- بدايات الشعر والموسيقى والتمرد
- رحلة الأغنية الملتزمة وأسباب التعتيم
- الغناء للحرية والوطن والأم

سامي كليب
سميح شقير
سامي كليب: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة. حين كان ضيفنا في مطلع ثمانينيات القرن الماضي يحمل عوده ويغني كان الآلاف يحملونه على الأكف والراحات محفوفين بأمله، الأمل بوطن عربي أفضل، والآن وبعد أكثر من ربع قرن لا يزال يحمل العود نفسه ومحفوفا بالأمل نفسه بوطن عربي أفضل. يسعدني أن أستضيف الفنان السوري الملتزم سميح شقير، مرحبا بك أستاذ سميح.

سميح شقير: مرحبتين.

يا زهر الرمان آن أوانك آن

تتفتح ع مجدل شمس

تتصبح على الجولان

آن أوانك يا زهر الرمان

بدايات الشعر والموسيقى والتمرد

سامي كليب: لزهر الرمان في الجولان وللمقاومة في فلسطين ولبنان ولكل إنسان محتل ومقهور وطامح لنسمة حرية غنى سميح شقير ابن جبل العرب في سوريا وحفيد أولئك الذين فجروا الثورة الشهيرة بقيادة سلطان باشا الأطرش، قرر منذ أكثر من ربع قرن أن يسير في درب الفن الملتزم، لم يأبه لفقر حال ولا للعيش في غرفة متواضعة ولا للتضييق عليه، فحوّل حياته إلى كلمة مناضلة ولحن ثائر وعود متمرد ولقمة عيش محفوفة بعرق الجبين وشرف الالتزام.

سميح شقير: حاولت أني -خليني أقل- أختزل مشاعر إنسان عم يعيش بهالمنطقة بشفافية وصدقية وبلغة الشاهد على عصر، وبنفس الوقت اللي الدافع يعني إعطاء الدافع لشباب هذا الجيل للتمسك برغبة الفعل على أرض الواقع أكثر، التمسك بأمل التغيير، لطالما يعني كانت تجربتنا الغنائية يعني حالمة بتغيير هذا الواقع وحرثه لتحقيق طموحات هذه الناس، ومن أوائل هذه الأفكار كانت هي الحرية بمعناها الكبير واللي ما بيتحدد فقط باستعادة الأرض المحتلة وإنما أيضا بتحرير الإنسان العربي من أي استغلال أو قهرية عم يعيشها بأنظمته أيضا.

سامي كليب: لنعد قليلا إلى تجربتك، إلى بداية الفن والغناء إلى بداية الكلمة الملتزمة، فهمت من خلال لقاءات سابقة معك أن أول قصيدة كتبتها كانت لفتاة أحببتها يعني لم يكن الهم السياسي هو الأساس.

سميح شقير: مو بداية طبيعية كثير يعني هذه أنه يعني بنت الجيران اللي منحبها يعني ترد كثيرا بكل أدبيات الناس، وهذه باكورة العلاقة مع الحياة تكتشفها عبر الحبيبة وتختبر ذاتك وبيطلع قديش فيك شعر أكيد بيتجلى بهيك لحظات وهذا بيدخلك أكيد بسياق وجداني عال، ولكن بالنسبة لي كان هو المفتاح فقط بالرغم من أنني بدأت بداية وجدانية يعني تلامس الأحاسيس الجمالية لكن سرعان ما تضافرت بالرؤية اللي كانت عم تتشكل الرؤية الفكرية السياسية اللي -خليني أقول- المعايشة لهموم الناس من حولي، ثقافتك..

سامي كليب (مقاطعا): ولكن تذكر أول قصيدة كتبتها لحبيبتك الصغيرة؟

سميح شقير: لا والله كنت أكتب في اليوم ثلاث قصائد ففي...

