الخاص. حينما بدأ المسلمون يشعرون بذاتيتهم في فترة من الفترات هاجر أناس من المسلمين إلى أميركا وإلى استراليا وإلى غيرها وذابوا تماما، انتهوا يعني ذهبوا مسلمين وتزوجوا من غير المسلمات فأبناؤهم لم يعودوا مسلمين ولا مسلمات، هذا ظاهر في أميركا اللاتينية وظاهر في أستراليا، حينما زرت أستراليا وجدت مساجد في مناطق ليس فيها مسلمين قط، إيش هذه؟ قالوا أول ما فتحت جابوا ناس من أفغانستان وكانوا مسلمين وبنوا مساجد وبعدين تزوجوا أستراليات وبعد ذلك ذهب أولادهم، فحينما ظهرت الصحوة الإسلامية أحس المسلمون بشخصيتهم الدينية فأنشأوا مؤسسات لهم ومدارس وأندية ومساجد ومراكز وبنوكا وكل ما استطاعوا أن يؤسسوا ومن ضمن الأشياء التي أسسوها أنشؤوا مجالس فقهية فنشأ في أوروبا المجلس الأوروبي للإفتاء ونشأ في أميركا مجلس فقهاء أميركا الشمالية وفي الهند المجلس الفقهي الإسلامي، الهند أقلية صحيح أنهم يعني ما يقاربون المائتي مليون ولكنهم أقلية، الثانيين مجموع الهند أكثر من ألف مليون، فهم أقلية، هل هذه الأقلية تضيع؟ وبعدين لها مشاكلها الخاصة، صحيح هذا المشاكل موجودة، قد لا تكون في المجتمعات الإسلامية وقد تكون بأحجام ضئيلة ولكن في هذه البلاد نظرا لأنهم يعيشون في مجتمع آخر لا يلتزم بالإسلام لا بعقائده ولا بأحكامه ولا بآدابه فيحتاجون إلى فقه خاص. وعلماؤنا من قديم المحققون منهم قالوا إن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعرف والحال، إلى آخره، خصوصا المكان اختلاف المكان اختلاف دار الإسلام عن غير دار الإسلام، دار الإسلام لها أحكامها وغير دار الإسلام لها أحكامها، قد تكون دار الحرب في بعض المذاهب ودار العهد، يعني هذه الدور التي ليست يعني لا يقوم الإسلام فيها لا تجد فيها المساجد لا تسمع فيها الأذان لا تجد فيها العلماء لا تجد، هذه لها ظروفها الخاصة، ونحن نقرر، كل العلماء يقولون الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، ما معنى أنها صالحة؟ معناها أنك لا بد أنك تنظر في الواقعة وتنظر في النصوص وتنظر في مقاصد الشريعة وتنظر في قواعد الفقه وتنزل هذه المقاصد والقواعد والأحكام على الوقائع الجديدة فهذا من مزايا الفقه الإسلامي، ونحن بحمد الله يعني نشأ منذ بضعة عشر سنة في أوروبا المجلس الأوروبي للإفتاء وشرفنا الأخوة برئاسته منذ نشأ إلى اليوم وقد أصدر فتاوى وأحكاما وقرارات حلت كثيرا من مشاكل الإسلام في ضوء الاجتهاد الإسلامي وفي ضوء الشريعة الإسلامية.


عثمان عثمان: ربما هذا يقودنا إلى سؤال حول تيسير تطبيق الشريعة، تيسير الإفتاء للمسلمين، اليوم أنتم كنتم رواد فقه التيسير فضيلة الدكتور، فقه الوسطية والاعتدال، ماذا عن وظيفة التيسير هذه؟

