- مراتب الأعمال ودرجاتها عند الله
- الشريعة دين ودنيا, عقل ونقل

- التراتبيات وثوابت الشريعة

عبد الصمد ناصر: السلام عليكم وأهلاً بكم إلى حلقة أخرى من برنامج الشريعة والحياة, وصف الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بأنهم {يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ والْفَوَاحِشَ إلاَّ اللَّمَمَ} وانقسم الإيمان إلى شُعَبْ أفضلها لا إله إلا الله وأدناها إماطة أو دفع الأذى عن الطريق وانقسم المعروف والمنكر إلى مراتب والذنوب إلى صغائر وكبائر والقروبات أي الطاعات إلى فاضل ومفضول, كما أن مقاصد الشريعة منها ما هو ضروري كحفظ النفس والحياة ومنها ما هو كماليٌ وتحسيني, فما هي درجات الأعمال؟ وكيف نرتب أولياتنا بناءً على ذلك؟ وما هي سلبيات انشغال العمل الإسلامي بالثانويات عن الأولويات؟ وحينما تتزاحم الأعمال أيها نقدم؟ هذه الأسئلة وغيرها نناقشها اليوم في هذه الحلقة عن فقه مراتب الأعمال والتي نستضيف فيها دكتور سعد الدين العثماني الباحث في أصول الفقه الإسلامي والأمين العام لحزب العدالة والتنمية في المغرب دكتور سعد الدين مرحباً
 
بك, يُلاحظ أن الكثير من العلماء اهتموا ويهتمون بمراتب الأعمال التي يأتيها المسلم في حياته بل ووضعوا لذلك قواعد مُوَجِهَة, ماذا نقصد بفقه مراتب الأعمال؟

مراتب الأعمال ودرجاتها عند الله

سعد الدين العثماني- باحث في أصول الفقه الإسلامي والأمين العام لحزب العدالة والتنمية في المغرب: بسم الله الرحمن الرحيم أحمد الله ربي وأُصلي وأسلم على محمد النبي الأمين وعلى أهله وصحابته أجمعين.

عبد الصمد ناصر: صلى الله عليه وسلم.

"
الأعمال التي يُأْمَر بها المسلم ليست في مرتبة واحدة وهي تتنوع وتتعدد، والإسلام يدعوا إلى أن نختار أفضل هذه الأعمال، وفقه مراتب الأعمال هو الذي يبين مرتبة كل عمل ومكانته في الدين حتى يأتيه الإنسان على الوجه الصحيح
"
سعد الدين العثماني: الدين دين الإسلام ليست كل الأعمال التي يُأْمَر الإنسان المسلم بها في مرتبة واحدة بل هي تتنوع وتتعدد وتتفاضل والإسلام يدعوا إلى أن نختار أفضل هذه الأعمال أحسنها وفقه مراتب الأعمال هو الفقه بمرتبة كل عمل وبمكانته في الدين حتى يأتيه الإنسان على الوجه الصحيح وهذا نوع الله سبحانه وتعالى يقول {الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} فهي دعوة إلى اختيار أحسن الأعمال فلابد من معرفة مراتب الأعمال في الدين وفي الشريعة.

عبد الصمد ناصر: أين تجلى هذا الفقه سواء في الكتاب أو في السنة النبوية هل من أمثلة على ذلك؟

سعد الدين العثماني: القرآن الكريم والسنة النبوية فعلاً زاخرة بالأمثلة المتعددة مثلاً عندما يقول الله سبحانه وتعالى {إن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وإن تُخْفُوهَا وتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} فهو يفاضل بين عمل وعمل فالصدقة في السر أفضل من الصدقة في العلانية وعندما يقول الله سبحانه وتعالى {لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} فهو يوجهنا إلى أن قيام ليلة القدر أفضل من قيام ليالي ألف شهر فهو يفاضل بين عمل وعمل وهذا كثير في القرآن, لكن في السنة النبوية أيضاً كثير بل السنة النبوية زاخرة بكثرة الأمثلة إلى أحسن الأعمال وأفضل الأعمال وأحب الإسلام إلى الله مثلاً عندما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "أحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قَلَ" فهو يفاضل هو يُبَيِنْ أفضل الأعمال.

عبد الصمد ناصر: وأي العمل أفضل؟

سعد الدين العثماني: أفضل العمل أفضل عندما يُسأل الرسول صلى الله عليه وسلم أي العمل خير فهو يعني أمثلة كثيرة لكن من أوضح هذه الأمثلة وأشملها هو قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح بأن"الإيمان شُعَبْ الإيمان ستة وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" ففي هذا الحديث يُبَيِنْ أن هناك أعلى الأعمال أفضلها وأحسنها وهناك أدناها, إذاً هناك تراتبية في الأعمال بينتها السنة والأمثلة في السنة زاخرة بل السنة أعطنا نموذج وطريقة لتطبيق هذا المنهج في الواقع البشري.

عبد الصمد ناصر: هو منهج الحياة إذاً.

سعد الدين العثماني: هو منهج حياة متكامل, المسلم يفيد الإنسان في حياته الدنيوية كما يفيده في حياته الدينية.

عبد الصمد ناصر: يعني يفيد الإنسان دنيوياً وفي الآخرة أيضاً, ما فوائد إذاً العلم بمراتب الأعمال وتأثيره على حياة المسلم؟ كيف يمكن أن يؤثر إدراك هذا الفقه إدراك مراتب الأعمال على حياة المسلم؟