سامي كليب: كل يوم؟

سميح شقير: كل يوم في هديك الفترة يعني كان في كم كبير، طبعا بوقتها كنت أظن أني عم أكتب معلقات يعني بكل يقين كنت عم أحس هذا، ولكن فيما بعد تكتشف أن هذا كلام بسيط، أهميته أنه أسس لمرحلة وعي وتجريب وصلت لما هو أعلى من ذلك حقيقة.

سامي كليب: طيب سميح شقير طبعا حضرتك معروف كفنان ملتزم، ملتزم بقضايا شعبك يعني والشعب حين نتحدث عن الشعب، الشعب العربي بشكل عام، وملتزم بقضية الإنسان. حين نبحث عن مؤثرات الأهل لا نجد كثيرا صورة الوالد فيما تكتب وإنما الأم دائما موجودة، الوالد كما هو معروف كان ضابطا في الجيش السوري وكان مسيسا في حزب البعث، هل كان له تأثير عليك من الناحية الشعرية الغنائية؟ هل كان له بعض هذه الاهتمامات مثلا؟

سميح شقير: هلق هو شاعر حقيقة ويمكن أنا أخذت نبض الشعر من الجينات تبع الوالد ويمكن الصوت من والدتي أيضا كانت تتميز بنبرات صوت جميل.

سامي كليب: كانت تغني؟

سميح شقير: إيه، يعني بالأعراس وكذا بطفولتها يعني بهديك الفترة فقط، فهذا التأثير الجيني الجمالي يعني وصل من هون، لكن يعني مراحل الشباب اقترنت بحالة من التعارض حقيقة بالمنظور، يعني شاب جديد جاي على هالدنيا كله حماسة عنده سلوك مختلف يخرج خارج الأطر المحافظة اللي هي سمة أسرتنا، بيجيب كتب، بيطلّع كتب، أصدقاء، بيصر يستضيف صديقته بالبيت، إذاً يعني الصراع..

سامي كليب (مقاطعا): شو سر هالمشاغبة؟ من وين جبتها يعني؟

سمسميح شقير: يعني ما بعرف يمكن اكتشفتها بـ... يعني لأكون متجانسا مع نفسي بهديك الفترة يعني شعرت بأن هذا الشيء الطبيعي وكان أكيد لي أقران وأصدقاء وكنا يعني نستلهم مفاهيم جديدة وعندنا ردة فعل حقيقة..

سامي كليب (مقاطعا): في تمرد كان..

سميح شقير: إيه طبعا.

سامي كليب: واضح، تمرد على العائلة على التقاليد على المجتمع على السياسة القائمة على كل شيء.

سميح شقير: بالضبط هي الروح هي اللي روح ثورية كبيرة وتتحمل المسؤولية لدرجة مبالغ فيها يعني أنه في حال وجود هذا الصدام نتج عنه أني لقيت حالي بره البيت أيضا ومبكرا أتحمل..

سامي كليب (مقاطعا): ما السبب؟ الوالد رفض أن تنحو في هذا الاتجاه؟

سميح شقير: والله كل الأسرة لم تتحمل طريقة نظرتي للحياة، وبعدين عود دخل للبيت وقعد يشوفوه أن هذا هو اللي بده يخرب لي حياتي أو يبعدني عن النجاح في الدراسة، وللحق هو كان يأخذ طبعا من اهتمامي بالدراسة، أنا كنت يعني مفتونا بالموسيقى وبالشعر وبهالحالة اللي عم نعيشها، من حالة الحوار مع الأفكار المطروحة، من المثاقفة، نقرأ كتب ونحكي لبعض، يعني جو ناهض كثير كان في الثمانينات حقيقة.