يوسف القرضاوي: التيسير منهج قرآني ومنهج نبوي، القرآن يقول {..يريد اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ..}[البقرة:185] {..وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ..}[الحج:78]، {يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً}[النساء:28]، {..مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[المائدة:6]، {..ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ..}[البقرة:178] تعليقا على أحكام عدة في القرآن الكريم، والنبي عليه الصلاة والسلام حينما أرسل أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن أوصاهما بوصية موجزة جامعة، قال "يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا" وروى عنه أنس أنه قال يسروا -ده خطاب للأمة كلها بقى- "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا" وقال لأصحابه "إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معثرين" وقالها بمناسبة أن أحد الأعراب جاء وبال في المسجد، الصحابة هاجوا عليه إنما النبي عليه الصلاة والسلام قال لا تزرموه، يعني لا تقطعوا عليه بوله، سيبوه يخلص، وصبوا عليه ذنوبا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين. يعني علاج القضية سهلة، طبعا المسجد لم يكن مفروشا لا بالحصير ولا بالسجاد ولا الحصباء فيعني حينشف وكبوا عليه علشان تزول الرائحة، صبوا عليه ذنوبا من ماء، فالرسول راعى ظروف هذا الرجل الذي جاء من البادية ولم يتأدب بأدب الحضارة ولم، هو داخل جديد في الإسلام لم يهذبه الإسلام، فارعوه إنما بعثتم ميسرين. فإذا كنا نرعى حاجات الأفراد وظروف الأفراد لا بد أن نرعى ظروف الجماعات، الجماعة التي تعيش في مجتمع غير مسلم هذه تحتاج إلى التخفيف والتيسير فمن أجل هذا نشأ فقه الأقليات، وأنا أصدرت كتاب "فقه الأقليات" وأصدر المجلس الأوروبي للإفتاء قرارات وفتواى عدة ظهرت يعني في كتاب كبير وترجم إلى عدد من اللغات وتلقاه الناس بالقبول والحمد لله.


عثمان عثمان: نعم. دكتور يعني نأخذ بعض المشاركات من السادة المشاهدين، معنا الأخ حسن الشيخ من السودان السلام عليكم يا أخ حسن، تفضل.

حسن الشيخ/ السودان: عليكم السلام ورحمة الله.


عثمان عثمان: سؤالك أخ حسن.

حسن الشيخ: أحب أسأل فضيلة الشيخ عن أهم فقهاء القرن الخامس عشر الهجري لو حددهم لنا بالتحديد إن شاء الله، جزاكم الله خيرا.


عثمان عثمان: شكرا جزيلا. الأخ عبد الله أبو زيان، ليبيا.

عبد الله أبو زيان/ ليبيا: السلام عليكم يا أخ عثمان.


عثمان عثمان: وعليكم السلام، تفضل بسؤالك يا أخي الكريم.

عبد الله أبو زيان: إنا نحبك في الله يا شيخ، نريد الفرق بين العالم الفقيه والعالم الواعظ.


عثمان عثمان: شكرا جزيلا، وصل السؤال. محمد غراري من الجزائر.

محمد غراري/ الجزائر: السلام عليكم. أخي أحييك وأحيي شيخنا القرضاوي وأقول يا أخي الصراعات بين الدول العربية والفكر الإسلامي يعني أريد أن أقول هنا إلى الشيخ القرضاوي أن يكون توفيق بينه وبين الشيخ البوطي السوري على أساس أن النظام العربي يرى الفكر الخطابي الإسلامي وكأنه إقامة حدود، ونحن نقول يعني يجب على الخطاب الإسلامي أن يكون على أساس يعني التركيز على أساس تحرير المعتقد وتحرير الظلم حتى نصل إلى اتفاق بين النظام العربي والإسلامي في ظل هذه التكتلات وشكرا.


عثمان عثمان: شكرا جزيلا. فضيلة الدكتور طبعا الأخوة المشاهدون يبلغونك تحياتهم ومشاعر الحب.

يوسف القرضاوي: حياهم الله وبارك فيهم، أنا لم أسمع شيئا الصوت بعيد جدا.