سعد الدين العثماني: هو هذا يعالج كثير من الاختلالات في حياة المسلم, فهو يجعل المسلم يحوز على أعلى درجات الأجر على الأقل أولاً وقبل كل شيء في أجره عند الله يحوز أعلى درجات الأجر, مثلاً عندما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة" فهو يفاضل بين صلاة الجماعة وصلاة الفرد فهو يدفعنا إلى أن نحوز أعلى الدرجات وأعلى الأجور في الصلاة نفسها وعندما يوجهنا إلى أن أفضل الصيام هو صيام داود عليه السلام صيام النفل أفضل الصيام صياد داود عليه السلام يصوم يوماً ويفطر يوماً فيهدينا إلى أنه عندما نريد أن نصوم صيام النفل أحسن أنواع الصيام وأفضلها وأكثرها أجر هو صيام داود ليس استرسال الصيام أن يصوم الإنسان باستمرار كل يوم لا, عليه أن يصوم يوم ويفطر يوم, إذاً على الأقل من الناحية الدينية في ربح الأجر فقه مراتب العمل يجعل الإنسان يعمل ربما يعمل أحياناً قليلاً ويَأجَرُ كثيراً لأن الإنسان عندما لا يكون عالِماً بمراتب الأعمال قد يعمل كثيراً ثم في نهاية المطاف يكون أجره قليل, لكن الفقه مراتب الأعمال عندما يدرك الإنسان أن عمل معيناً فيه أجر أعلى ولو كان قليلاً ولو كان الجهد الذي ينفق فيه قليل فهم سيذهب إلى هذا, مثلاً عندما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت" فيُبَيِنُ لنا بأن في الذكر وفي الاستغفار هناك سيد ومسيود هناك فاضل ومفضول, فالإنسان عندما يدرك هذا يذهب إلى الفاضل ولو كان جهده أقل لأن العبادة لم توجد في الإسلام للمشقة ليس الهدف منها هو المشقة أن تَشِقَ على الإنسان لكن عندها أهداف أخرى دينية ودنيوية إذا عرف الإنسان أفضل الأعمال يحوز أفضل الأجور بأقل الجهود.

عبد الصمد ناصر: نعم نحن نعلم بأن الأحكام الشرعية ليست على درجة واحدة, فهل كل أمر أو كل الأوامر التي ترد في الكتاب والسنة هي واجبة أم أن هناك أيضاً لهذه الأوامر مراتب؟

سعد الدين العثماني: ما ذكرناه من مقدمات أخذها علماء أصول الفقه ووضعوا منهجية لمعرفة الحكم الشرعي فقسموا الأحكام التكليفية إلى واجبٍ ومندوب ومباح ومكروه وحرام, أي أن المأمورات الشرعية فيها واجب ومندوب أي أنها مراتب وبينوا أن الواجب أنواع هناك الأركان التي هي في قمة الواجبات وهناك ما هو أقلها في درجة الوجوب وفي المندوبات أو المستحبات هناك ما هو مندوب مؤكد عليه أكثر ما يسمى السنة المؤكدية لدى الفقهاء وما هو مؤكد عليه بدرجة أقل مثلاً ما يسمى سنة الفضيلة وفي الممنوعات الشرعية والمنهيات هناك أيضاً مكروهات وهناك محرمات والمحرمات نعرف كما رأينا في الآية القرآنية التي صدر بها البرنامج هناك كبائر وهناك صغائر {إن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} وصف الله سبحانه وتعالى عباده {والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ والْفَوَاحِشَ إِلاَ اللَمَمْ} فبَيَنَ أن المنهيات الشرعية والمحرمات فيها كبائر وفيها لمم فكذلك الإنسان يجب أن يعرف هذا الوزن ويعرف قيمة كل عمل فبطبيعة الحال هذا عنده تطبيقات ذكرتها السنة النبوية في كثير من المستويات مثلاً عندما يصلي الإنسان صلواته الخمس ويصوم رمضان فهذا يغفر الله له به السيئات أو اللمم الصغائر لكن الكبائر تحتاج إلى توبة ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مُكَفِرَات لما بينهن ما اُجتُنِبَتْ الكبائر" أو كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم أي أن الكبائر تحتاج إلى توبة والحسنات الأخرى غير كافية لتُغْفَرْ الكبائر, فمعرفة هذا الترتيب في المنهيات وفي المأمورات يفيد كثيراً في حياة المسلم الدينية والدنيوية.

عبد الصمد ناصر: هذا عن الأوامر ماذا عن النواهي؟ هل يكون النهي دائماً للتحريم؟ وهل أيضاً للنواهي مراتب؟

سعد الدين العثماني: نعم هو ما ذكرته أي أن المنهيات الشرعية فيها كبائر وفيها صغائر وأن الكبائر فيها أكبر الكبائر كما ذكرت بعض الأحاديث وفيها ما هو أقل منها وفي الصغائر هناك أيضاً هي مراتب فالمنهيات أيضاً بطبيعة الحال هي مراتب وأوضحت السنة في كثير من الأحاديث هذه المراتب.

عبد الصمد ناصر: هذه المراتب يعني ما قيمة هذه التقسيمات في حياة المسلم؟ وما نتائج توخيه أو حرصه عليها؟

سعد الدين العثماني: المعرفة النتيجة الأولى كما قلنا هو أنه يحوز أفضل الأجور, لكن عندها نتيجة مهمة جداً عندما تتعارض هذه المنهيات وهذه الأوامر أو هذه المفاسد وهذه المصالح يعرف المسلم ما يُقَدِم وما يُؤخر مثلاً لنستعرض نموذج ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث مشهور فهو صلى الله عليه وسلم ذُكِرَتْ له امرأة فذُكِرَ من صلاتها وصيامها وصدقتها غير أنها تؤذي جيرانها فقال الرسول صلى الله عليه وسلم "هي في النار" وذُكِرَتْ امرأة فقيل للرسول صلى الله عليه وسلم فلانة تصلي المكتوبات أي لا تكثر لا تصلي النوافل تصلي المكتوبات وتصدقوا بالأثوار من الأقط والأثوار هو القطع القليلة من اللبن المجفف كناية على قلة صدقتها غير أنها لا تؤذي جيرانها فقال "هي في الجنة" فتبين أنه معرفة المستحبات والنوافل ومعرفة المحرمات الكبائر يؤدي إلى أن الإنسان لا يضحي بالكبيرة فيرتكبها استصغار لها ويركز على النوافل لأن التركيز على الصغير والاستهزاء بالكبير قد يؤدي إلى أن يدخل الإنسان النار والعياذ بالله هو يؤدي إلى مفاسد أخرى في الدنيا لأن كل مفاسد الآخرة تمر عبر مفاسد في الدنيا وكل مصالح الآخرة تعبر عبر مصالح الدنيا إذاً الوعي يؤدي إلى أن يعرف الإنسان ما يجتنب في حياته وما يقدم وما يؤخر.

عبد الصمد ناصر: كالذي يقوم الليل ثم تأخذه غفوة فيجد نفسه قد صحا نعم..