سامي كليب: طيب المعروف أنه بشكل عام يعني عائلات الجبل في سوريا يعني ذات وضع عائلي متواضع، إذا صح التعبير، إمكانيات مادية قليلة حتى ولو كان والدك كان ضابطا أو سياسيا أو مسيسا إذا صح التعبير، هل كان شراء آلة موسيقية بالأمر السهل آلة العود التي أحببت ولا زلت مثلا؟

سميح شقير: لا هو الحقيقة كانت الإمكانيات متواضعة صحيح وهذا أخّر كثيرا بأن أشتري عودا أن أحصل على هذا العود كان صعبا، صعب المنال حتى أجاني بمرحلة متقدمة شوي على حلمي فيه، تأخر كذا سنة عن رغبتي بامتلاكه وجاء عبر عمي..

سامي كليب: عمك.

سميح شقير: عمي فارس اللي توفي مؤخرا وهو من أعز أصدقائي وكان على مقربة دائما من هالحالة المتفتحة لذهن جديد..

سامي كليب (مقاطعا): على كل حال هي المرثية الوحيدة التي قرأتها لك كانت لعمك في الديوان الشعري..

سميح شقير: صحيح، صحيح، توفي مؤخرا ورثيته بقصيدة قلت أقل ما يمكن أن يقال. بس هو كان صديق حقيقي يعني كونه درس بألمانيا من زمان يعني في عنده حالة تفتح مختلفة يعني منتلاقى أنا وإياه بمنتصف المسافة، في تقاربات فكان سند ما، هيك يعني لي حقيقة.

سامي كليب: لأبناء الأغنياء يقال عادة ولد وفي فمه ملعقة من ذهب، وأما لسميح شقير فيمكن أن يقال إنه ولد وفي قلبه الفن محفور بحروف من ذهب. عشق العود قبل أن يتعلمه وكتب باكورة قصائده وهو في مقتبل العمر وفتح عينيه على صور احتلال إسرائيل للجولان فصار يحمل عوده ويذهب إلى الشريط يغني لأهله كما يذهب المقاتل إلى الجبهة للقتال.

رحلة الأغنية الملتزمة وأسباب التعتيم

[أغنية يا الجولان يللي ما تهون علينا]

سامي كليب: الجولان كان ولا يزال في قلب ووجدان سميح شقير وهو كمعظم السوريين والعرب يحلم بأن ينتهي الاحتلال يوما وتعود الأرض السليبة، ولكن لفتني وأنا أقرأ قصته أن أول مهرجان نضالي شارك فيه كان في الجزائر وليس في بلده سوريا، حصل ذلك عام 1982 خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان.

سميح شقير: أثناء هالوضع الحار الناشئ عن الاجتياح كنت أنجزت مجموعة من الأغاني اللي عم تراقب عن كثب أو عم تحكي بتفاصيل هذا الجرح الشديد، اجتياح بيروت وهذه حالة الصمود العظيمة اللي صارت، المهم أنا بأكون قبلها انتشرت جزئيا لسه ما طرحت تجربتي وانتشرت جزئيا هيك بين أوساط طلابية أصدقاء فقط يعني، لكن وجود صديق جزائري دارس في دمشق رشحني لهذا المهرجان، مهرجان الأغنية الملتزمة، المهرجان العالمي للأغنية الملتزمة، وفعلا ذهبت بمصادفة لأبدأ مشواري أن أقف على أول مسرح أن يكون في الجزائر مصادفة بطريقي، ولكن كان هناك حضور كثير حلو للأغنية وصدى كثير جميل خلاني أعود قويا وأتابع بثقة أكثر هالنقطة اللي بلشت.

[أغنية زبانا/أول شهيد في الثورة الجزائرية]

سامي كليب: أغينة زبانا جاءت في سياق أول مجموعة غنائية وضعها سميح شقير في مستهل مسيرته الفنية النضالية، مسيرة بدأت بطريقة ثورية متمردة أكان بالشكل أو المضمون، وهذه الأشرطة هي من بين الأفلام القليلة لا بل والنادرة جدا التي وجدناها حول تلك الفترة، أغنية "السفينة" التي تعني بالنسبة له الوطن أو الحزب أو الثورة. كانت أغاني سميح شقير تباع آنذاك بعشرات آلاف النسخ أو توزع بطريقة بدائية أو سرية خصوصا أن ضيق الحال لم يسمح له بالإنتاج، لكن ضيق المساحة التلفزيونية أو الإذاعية في تلك الفترة لم يمنعه من الانتشار واسعا داخل أو خارج الوطن، وكانت مجموعته الأولى بعنوان "لمن أغني".