عثمان عثمان: نعم، هناك خطأ فني معين. فضيلة الدكتور الأخ يسأل عن فقهاء القرن الخامس عشر الهجري ولا أجد الوقت ربما يسع لنذكر هؤلاء الفقهاء. ننتقل إلى الأخ عبد الله الذي يقول..

يوسف القرضاوي (مقاطعا): يسأل عن إيه؟


عثمان عثمان: يريد أسماء فقهاء القرن الخامس عشر الهجري.

يوسف القرضاوي: الخامس عشر! يعني..


عثمان عثمان (مقاطعا): نعم، هذا القرن، نعم، هل تريدون أن تجيبوا على هذا السؤال؟

يوسف القرضاوي: أنا أقول له الفقهاء كثيرون جدا ويكفي أن يعلم أن هناك مجامع فقهية تضم عددا من هؤلاء الفقهاء بعضهم أعضاء في هذه المجامع وبعضهم خبراء في هذه المجامع، من ذلك مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر والمجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي، والمجمع الفقهي الدولي الإسلامي، يعني اللي هو في جدة ويمثل الدول الإسلامية كلها، والمجمع الفقهي الإسلامي في الهند، والمجمع الفقهي الإسلامي في السودان، ومجلس الإفتاء الأوروبي، يعني كل هذه تضم مجموعة من العلماء والحمد لله الفقهاء موجودون في كل بلد على تفاوت مراتبهم.


عثمان عثمان: نعم، يعني لو تكرمتم فضيلة الدكتور بإجابات مختصرة لضيق الوقت. الأخ عبد الله من ليبيا يسأل ما الفرق بين العالم الفقيه والعالم الواعظ؟

يوسف القرضاوي: العالم الواعظ مهمته أنه يرطب القلوب ويأخذ بيد الناس إلى الله عز وجل عن طريق الترغيب والترهيب فقد يكون واعظا مؤثرا ومن أفضل وليس له علاقة بالفقه، وقد يكون الشخص فقيها متمكنا من الفقه ولا يستطيع أن يصعد المنبر ولا يستطيع أن يلقي درسا مؤثرا، كان بعض شيوخنا علماء وفقهاء ولا علاقة له بالدعوى ولا الوعظ، فهذا شيء وهذا شيء.


عثمان عثمان: طبعا الأخ محمد سأل سؤالا يحتاج إلى إجابة واسعة وإلى وقت طويل ربما ليس الآن نستطيع ذلك. فضيلة الدكتور نعود إلى موضوع التيسير، جزء من فقه التيسير المواءمة بين الفقه والفقه الموروث وبين الواقع الذي يتم إنزال الأحكام عليه، يعني بين الفقه والفتوى، ما أهمية ذلك؟

يوسف القرضاوي: هو من التيسير أن تراعي الزمان والمكان ولا تأخذ الموروث كما هو لأن الموروث ده كان اجتهادا من العلماء لزمانهم ولمكانهم ولقومهم فلا يجوز أن تأخذ هذا المكان إلى زمن آخر وإلى بيئة أخرى وإلى قوم آخرين بحذافيره، لا بد أن تنظر، ما معنى الفقه؟ الفقه علاقة ثلاثية بين الواقعة المسؤول عنها وبين النص وبين الشخص المجتهد، هذه لا تأخذ.. كما قال الإمام القرافي المالكي، قال يعني إذا جاء واحد يسألك لا تفتيه بعرف بلدك، اسأله عن عرف بلده. هذا أمر مهم جدا مراعاة الزمان والمكان هذا هو المطلوب. وبعدين هناك التيسير، أنا ممن يتبنون فقه التيسير لأنني أراه هو منهج القرآن والسنة، إذا كان هناك قولان متكافئان أو متقاربان أحدهما أحوط وآخر أيسر، بماذا أفتي عموم الناس؟ أفتي عموم الناس بالأيسر، إذا واحد أعرف أنه قوي ويحتاج إلى تربية شديدة بالعزائم، أفتيه بالعزائم إنما عموم الناس يحتاجون إلى التيسير وخصوصا في عصرنا، عصرنا أحوج ما يكون إلى التيسير لرقة الدين وقلة اليقين وكثرة المغريات بالشر وكثرة العوائق بالخير، الناس يحتاجون إلى أن تيسر لهم حتى تحبب الله تعالى إليهم وتيسر عبادة الله عليهم وتيسر الالتزام بالأحكام الشرعية عليهم.