سعد الدين العثماني [مقاطعاً]: فينام على صلاة الفجر مثلاً هذا من الأمثلة التي يسردها العلماء كثيراً عندما يتحدثون عن هذا الفقه فيذمون مثلاً من يُكثِر من النوافل ويضر بالفرائض مثل مثلاً من يعتمر كل سنة يذهب إلى العمرة يعتمر كل سنة لكنه يترك في بلده فقراء لا يجدون ما يُغنيهم أو مرضى لا يجدون بما يعالجون أمراضهم أو إشكالات اجتماعية كثيرة لا يجد من ينفق على الناس فيها فبدلاً من أن يصرف ماله وجهده ووقته في مستحبات رغم أن فيها أجور لكن يترك ما هو أولى عند الله وعند الناس من مصالح كبيرة مثل معالجة المرضى وإغاثة الملهوفين وإغاثة الفقراء ومعالجة كثير, فصرف المال في هذه الواجبات الاجتماعية أولى من صرفه في تلك الواجبات وهذا قاعدة معروفة لدى علماء القواعد أن القروبات الاجتماعية أولى من القروبات الفردية وأن العمل المتعدي أي الذي يتعدى أجره وفضله وتتعدى منفعته إلى الآخرين في المجتمع أولى من العمل القاصر الذي فضله ومنفعته لا تتجاوز الفرد لأن ذلك الفرد العمل المتعدي هو لله أطوع وللعبد أنفع.

عبد الصمد ناصر: إذاً المصلحة العامة مُقَدَمَة عن المصلحة الخاصة.

سعد الدين العثماني: هذه قاعدة أخرى المصلحة العامة دائماً مُقَدَمَة على المصلحة الخاصة.

عبد الصمد ناصر: طيب حينما نتحدث عن أن مراتب الأعمال يبدوا وكأننا نتحدث عن مقاصد الشريعة يعني هل هما أمر واحد؟ وما العلاقة بين المراتب والمقاصد؟

سعد الدين العثماني: هناك علاقة وطيدة لماذا؟ أولاً إدراك مراتب الأعمال يتم عبر إدراك مآلات ومقاصد هذه الأعمال, لأن كثير من الأعمال في البداية يبدوا بأنها مفيدة لكن عندما ندرس نتائج هذه الأعمال وثمراتها في الواقع نكتشف أنها أحياناً تكون فيها مفاسد كثيرة ومن بين المزالق التي يقع فيها كثير من المسلمين أنهم ينظرون إلى عمل نظرة عجلة سريعة فينظرون أن فيه فائدة دينية معينة أو دنيوية فيسرعون إليه قبل أن ينظروا نظرة متأنية إلى مختلف الآثار لذلك العمل ويوازنوا ما بين ما ينتهي إليه من مفاسد في واقع المسلمين وما يتصورونه من مصالح.

عبد الصمد ناصر: هل يمكن أن نسوق بعض الأمثلة من حياتنا اليومية من الواقع الذي نعيشه؟

سعد الدين العثماني: طبيعي نتم أولاً المقاصد فلذلك المقاصد عندما قسمها العلماء مقاصد الدين عندما قسمها العلماء إلى ضروريات وإلى حاجيات وإلى تحسينات مع ذلك أنهم رتبوها, فهذه مراتب فالضروريات مثل حفظ النفس أصل حفظ النفس حفظ العقل حفظ المال حفظ الدين قبل حفظ النفس أصولها هذه الضروريات ثم الحاجيات هي ما يتم فيه مصالح معينة التي الإضرار بها يؤدي إلى مشقة لكن لا يؤدي إلى الإضرار بأصل الدين وأصل النفس, إذاً هناك مراتب في مقاصد والمقاصد هي الأهداف العامة التي تهدف إليها الشريعة إما عموماً وإما في الأعمال.

عبد الصمد ناصر: هناك نقطة لها علاقة بالأمر تحدث عنها الإمام ابن لقيم الجوزية قال بأن انشغال الإنسان بالأعمال المفضولة عن الفاضلة هو من عقبات الشيطان, كيف ذلك يا دكتور سعد؟ يعني السؤال أليست المفضولات والفاضلات من حسنات الأعمال؟

سعد الدين العثماني: كلها حسنات لكن هو ابن لقيم قسم العقبات التي يعترض الإنسان تعترض الإنسان من قبل الشيطان إلى سبع عقبات كلما تجاوز عقبة عصاه تجاوز عقبة حاول أن يقف له في العقبة الموالية العقبة الأولى هي الكفر فإذا آمن بالله وعصاه فيها وقف له في العقبة الثانية هي البدعة فإذا تعلم الدين والسنة فعصاه فيها وقف في العقبة الثالثة هي الكبائر فإذا وعى الكبائر وعرفها فتجنبها وقف له في العقبة الأخرى التي هي الصغائر فإذا تجاوز هذه العقبة إما باجتناب الصغائر أو بالتوبة واجتذاب ملكة التوبة منها وقف له في العقبة الأخرى التي هي المبيحات فيكثر من المبيحات أي بدون أجر فيمضي حياته وليس له فيها فائدة فإن عصاه في هذه فأطاع الله أكثر من الطاعات وقف له في العقبة الأخرى التي هي صرفه عن العمل الفاضل إلى العمل المفضول ذلك أن الشيطان إذ لم يستطع صرف الإنسان عن العمل الصالح يحاول أن يقلل الأجر الذي يكتسبه في الفعل الصالح فمثلاً إذا كان عنده عمل فيه عشر حسنات وعمل فيه مائة أو سبعمائة حسنة فإذا أراد أن يأتي العمل الذي فيه سبعمائة حسنة يقول لا هذا أفضل فيحاول أن يزين له العمل الأقل فضلاً ليقلل فضل والأجر ففعلاً هذه من عقبات الشيطان التي يجب أن ينتبه الإنسان المسلم حتى لا يصرف عن العمل الفاضل العمل المفضول وهذه كثير في حياتنا وكثير في واقع المسلمين.

عبد الصمد ناصر: دكتور سنتوقف قليلاً مع فاصل ثم نستأنف نقاشنا هذا حول فقه مراتب الأعمال ونعود إليكم بعد هذا الفاصل فابقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

الشريعة دين ودنيا, عقل ونقل

عبد الصمد ناصر: أهلاً بكم من جديد في برنامج الشريعة والحياة, في هذه الحلقة نناقش فقه مراتب الأعمال وأهمية هذا الفقه في حياة المسلم معنا في هذه الحلقة الدكتور سعد الدين العثماني كنا نتحدث قبل قليل دكتور سعد الدين عن انشغال الإنسان بالأعمال المفضولة عن الفاضلة وقلت بأنه من عقبات الشيطان أحياناً تتعارض الأعمال بين حسنات وسيئات أو بين حسنات وحسنات وسيئات وسيئات يعني كيف يمكن أن يتصرف الإنسان في مثل هذه الحالات؟ وهل من أمثلة من الواقع؟

سعد الدين العثماني: فعلاً حياة الإنسان كلها ليس فيها حسنات خالصة ولا سيئات خالصة, الحسنات دائماً ممتزجة بالسيئات أي أن المصالح ممتزجة تتداخل هذه طبيعة الحياة البشرية كما خلقها الله سبحانه وتعالى, لذلك يحتاج الإنسان إلى أن يوازن عندما تتعارض له حسنة مع حسنة أو سيئة مع سيئة أو تتعارض له سيئة مع حسنة وهذا كثير في واقع المسلم ولكن أريد أن أبدأ بمثال من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في حديث في البخاري لعائشة رضي الله عنها "لولا قومك حديث عهد بشرك أو بكفر لنقدت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم" فهناك مصلحة وهي أن الكعبة غير مبنية على قواعد إبراهيم فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يهدمها ويبنيها على قواعد إبراهيم.