سميح شقير:

لمن أغني في عصر الذرة والنيترون

لمن أغني في هذا الزمن المجنون

لمن أغني

للأطفال المحروقين أغني

لركام تحته بضع قلوب

للفقراء رماد حرائق هذا العالم دون ذنوب

أنا لا أغني طربا

أغني قبل أن أتمزق قهرا

أغني هاربا

ومن التابوت أغني

كي لا أموت.

سامي كليب: حين استهل سميح شقير مشواره الفني النضالي الملتزم بدأه بطريقة تقليدية عبر السماع وليس الدراسة، ثم دخل إلى معهد موسيقي سوري، وشاءت الصدف أن يذهب إلى كييف للدارسة بمساعدة صديق روسي وذلك بعد أن وضع خمس مجموعات غنائية، وفي كييف كتب الكثير من القصائد وبينها واحدة لصديقه الشاعر العربي الفلسطيني سميح القاسم. فماذا تعني له فلسطين؟

سميح شقير: بتعرف نحن تربينا على هذا الفهم العميق لمعنى الصراع أن هو يعني الفلسطينية ما هي هوية، هي انتماء، انتماء لجرح، لقضية هي يعني قضية الصراع المركزية فعلا اللي أسست لكل مفترقات هذا الصراع، يعني وجود هذا الاحتلال هذا الاستيطان هذا التهديد الكبير لأمننا القومي عبر هذا الكيان الدخيل، فروحنا تتوضع هنا. يعني أول شيء ما اعتدنا أن نفرق يعني أو نحترم هذه الخطوط المستقيمة اللي بيسموها حدود واللي يعني يهان المرء العربي وهو يتخطاها، لم أؤمن بها يوما، وعبر حراكي بالعالم العربي لطالما شعرت بحالة من الانتماء حقيقية لهذه الأرض يعني وبالتالي من الطبيعي أنه كان المنطلق هو فلسطين كجرح مفتوح تتوزع منه كل همومنا، وأيضا شعوري بوحدة هذا المناخ العربي حقيقة وسعيت عبر حتى أغنيتي أن أتحدث باستفاضة وكما أتحدث عن الشام أتحدث عن الجزائر أو عن السودان أو عن أي دولة عربية لشعوري بأنها كلها أوطاني بشكل حقيقي وهذا لطالما شعرت فيه.

سامي كليب: يغني سميح شقير للقدس، توضع له شاشات تلفزيونية في المهرجانات الفلسطينية، يغني عبر الحدود، هو في سوريا وسامعوه في رام الله بفلسطين. وسميح شقير يغني أيضا عبر حدود الوطن الواحد، غالبا ما يحمل عوده ويذهب إلى الشريط الحدودي بين الجولان والجولان، الجولان الحالم بأن يستعيد يوما أهله من الجهة الأخرى وأن يخلصهم من براثن المحتل، هناك غنى "بيني وبين أهلي وناسي رمية حجر جنحة فرس".

[أغنية بيني وبين أهلي وناسي]

سامي كليب: كان سميح شقير كلما غنى يحمله محبوه على الراحات أو يتحلقون أمامه وخلفه وحوله، فهو ومنذ أكثر من ربع قرن شكل حالة خاصة في سوريا حاكت حالة مارسيل خليفة وخالد الهبر وأحمد قعبور وزياد الرحباني في لبنان والعالم العربي.