وظائف الفقيه وتجلياتها المعاصرة

عثمان عثمان: إحدى أهم وظائف الفقيه، فضيلة الدكتور، الوظيفة القيمية أو الأخلاقية يعني كيف تتجلى هذه الوظيفة في عمل الفقيه اليوم؟

يوسف القرضاوي: هو السلف رضوان الله عليهم قالوا، الفقيه هو الحق هو من يخشى الله {..إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}[فاطر:28] فإذا افترق الفقه عن الخشية لم يعد فقها، الفقيه هو الذي يخشى الله فيما يصدر عنه، لا يحابي إنسانا، يعني واحد يشدد عليه وواحد يخفف عنه كما زعم بعضهم، ونقل الإمام الشاطبي عن بعضهم وقال هذا والعياذ بالله من أشد أنواع الفسق، أنه يعني {..يُحِلِّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ..}[التوبة:37] يحرم على هذا ويحلل على هذا، ممكن إذا كان الحاكم أو الرئيس أو الملك أو كذا يعني وعايز يرضيه يعني يفرخ له فتاوى يعني تمشي له الأمور ويمكن الناس يشدد عليهم، هذا لا يجوز، لازم يراعي الجانب الأخلاقي قبل كل شيء.


عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني  أسهم الفقيه المعاصر اليوم في مجالات شتى في ضوء فكرة الإسلام نظام شامل متكامل في مجالات دستورية وقانونية واجتماعية واقتصادية وسياسية وغير ذلك، هناك إنتاج كبير في هذه المجالات ولكن يعني ما تقويمكم لدخول الفقيه في هذه المجالات، يعني هل استوفاها حقها، هل أعطاها حقها من الدراسة ومن الرؤية المطلوبة؟

يوسف القرضاوي: أنا أقول يعني المكتبة الفقهية الحمد لله يعني أصبحت يعني غنية إلى حد كبير وإن كان يعني يتفاوت بعضها عن بعض، كلما كان الفقه في حالة تطبيق يخدم أكثر ولذلك أكثر فقه خدم فقه الأحوال الشخصية، فيه أشياء كثيرة جدا لأنه مطبق في البلاد الإسلامية، الآن لما ظهرت البنوك الإسلامية ظهر فقه المعاملات، الفقه الاقتصادي، ظهرت الأحكام المطمورة وألفت كتب وقدمت عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه وعقدت ندوات فقهية، يعني في بس ندوة البركة صار لها على ما أذكر من ثلاثين سنة تعقد سنويا ندوات وخرجت في كتب وخرجت في أشرطة، وهناك هيئات، يعني أنشئت هيئة المحاسبة العامة وفيها المجلس الشرعي وله اجتهادات وفتاوى تصدر باستمرار وهناك أقسام اقتصادية إسلامية في عدد من الجامعات وهناك مراكز أبحاث اقتصادية زي مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، كل هذه أنشئت أشياء يعني كثيرة والحمد لله وبعض الناس يظن أن دور الفقيه أصبح مهمشا ولم يعد له، هذا ليس صحيحا، صحيح كثير من الدول لم تعد تحتاج إنما الشعب، الأمة، لأن أمتنا دينية الجذور تسأل دائما، أنا أضرب لك مثلا، في قطر أنا أصدرت مع بعض الأخوة العلماء في قطر فتوى نشرت اليوم، نشرتها كل الصحف في صفحتها الأولى عن المساهمة في شركة فودافون لأن بعض الأخوة أصدر فتوى حرم، الناس تبلبلت وعايزين الحكم لأن الناس لا زالت تحب أن تشتغل بالحلال وتبتعد عن الحرام فلا بد أن المفتي لا زالت الأمة إلى اليوم تحتاج إلى المفتي ولا زلنا في حاجة إلى الفقهاء وستظل الأمة في حاجة إلى الفقهاء ما دام هناك إسلام وهناك مسلمون بدليل هذه المجامع الفقهية الكثيرة وبدليل أن برامج الفتوى في الإذاعات والتلفازات المختلفة من أشهر البرامج وأكثرها رواجا وانتشارا.