عبد الصمد ناصر: نعم كما كانت.

سعد الدين العثماني: لكن هناك مفسدة أخرى يمكن أن تترتب عن القيام بهذه المصلحة وهو أن العرب نتيجة أنهم أَلِفُوا الكعبة كذلك وأنهم يقدسونها ومكانة الكعبة في النفوس ستؤدي إلى أن الناس وخصوصاً غالبية العرب حديث عهد لم يفهموا هذا فقد يسبب هذا فتنة قد يؤدي بهم إلى الكفر.

عبد الصمد ناصر: قد يشوش على إيمانهم.

سعد الدين العثماني: يشوش عليهم فالرسول صلى الله عليه وسلم قال بأن هذه المصلحة مرجوحة بالمفسدة التي يمكن أن تترتب عليها فهذا نوعه من الترجيح الذي يمكن أن يقوم به كل إنسان في واقعه العملي وبالتالي فيختار الراجح إن كانت المصلحة الراجحة فيقدم على العمل وإن كانت المفسدة هي الراجحة فيحجم عن العمل وهذا يقع كثيراً فمثلاً يمكن الإنسان مثلاً عندما يؤذن أذان الصلاة الواجب هو أداء الصلاة لكن يمكن أن يكون إزاءه غريق إنسان يريد أن يغرق فيجب أن يسرع إلى إنقاذ الغريق قبل أن يعود إلى الصلاة, مثلاً ذات مرة الإمام مالك ابن أنس كان جالس في المسجد ومالك ابن أنس من بين أكبر العلماء الذين اشتهروا بحسن تطبيق هذه القواعد وأصول مالك في الاستحسان وفي غيرها مبنية على نظرات ما يسمى مآلات الأفعال وهي في نهاية المطاف هي فقه مراتب الأعمال وفقه الترجيح بين الحسنات والسيئات, ذات مرة كان جالس في المسجد وأحد تلامذته أبن وهب يقرأ عليه السنة الحديث فأَذَنَ العصر أو المغرب فقام هذا ليصلي النافلة ركعتين بعد الأذان بين الأذان والإقامة فقال له إلى أين؟ فجمع كتبه وقام فقال إلى أين؟ قال أصلي قال ما الذي قمت إليه بأفضل من الذي كنت فيه إن صحت النية؟ ففاضل بين النافلة وبين العلم فالاشتغال بالعلم أولى من الاشتغال بالنافلة هاتان حسنتان لكن حسنتان..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: في المفاضلة بينهما نرجح..

سعد الدين العثماني [متابعاً]: يجب أن نقدم ما حقه التقديم ونرجح ما يجب أن يرجح ما هو الأفضل في حياة الإنسان وفضل العلم معروف الرسول صلى الله عليه وسلم يقول "فضل العلم خير من فضل العبادة" في الحديث الآخر العلماء .. الأنبياء يعني يقارن الرسول صلى الله عليه وسلم بين العلماء والعبدة وبين فضل العلم بفضل العبادة ويُبَين بأن فضل العبادة العلم أعلى بكثير من فضل العبادة.

عبد الصمد ناصر: حتى من بين العمل عبادة أيضاً.

سعد الدين العثماني: بين العمل والعبادة لا شك, العبادة النافلة بطبيعة الحال فالعمل عندما يرتزق به الإنسان وذات مرة في حديث آخر..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: نعم هذا الذي كنت أريد أن أسألك عنه هذا الصحابي الذي كان متفرغ للعبادة والنوافل وكان أخوه هو الذي يتكفل بإعانته.

سعد الدين العثماني: لا هو الحديث الأصح هو أن في سفر من الأسفار كان هناك صائمون وكان هناك مفطرون, فطبيعة الحال في السفر هناك رخصة الفطر, فنزل المسافرون مع الرسول صلى الله عليه وسلم فالصائمون كانوا متعبين من العطش ومن التعب فقام المفطرون فبنوا الأبنياء الخيام.

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: وساعدوهم وحفروا لهم الخيم

سعد الدين العثماني [متابعاً]: وساعدوهم واهتموا بدوابهم فقال الرسول صلى الله عليه وسلم "ذهب اليوم المفطرون بالأجر".

عبد الصمد ناصر: لو نسمع رأي الدكتور فيصل مولوي وهو نائب رئيس المجلس الأوروبي للبحوث والإفتاء دكتور فيصل بما أن الحديث عن فقه مراتب الأعمال هو حديث عن مراتب الحكم الشرعي فما تأثير الواقع على الحكم الشرعي؟

فيصل مولوي- نائب رئيس مجلس الإفتاء الأوروبي: بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عبد الصمد ناصر: وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

فيصل مولوي: تحياتي لك ولضيفك الكريم الأخ سعد الدين العثماني.

عبد الصمد ناصر: شكراً لك.