[فاصل إعلاني]

سميح شقير:

هيه هيه

تأدفى وبوح

مالت سنابل الهم

والندى اللي عالورد صاير سم

دبل الورد والعنب والتين

وأني حزين

سامي كليب: غنى سميح شقير للرمان والزيتون والعنب والتين كرموز للأراضي المحتلة، وغنى لأحرار العالم وناهض الاحتلال ونشد الحرية وإفراغ السجون. فهل دخل السجن في سوريا؟ وهل يشعر بحرية في بلده؟

سميح شقير: شوف هو في مراحل مختلفة لتوصيف هذه العلاقة، يعني سابقا إجت أيام صعبة يعني إجت أيام فيها حذف هذا النشاط من الإعلام، عرفت كيف؟ يعني ما استطعت خلال فترات أن أكون لا موجود في التلفزيون يعني شطبت من التلفزيون الإذاعة المسرح يعني تم التعتيم بشكل كامل على التجربة، لكن...

سامي كليب: ما السبب المباشر؟

سميح شقير: ما فيني أحدد لكن أنا أظن بأنه بمرحلة معينة يعني كانت في تحيط فيني صبغة يسارية يعني لطالما لازمتني وبيجوز..

سامي كليب (مقاطعا): ليست جرما، كنت شيوعيا، لا؟

سميح شقير: أنا لم أكن شيوعيا بالمعنى التنظيمي، أنا أقولها دائما عبر الشاشات، أنا قدمت من روح اليسار من روح العدالة الاجتماعية متأثر بالفكر الاشتراكي وهذا يشرفني كثيرا يعني وأظن بأن بلادا تنمو بلاد فيها رأسماليات متوحشة أستغرب كيف لا يكون الجميع يساريون بهذا المعنى، ينتمون لطبقة هي أوسع الطبقات هي الوضع الاقتصادي صعب..

سامي كليب: طيب ولكن أستاذ سميح شقير لا تهرب من السؤال، هل انتميت إلى الحزب الشيوعي أم لا؟

سميح شقير: لم أنتم أنا كنت بالحقيقة في تنظيم شبابي خليني أقول..

سامي كليب: اتحاد الشباب الديمقراطي..

سميح شقير: مرقت باتحاد الشباب..

سامي كليب: الديمقراطي.

سميح شقير: الديمقراطي، مرقت باتحاد الشباب، اتحاد الشبيبة أيضا يعني هذه منظمات شبابية في سن صغيرة..

سامي كليب (مقاطعا): دائرا في فلك الحزب الشيوعي، لم تنتم وإنما في هذه التنظيمات الاتحادات الشبابية القريبة من..

سميح شقير: كان من الطبيعي طبعا أن تستقطبني هذه يعني أن أكون مررت بهذه التجربة.

سامي كليب: أسألك لأنك غنيت أيضا للسودان، لزعيم شيوعي في السودان أيضا، لمحجوب.

سميح شقير: إيه يعني أنا قادم من هذه الروح الثائرة وخاصة بدك تشوف أنت الثمانينات قديش كان فيها أحلام بتغيير العالم وبالتالي يعني كان من الطبيعي أن أغني لقامة مثل محجوب انتهت هذه النهاية المأسوية وأيضا..

سامي كليب (مقاطعا): تذكر ماذا غنيت له؟

سميح شقير (متابعا): أظهرت تعاطفي مع أي تغيير حقيقي بده يصير. عفوا؟

سامي كليب: تذكر الأغنية؟

سميح شقير: إيه بتقول

بعدك عايش ببالنا

فلاحينا وعمالنا..

سامي كليب: ينادوا يا محجوب..

سميح شقير: يا محجوب مهما..

سامي كليب: سدوا دروب علينا..

سميح شقير: علينا حنكمل مشوارنا. إلى آخر الأغنية.

سامي كليب:

بعده السودان

بعده يا محجوب

مكبل بالأغلال.

سميح شقير: مكبل بالأغلال.