عثمان عثمان: ولكن ربما وظيف الفقيه اليوم انحصرت فقط بالافتاء بعيدا عن كثير من المهمات المطلوبة منه. لدي سؤال من الأخ نصر يسأل كيف نعد الفقيه المعاصر؟

يوسف القرضاوي: الفقيه المعاصر يعد في كليات الشريعة والمعاهد العليا وإن كان يعني تختلف الكليات بعضها عن بعض في البرامج التي تهيء الفقيه وفي الأساتذة الذين يخرجون هذا الفقيه ولكن الأصل فعلا أن الفقيه يعد بالدراسة، الدراسة المنهجية وكانوا قديما في حلقات يجلس فيها الناس حتى غير المتخصصين وبعض الناس من غير المتخصصين قد يصل إلى درجة يعني يفوق فيها بعض المتخصصين. لم تعد هذه موجودة لأن الحياة الآن أصبحت منظمة وأصبحت، يعني العلم أصبح اختصاصا قلما يوجد الموسوعيون مثل زمان تجد الإنسان يعني عالما بالتفسير وعالما بالحديث وعالما بالفقه وعالما بالفلسفة وعالما، ويمكن واحد مثل ابن رشد عالم بالفلسفة وعالم بالفقه وعالم بالطب، الموسوعية هذه أصبحت نادرة في عصرنا ولا بد من التخصص ولا بد من الدراسة.


عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني كيف يمكن للفقهاء أن يسهموا في وضع الإسلام في صورة ليست صورة صدامية مع العالم، الآن ربما البعض يصور الإسلام في موقع والعالم في موقع آخر في حالة تصادمية، كيف يمكن للفقيه أن يساهم في إزالة هذه الصورة؟

يوسف القرضاوي: هذه مهمة الفقيه ومهمة الداعية ومهمة الإعلامي الجميع عليهم أن يبرزوا الإسلام في صورته الحقيقة، لا نريد أن نخترع صورة مزيفة على الإسلام، الإسلام في حقيقته فعلا دين سلام ودين يعني يمد يده إلى العالم يسالم من سالمه ويحارب من حاربه والقرآن {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ}[البقرة:190]، {..فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً}[النساء:90]، {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا..}[الممتحنة:8]، {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ..}[الأنفال:61]، {..وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ..}[الأحزاب:25] قال بعد انتهاء غزوة الأحزاب بدون دماء قال {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ..}. الرسول عليه الصلاة والسلام يقول "لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف" ويقول "أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأكره الأسماء إلى الله حرب ومرة" حتى كلمة حرب من المفردات البغيضة والكريهة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكل هذا يدل على أن الإسلام لا يحارب إلا من حاربه، {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ..}[البقرة:193]، إما حارب لمنع الفتنة، ما معنى الفتنة؟ الفتنة أن يفتن الإنسان عن دينه، أن يعذب ويضطهد حتى يرجع عن دينه، فيقاتل لتوفير الحرية للناس، فهل هذا دين حرب وصدام؟ إنه دين دعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، دين الحوار والجدال بالتي هي أحسن، هذا هو إسلامنا العظيم كما أنزله الله وكما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.


عثمان عثمان: أشكركم فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة وأعتذر من الأخوة الذين لم نستطع أن نأخذ بريدهم الإلكتروني، ما جاء عبر البريد الإلكتروني، أشكركم على حسن المتابعة لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل، دمتم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



المزيد من ديني
الأكثر قراءة