فيصل مولوي: ونرجو أن نلتقي إن شاء الله دائماً على خير, أنا أقول مراتب الأعمال ترتبط بشكل كامل بالحكم الشرعي بهذه الأعمال, الحكم الشرعي يؤخذ دائماً من النص والأستاذ سعد الدين تحدث عن كثير من النصوص في هذا الموضوع, الذي أريد أن ألفت النظر إليه فعلاً هو أثر الواقع على هذه النصوص هناك في التاريخ يعني مجال واسع من الفرق واسع بين النظرية الشيوعية التي تعتبر أن الواقع الذي يخلق الدين والقيم والأخلاق ليس فقط يؤثر فيها فإنما ينتجها وأن مثل هذه الأمور وسائل الإنتاج حتى وهي أحد جوانب الواقع لها التأثير الأكبر في هذا الواقع, إسلامياً كان الظاهريون يعتقدون أن النصوص لا علاقة لها بالواقع ويجب أن تنفذ على ظاهرها لكن مجموع علماءنا الآخرين كانوا دائماً يبحثون عن العلة وعن مقاصد الشريعة لتطبيقها من خلال هذه النصوص, الذي أريد أن أشير إليه أيضاً بضرب مثال على هذا الأمر وهو مثال الخروج المسلح على الإمام, أيام الخلفاء الراشدين طبعاً معروف أن النصوص متعارضة بعضها يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويفهم منه الناس بضرورة الخروج على الحاكم إذا انحرف من أجل إزالة المنكر بعض النصوص الأخرى تأمر بالسمع والطاعة لولي الأمر حتى ولو ارتكب بعض الانحراف أو الظلمات في أيام الخلفاء الراشدين لأن الأئمة كانوا أئمة عدل أكثر الصحابة الكرام كانوا ينكرون الخروج على هؤلاء الأئمة حتى لما خرج بعض الناس على سيدنا عثمان رضي الله عنه كان الصحابة كلهم ينكرون ذلك لكنه نهاهم عن القتال دفاعاً عنه فلم يقاتل إنما مع سيدنا علي لما خرج بعض الناس عليه كان أكثر الصحابة يقاتلون معه فأكثر الصحابة كانوا ينكرون الخروج على إمام العدل لكن عند في عهد بني أمية بدأ أكثر العلماء والأئمة يميلون إلى إباحة الخروج المسلح وهذا كان حتى هو ما نسب إلى أئمة المذاهب الثلاثة بالتشجيع أو السكوت عن هذا الخروج المسلح, لكن بعد ما استمرت الثورات والخروج المسلح فترة من الزمن وأدت إلى نتائج أضرت أكثر بكثير من المنكرات التي خرج الناس عليها, بدأ أهل السنة والجماعة كلهم يميلون إلى الرأي الذي يمنع الخروج المسلح فهذا الواقع تغير بين عهد الخلفاء الراشدين وبين عهد الأمويين وبين نتيجة التجارب فيما بعد إلى أن وصلنا إلى هذه النتائجيات.

عبد الصمد ناصر: دكتور فيصل أنت تقودنا إلى حديث العامل الزمني في تحديد مراتب الأعمال؟

فيصل مولوي: نعم ما هو لأن الواقع يتغير بتغير الزمن والعامل الزمني صحيح له أثر كبير.

عبد الصمد ناصر: دكتور فيصل مولوي نائب رئيس المجلس الأوروبي للبحوث والإفتاء شكراً لك نعود مرة أخرى لضيفنا الدكتور سعد الدين العثماني يعني لو تحدثت عن كيفية تحديد هذه الأولويات كيف يمكن تحديد مراتب الأعمال؟ وما هي الوسائل التي تمكننا من المعرفة بها؟

سعد الدين العثماني: عندما تكون مراتب الأعمال في مجال ديني بحت النصوص هي التي تحددها, فالشريعة هي التي تقول أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد على الرغم من أنه عقلاً يمكن أن نفهم أن هذه أفضل من هذه لأن فيها مصالح لكن دينياً الشرع النصوص الشرعية..

عبد الصمد ناصر [مقطعاً]: هي الحكم..

سعد الدين العثماني [متابعاً]: تحدد الأفضلية هنا لكن عندما تتعلق الأمور بأمور دنيوية..

عبد الصمد ناصر [مقطعاً]: ومتغيرات..

سعد الدين العثماني [متابعاً]: أمور دنيوية لأن أمور الشريعة فيها ما هو ديني وما هو دنيوية الأصل فيه هو أن نرى آثاره في الواقع البشري المصالح المترتبة عليه بسبب ما آلت فيه, هنا أن دل يتدخل على زيادة المبادئ الموجهة الشرعية العام يتدخل العلم والمعرفة البشرية يتدخل العقل تتدخل التجربة التجارب الإنسانية هذه كلها أمور تستحضر لنعرف ولذلك الدعاة إلى الإسلام عندما يريدون أن يقدموا على عمل يجب أن يدرسوا آثاره في الواقع ودراسة الأثر في الواقع هذه معرفة بشرية تتم عن طريق علوم اجتماعية أو علوم الإحصاء أو التجربة الإنسانية الحديثة إذاً ندمج في هذا المعرفة بالآثار ندمج فيها ما هو شرعي بما هو عقلي معرفي علمي إنساني وليس هذا هو المجال الوحيد الذي يندمج فيه المعقول بالمنقول بل مختلف المجالات المرتبطة بحياة الإنسان يندمج فيها الشرع بالعلم الوضعي يندمج فيها العقل بالنقل ويجب ألا نجعل تعارضاً بين هذه المجالات بل هي كلها مندمجة.

عبد الصمد ناصر: إذاً هل من التبسيط لمراتب الأعمال أن يتم حصرها في الدائرة الفقهية المحدودة التقليدية؟

"
مراتب الأعمال تحتاج إلى نظرة نافذة للإنسان، وله أن يستعين بمختلف علوم الاجتماع عندما تتعلق بالواقع البشري، وعلوم السياسة والاقتصاد وبكل ما يمكن أن يستعان بها لمعرفة المصلحة
"
سعد الدين العثماني: لا هي مراتب الأعمال تحتاج إلى نظرات نافذة للإنسان, يدخل فيها يمكن أن نستعين فيها بمختلف العلوم علوم الاجتماع عندما تتعلق بالواقع البشري بعلوم السياسة بعلوم الاقتصاد بعلوم بمختلف العلوم يمكن أن يستعان بها لمعرفة على حسب العلم الذي على حساب العمل الذي نعنيه لكن إن كانت الأعمال دينية فالنصوص هي التي تحدد مراتبها والأجور المترتبة عليها لمصالح الآخرة.

عبد الصمد ناصر: هناك تساؤل من مشاهد لكن تساؤل عبر الموقع الإلكتروني يقول دكتور وهو المشارك عبد العظيم المراغي من مصر وهو مشارك دؤوب دائما يشاركنا في البرنامج يقول تخبرنا السنة أنه يوجد كثير من الأعمال الصغيرة بأنها تعادل الأعمال الكبيرة في الأجر يقول مثال سورة الإخلاص تعادل ثلث القرآن وبعض الأدعية التي تساوي عتق رقبة إلى آخره, فكيف يتساو لقارئ القرآن كاملاً أن يتساوى مع قارئ صورة الإخلاص ثلاث مرات؟

سعد الدين العثماني: هذا مثل ما ذكرنا من مثال ليلة القدر, كيف إحياء ليلة واحدة تساوي إحياء ليالي سنوات كثيرة.