سامي كليب: كانت فترة التعتيم بسبب بعض الأغاني ولا لا؟

سميح شقير: ما بأظن لأنه يعني كان موجود نوع من الأغاني اللي هو قوي وله بعد -خليني أقول- إشارته عالية في المطالبة بالحريات وشيء من هذا النوع، لكن مرقت عدة سنين نحن نقدم على المسارح بهذه الروح يعني، لكن قلت لك إجت فترة هي ما بعد عودتي من أوكرانيا يعني صار في تعتيم عدة سنين، ما بعرف بالضبط كيف حدا كان عم بيفكر..

سامي كليب (مقاطعا): خوف منك كان؟ خوف من الجمهور الذي كان يحيط بك؟

سميح شقير: ما عندي فكرة، حقيقة ما عندي فكرة يعني في إبهام حول الموضوع، أنه ليش؟ رغم أنه أنت بتعرف أنه قديش في حضور، الحضور للجولان للوطن كأغنية يحتاجها البلد يعني ضمن مكونه الجبهة مع إسرائيل، وجود يعني حالة مقاومة تصدي يعني في هناك شعارات رائعة مرفوعة..

سامي كليب (مقاطعا): تحسن الوضع الآن، أستاذ سميح؟

سميح شقير (متابعا): ومع ذلك يعني أنه الفترة هذه ما مفهوم ليش حقيقة.

سامي كليب: طيب تحسن الوضع الآن؟

سميح شقير: تحسن طبعا.

سامي كليب: يعني لنكن صريحين أكثر، أنه مع الرئيس بشار الأسد صرت تشعر بحرية أكبر في حركتك مثلا؟ في غناءك؟

سميح شقير: لا هو شوف من أواخر التسعينات فعلا يعني خليني أقل صارت الأمور مقبولة أكثر، لكن عموما يعني حتى الآن -خليني أقل- حتى الآن يعني أنا ما بأشعر أنه في هالحفاوة بهذا المنجز الغنائي، وأنا ما أظن أنه في قرار مع أو قرار ضد ولكن في منهج إعلامي -لطالما حكيت بالصحف وبالتلفازات- في منهج إعلامي أعتبره قاصرا عربيا بشكل عام هناك مو بس سميح شقير هناك تجارب أخرى من ذات الدم والروح وكذا وتعرضت إلى ما تعرضنا إليه، افتح التلفزيونات لا ترى إلا نادرا و أثناء أحداث معينة ترى في حضور لهذه الأسماء، فالسؤال هو له علاقة بالمنهج، المنهج الإعلامي العربي الذي لا يستثمر فنا مختلفا رغم أن الكل بيقول لك إنه يتهاوى وضع الأغنية والأغنية مو بسياقها الطبيعي وفيها كل هذا التسطح وكل.. طيب بتقدم المختلف، لا يلتفت له ويعتم عليه أو يتعامل معه بالقطارة بظروف معينة.

الغناء للحرية والوطن والأم

سامي كليب: لم يكن اقتراب سميح شقير من المد الشيوعي سبب بعض النقمة عليه في الداخل فهو أثار السلطة أيضا حين غنى في مرحلة حساسة جدا للأكراد، أنشد أغنيته الشهيرة "لي صديق من كردستان" التي كتبها بليلة واحدة في الفندق مع صديقه الشاعر حسان عزت وكانت موجهة لصديقهما الفنان الكردي شيفان.