عبد الصمد ناصر: هو يتساءل عن السر الفلسفي.

سعد الدين العثماني: هذا الجانب هذا التفاضل في هذه الأمور فيها جوانب متعددة الجانب الأول جانب يختص به الوحي بما نأى الله سبحانه وتعالى يضع لنا علامات ورموز الالتزام بها هو مقصد شرعي في حد ذاته وما جعلنا القبلة التي كنا عليها إلا لنعلم كثير من الرموز الشرعية كثير من الأوامر الشرعية من بين مقاصدها هو إظهار الطاعة لله, لكن لا شك أن عندها جوانب أخرى أما جوانب فكرية عقدية فسورة الإخلاص من ناحية المعاني التي تتضمنها هي معاني سامية عاقلة هي أصول العقيدة.

عبد الصمد ناصر: هل يكون ربما معادلة؟

سعد الدين العثماني: إن في الإسلام العقائد ومعرفتها والوعي بها واعتقادها والإيمان بها وتأثيرها في واقع الإنسان هي أعلى درجات المصالح الشرعية بصورة خاصة.

عبد الصمد ناصر: نعم نجيب الأخ على التساؤل هل معادلة قراءة سورة الإخلاص تعادل قراءة القرآن بأكمله في الأجر أم لفضلها؟

سعد الدين العثماني: لا يتساوى في الأجر وفضلها لأن المعاني الموجودة في بعض سور القرآن هي معاني يجب أن ينظر إليها من حيث تأثيراتها في قلب الإنسان.

عبد الصمد ناصر: هناك من يقول بأنها تعادل في الفضل فقط وليس في الأجر.

سعد الدين العثماني: والفضل والأجر يتساويان لا يمكن لشيء أن يكون فاضل ولا يكون التركيز عليه والاهتمام به أكثر يزيد الأجر لأن الإسلام يتساوى في هذه الفاضل والأكثر أجراً.



التراتبيات وثوابت الشريعة

عبد الصمد ناصر: طيب نسمع رأي علي السعد المشاهد علي السعد من الولايات المتحدة تفضل أخ علي.

علي سعد: السلام عليكم.

عبد الصمد ناصر: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

علي سعد: أخي عبد الصمد تحياتي لك ولضيفك الكريم ولكل العاملين في جامعة قناة الجزيرة لأن أنا بالنسبة لي أسميها جامعة لأن إحنا نتلقى دروسنا يومياً منها وفي كثير بدأوا يتخرجوا منها.

عبد الصمد ناصر: بارك الله فيك.

علي سعد: على العموم سيدي أنا سمعت الدكتور في بداية لقاءه معك تتكلموا عن الكبائر والكبائر وإلى آخره ولم يذكر فيها لأن عند الله سبحانه وتعالى الله سبحانه وتعالى يقول أن هدم الكعبة على حجر حجر يعني أهون عند الله من قتل رجل مؤمن طبعاً هذه أحد الكبائر وأكبر الكبائر طبعاً الدكتور لم يتطرق إليها, السؤال الثاني سؤالي هو سمعت الدكتور يتكلم عن إلا اللمم هناك كثير من في المهجر لا يفهم معنى اللمم.

عبد الصمد ناصر: الصغائر قال الدكتور الصغائر.

علي سعد: نعم الموضوع الثاني هو في كثير منا يشتغلوا في مصانع، مصانع في أميركا والأوقات مختلفة عليهم فالكثير ما عنده الإنترنت أن يسأل عن طريق الإنترنت ولا عنده مساجد أنه يسأل ولا حتى يتحصل على علماء لكن من خلال قناتكم يستطيع.. اسمي علي سعد مش علي السعيد.. هو يستطيع أن يفهم حالياً في ناس تقولك أنا الآن ما لا أستطيع أدرك الصلاة يعني الخمسة فروض أنا أقدر أروح من العمل وأقضيها كلها يعني في بعضهم يجمع فرضين ويجمع ثلاثة, فما هو الأفضل أن يؤدي الصلاة هذه أو أن يتركها؟ فهذا سؤالي لكم وأشكركم على اهتمامكم وتحياتي لكم جميعاً.

عبد الصمد ناصر: طيب الدكتور سيجيبك شكراً لك علي سعد يمكن تجيب عن سؤاله؟

سعد الدين العثماني: نعم أول مسألة تحدث عنها الأخ وأنا أوافقه تماماً والحديث عن القتل فالقتل من الكبائر الكبرى قتل الإنسان من الكبائر الكبرى في الشريعة وهو من ضروريات النفس التي يجب ألا تُنتهك ولذلك فالجرائم التي ترتكب أحياناً هي من أكبر الفظائع التي تهز عرش الرحمن والتي هي مستنكرة لذلك كانت جريمة القتل كانت عقوبة القتل في الإسلام عقوبة قاسية جداً, بالنسبة للمم هي السيئات الصغائر التي تلم سميت كذلك لأنها تلم إلماماً خفيفاً بإيمان الإنسان وسميت الكبائر بالتي تصيب المقتلة الجراحات التي تصيب المقتلة وهي في هذه الفكرة تصور الإيمان مثل جسد الإنسان فعندما نقول تصيب المقتلة كما قال سلمان الفارسي في حديث مشهور ما لم تصب المقتلة أي أن الصلوات الخمسة يكفر الله بها سيئات الإنسان ما لم تصب المقتلة أي ما لم تصب عضواً خطيراً من أعضاء الإنسان فتقتله عندما يشبه الإيمان بالإنسان أما اللمم فهو الذي يلم بالإنسان لمم كثير, بالنسبة للسؤال الأخير هو يؤدي الصلاة لوقتها دائماً ضرورياً هذا من أعلى المصالح أداء الأركان لكن عندما تتعارض يمكن أن يأخذ بالرخص إن لم يستطع أن يؤدها كلها في وقتها يمكن أن يجمع صلاة الظهر والعصر كرخصة وليس أن تكون دأبه للإنسان أو يجمع المغرب والعشاء وإن لم يستطع أن يؤدي الصلاة لوقتها واقفاً يؤديها جالساً إذا هناك رخصة لكن يجب ألا يجمع الصلوات كلها في المساء هذا عكس المراد الشرعي حتى من الصلاة وعكس تحديد أوقات في صلوات معينة التي هي المقصود منها مقاصد منها كثيرة لكن منها أن يتذكر الإنسان الله سبحانه وتعالى في أوقات مختلفة من اليوم وجمع الصلاة في آخر اليوم معصية لا شك فيها.

عبد الصمد ناصر: هناك مشاركات عبر الهاتف من مشاهدين عمر سفرجي من السعودية تفضل أخ عمر.

عمر سفرجي: السلام عليكم.

عبد الصمد ناصر: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته تفضل أخي.

عمر سفرجي: أقول لضيفك بارك الله في علمك وزادك الله.

عبد الصمد ناصر: شكراً لك.

عمر سفرجي: الرسول عليه الصلاة والسلام.

عبد الصمد ناصر: صلى الله عليه وسلم.

عمر سفرجي: في حديث صحيح يقول "نية المرء خير من عمله" ما واقعه في الأعمال شكراً جزيلاً.

عبد الصمد ناصر: شكراً لك أبو أسامة من سويسرا تفضل.

أبو أسامة: نعم السلام عليكم أخي عبد الصمد دقيقة فقط.

عبد الصمد ناصر: نعم تفضل يا أخي.

أبو أسامة: الأمر إذا كانت له قرينة تدل على الجزم فهو الفرض وألا فهو مندوب أو مباح والنهي إذا كانت له قرينة تدل على الجزم فهو الحرام وإلا فهو المكروه والفروض لا تخيير فيها للمسلم وإنما هناك ما يسمى عند الفقهاء بتزاحم الفروض مثل الجهاد والعمل ضمن كتلة سياسية لإيجاد الدولة الإسلامية وأود أن أشير هنا إلى الدين الذي هو مقدم على كل شيء وأذكر بفرض الفروض الذي فيه الخليفة التي على يده تقام بقية الفروض معطلة من إزالة الحدود القائمة بين المسلمين وتوحيد الجيوش وتطهير بلاد المسلمين من الكفار.

عبد الصمد ناصر: الفكرة واضحة.

أبو أسامة: وتطهير الشرق داخلياً في بلاد المسلمين.

عبد الصمد ناصر: أبو أسامة الفكرة واضحة شكراً لك أحيل سؤال عمر سفرجي وسؤالك إلى دكتور سعد الدين العثماني، عمر سفرجي سأل قال كيف يتساو النية مع العمل وفقاً أو مصداقاً لقول صلى الله عليه وسلم "نية المرء خيراً من عمله" ونفس السؤال تقريباً يطرحه الأخ من مصر يقول إنما الأعمال بالنيات وكيف يتساو من بذل في مخيلته أداء فريضة أو عمل صالح مع شخص يقوم بأدائها بالفعل؟

سعد الدين العثماني: أولاً يجب ألا نقوم بنوع من التعارض بين النية والعمل فحديث الرسول صلى الله عليه وسلم الصحيح.

عبد الصمد ناصر: عليه الصلاة والسلام.

"
"إنما الأعمال بالنيات" يُبَيِن أن النية جزء من العمل، فنية المرء خير من عمله هذا ليس حديثا صحيحا وإنما كلمة مأثورة وفي عمق معناها غير صحيح
"
سعد الدين العثماني: إنما الأعمال بالنيات يُبَيِن أنه النية جزء من العمل فنية المرء خير من عمله هذا ليس حديثاً صحيحاً وإنما كلمة مأثورة وفي عمق معناها غير صحيح, لكن عندما ينوي الإسلام عمل خير ثم يجد عارضاً من العوارض يمنعه من أن يقوم بهذا العمل فيؤجر على نيته.

عبد الصمد ناصر: كمن ينوي أداء الحج فيعيقه عائق.

سعد الدين العثماني: يعيقه عائق أو أي عمل خير سيعوقه عائق.

عبد الصمد ناصر: إذاً النية تعادل.

سعد الدين العثماني: لا تعادله لكن يؤجر على نيته.

عبد الصمد ناصر: لا تعادله.

سعد الدين العثماني: لكن إذا كانت عنده نية ثم أتى بالعمل فيكون أجره أكبر من أجر من ينوي فقط على حسب إخلاص الإنسان لأن بالإخلاص تتفاوت الأعمال وتتفاوت مراتب الناس بالإخلاص, المهم أنا هنا أريد أن أذكر.

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: لنرد على الأخ أبو أسامة من سويسرا حينما قال أن حفظ الدين مقدم على كل شيء وتحدث عنه.

سعد الدين العثماني: لا شك في أن حفظ الدين هو من أعلى المقاصد.

عبد الصمد ناصر: قال أن هذا يقتضي الجهاد ويقتضي إقامة الدولة على الخلافة.

سعد الدين العثماني: لا حفظ الدين ليس بالضرورة إقامة خلافة هذا كلام آخر, حفظ الدين واجبات الدين المنصوص عليها في القرآن والسنة واضحة فحفظ أصل الدين هذا من أوجب الواجبات لا يمكن للأمة أن تسمح في دينها ولا للمجتمعات أن تسمح في دينها تصبح بدون دين ولا يمكن وأعلى مراتب الدين هو العقيدة والإيمان بالله ورسوله وما أُمِرنا بالإيمان به في النصوص الشرعية الصحيحة وهذا أعلى مراتب الدين..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: نعم نحن من بداية الحلقة..

سعد الدين العثماني [متابعاً]: القيام بفرائض الدين الأركان هذا هو الدين كما شرحه القرآن وشرحته السنة.

عبد الصمد ناصر: نحن من بداية الحلقة نتحدث عن أهمية إدراك فقه المراتب بالنسبة لحياة المسلم وما يعوده عليه ذلك من أجر وثواب في الدنيا والآخرة لو نتحدث عن سلبيات غياب فقه مراتب الأعمال لأن المشكلة في أن إدراك هذه الأهمية أو إدراك أهمية مراتب الأعمال قد يكون أو يكاد يكون مغيباً تقريباً أو غائباً عن وعي إذا شئت أن تقول كل المسلمين, فما خطورة أن يكون المؤمن غير واع بهذه المراتب فقه المراتب؟ وهل يمكن أن تسوقنا بعض الأمثلة التي قد ينتج عن غياب هذه المعرفة عن المسلمين؟

سعد الدين العثماني: أول نتيجة لغياب فقه مراتب الأعمال هو أن الإنسان قد يعمل العمل الكثير فتكون نتيجته في الدنيا وفي الآخرة قليلة جداً, فيضيع الوقت ويضيع الجهد فقد يضيع المال للوصول إلى نتائج قليلة ولو أعطى ذلك الجهد والمال والوقت لأعمال فاضلة لربح في الدنيا وفي الآخرة أكثر ونحن نعرف أنه أي تاجر يمكن أن يبيع سلعة في سوق أنتم تتحدثوا بالدولار بعشرة دولارات وعنده بجواره سوق آخر يمكن أن يبيع نفس السلعة بمائة دولار إذا اختار السوق الذي يبيع فيه التي سيبيع فيها بعشرة دولار سنسميه سفيهاً.

عبد الصمد ناصر: سنسميه سفيه.

سعد الدين العثماني: بالتأكيد سيختار مائة دولار نفس الشيء في أعمال التي يأتيها المسلم يجب دائماً أن يرى العمل الأفضل الأكثر أجراً الأكثر مصلحة الأكثر منفعة له ولأمته, إذاً أول نتيجة لعدم الوعي بهذا هو تضيع الأجور تضيع الأوقات وتضيع الأموال في أمور قليلة وتفويت ما هو أولى, لكن هناك سلبية ثانية وأنه غياب..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: حتى في القرآن {تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}.

سعد الدين العثماني: نعم سمها تجارة مع الله ولكن هناك سبب سلبية ثانية خطيرة هو أن كثير من المسلمين يضيعون مصالح الأمة كلها وليقوم بالواجبات الضرورية في الوقت المناسب فتضيع المصالح, مثلاً اليوم أنا تحدثت منذ قليل على معالجة الفقر مقاومة المرض مقاومة الاختلالات الاجتماعية نشر العلم والمعرفة للتسلح بها هذه أولويات.

عبد الصمد ناصر: مقاومة الاحتلال.

سعد الدين العثماني: مقاومة الاحتلال اليوم في البلدان التي هي محتلة مقاومة الاحتلال فهذه أولويات شرعية لابد أن يهتم بها فالانصراف إلى أمور جزئية صغيرة ولو كانت هي من العبادات وترك هذه الأولويات يؤدي إلى تضييع هذه المصالح الكبرى وفي النهاية تضيع حتى تلك الأمور الصغيرة التي يركز عليها الإنسان.

عبد الصمد ناصر: تؤدي إلى أمور خاطئة؟

سعد الدين العثماني: هي ممارسة خاطئة في حد ذاتها خاطئة وخطيرة لأنه تضع مصالح الأمة الكبرى تتركها وتركز على مصالح صغيرة ومنها القواعد التي ذكرناها في البداية المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة مصلحة الأمة ودينها.

عبد الصمد ناصر: حديث السفينة.

سعد الدين العثماني: حديث السفينة هو حديث يُبَيِنْ لنا أن الصحابة لما كانوا في يتحدثوا عن أن مجموعة من الناس في سفينة أصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها كما حدث الرسول صلى الله عليه وسلم.

عبد الصمد ناصر: عليه الصلاة والسلام.

سعد الدين العثماني: حاول الذين أعلاها خرق السفينة وإجراء ثقب فيها لأخذ الماء وهذا سيؤدي إلى إغراق السفينة فأن قام الناس..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: في أسفلها.

سعد الدين العثماني [متابعاً]: في أسفلها فإن قام الناس الذين هم في أعلاها بمنعهم من هذا الخرق سينجون جميعاً ستنجو السفينة وينجون جميعاً وإن لم يستطيعوا منعهم فأنهم سيغرقون جميعاً هذا معناه أن هناك أولويات تحفظ المصالح العامة لابد من الحفاظ عليها ولابد من أن تعبأ الأمة لنقول للحفاظ عليها لتتعبأ الأمة وألا ضاعت هذه المصالح وتضيع حتى الجزئيات الصغيرة التي يهتمون بها, لكن هناك نتيجة ثالثة مهمة فيما يخص غياب مراتب الأعمال وأن الإنسان قد يسيئ من حيث يريد أن يحسن وقد ذكرنا نموذج المرأة التي ذكر للرسول صلى الله عليه وسلم أنها تكثر من صلاة النفل ومن الصيام النفل لكنها تؤذي جيرانها فقال "هي في النار" وهذا فيه أمثلة كثيرة مثلاً يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "ألا أدلكم على أفضل من درجة الصلاة والصدقة والصيام قالوا بلى يا رسول الله قال إصلاح ذات البين" إصلاح ذات البين.

عبد الصمد ناصر: أنا منذ بداية الحلقة وأنا أتحدث إليك كباحث في الفقه الإسلامي أريد أن أسألك الآن بصفتك أمينا عاما لحزب العدالة والتنمية في المغرب, أين يقع الإصلاح السياسي بالنسبة لمراتب حاجة هذه الأمة؟

"
يعتبر الإصلاح السياسي من بين الأولويات ويعتبر من المصالح العامة التي يجب أن تحفظ عن طريق سياسات راشدة وتدبير راشد لشؤون المسلمين
"
سعد الدين العثماني: لا شك أن الإصلاح السياسي ما بين الأولويات فالأمثلة التي ذكرتها منذ قليل وهي مصالح عامة كيف يمكن أن تحفظ؟ تحفظ عن طريق أن تكون هناك سياسة راشدة تدبير راشد لشؤون المسلمين, حفظ لهذه المصالح الكبرى من توفير العلم والمعرفة حتى حماية الدين نفسه إنما تتم عن طريق تدبير راشد لشؤون الدين في شعوبنا في دولنا وحماية الثغور وحماية أوطان المسلمين تتم عن طريق سياسة راشدة مقاومة الفقر الإشكاليات الكبرى التي نعيشها في هذا الزمن في أغلب دول العالم الإسلامي الفقر والجهل والأمية والمرض والاختلالات الاجتماعية الكبرى معالجة هذه الاختلالات هي من أولويات الشرعية التي يجب أن يتعبأ لها الجميع والإصلاح السياسي جزء طريق أساسي وضروري لإصلاح هذا لأن هذا نظن بأن الإصلاح السياسي هو أولوية من الأولويات يجب أن يهتم بها.

عبد الصمد ناصر: دكتور سعد الدين العثماني الباحث في أصول الفقه والأمين العام لحزب العدالة والتنمية بالمغرب شكراً جزيلاً لك ونشكر كل من شاركنا سواء عبر الإنترنت أو عبر الهاتف ونلتقي في حلقة أخرى في الأسبوع القادم بحول الله.