[أغنية لي صديق من كردستان]

سامي كليب: هذا هو مطلع الأغنية ولكن ماذا حصل حتى تثير ضجة في حلب حين عرضت؟

سميح شقير: اللي صار أنه كانت إدارة المركز بتعرف أنه حنغني هذه الأغنية لكن في حساسية لهذا الموضوع الكردي بهديك الأزمنة لحد كبير، ومع ذلك أنا رأيت من الطبيعي ليس لدينا ما نخجل فيه يعني هذا بالعكس أنا بأعتبره مؤشر كثير مهم من قلب الشعب السوري المنفتح على قضية يعني لها عدالتها يعني لها مطالب ممكن تفهمها، فاللي صار أني غنيت هذه الأغنية ويبدو أنه كان كمن يكون فخا يعني نصب لنا ليؤثر على التجربة ككل، يعني أنا تحليلي بالآخر أن هذا الشخص اللي هو مدير المركز الثقافي اللي كان يعرف أنه حنغني لم ينبهنا حتى أن، لم يمنع حتى هذه الأغنية وتركنا نغنيها..

سامي كليب: لكي يُقبض عليكم بعد..

سميح شقير: لحتى يطلع على الميكرفون ويفصل الآلات ويقول..

سامي كليب: هو نفسه طلع على المسرح؟

سميح شقير: إيه ويقول كلاما غريبا يعني مستهجن حقيقة، وعمل إثارة..

سامي كليب: أنتم أتباع صدام حسين وأنتم أتباع البعث العراقي وأنتم كذا..

سميح شقير: لا، لا مو.. أنه قال كلام غير مفهوم أنه لا تغنوا لصدام. عاد، نحن عم نغني لما عم نتعاطف مع الشعب الكردي وقتها هي بأعقاب المذبحة المشهورة..

سامي كليب: في حلبجة.

سميح شقير: في حلبجة، عرفت كيف، يعني قال كلاما غير مفهوما إن هذا شيفان ممنوع هذا كذا على المايك، المهم أنا رجعت أمسكت الميكروفون وأوضحت أنه بالعكس هذا هو رد على مذبحة حلبجة وأن هذا تضامن مع شعب يستحق الحياة إلى ما هنالك، وصارت إثارة، فيما بعد طبعا نزلوا الناس على الساحة اللي تحت وكان يوما عظيما كان يمكن يعني.. عظيم بتأثيره بحالته..

سامي كليب (مقاطعا): وفهمت أنك هُربت كمان.

سميح شقير: إيه طبعا التبس كثير الموضوع يعني الكل بيظن أنه أنا أقدمت على شيء خطير يعني لدرجة أن ممكن أسحب إلى السجن ولكن لم يحدث هذا.

سامي كليب: لم تسجن؟

سميح شقير: لم أسجن.

سامي كليب: ولا مرة في سوريا؟

سميح شقير: ولا مرة.

سامي كليب: طيب عال..

سميح شقير: وأنا سعيد بذلك. وليش أسجن، ليش؟ أنا برأيي ساويت كل ما هو مشرف وكل ما هو يعني جميل وأدافع فيه عن كل ما هو جميل في الحياة..

سامي كليب (مقاطعا): ليش كل اللي بيسجنوا في الوطن العربي بيكونوا عاملين شيء؟

سميح شقير: لا، لا، أبدا وهذا صحيح كلامك. لكن من زاويتي أنا سعيد أني لم أسجن يعني ماني هاوي سجن.

سامي كليب: ولكنك كتبت للسجان، "يا سجاني"، تذكر ماذا تقول؟

سميح شقير: بـ هيه يا سجاني؟

هيه يا عتم الزنزانة

عتمك رايح..

سامي كليب:

هيه يا سجاني

هيه يا عتم الزنزانة

عتمك رايح ظلمك رايح

نسمة بكره..

سميح شقير: نسمة بكره ما بتنساني.

سامي كليب: هيه هيه يا سجاني، لولا..

سميح شقير:

لولا أمي تركتها بعيد

لولا اشتقت لضيعتنا

ما كنت وقفت بشباك الزنزانة وغنيت لها

يا أمي العسكر بيني وبينك

لو طولت بيعلا جبينك

رضعتيني العز ويما الموت يطيب

وما تنهاني

[أغنية هيه يا سجاني]

سامي كليب: علاقة سميح شقير بأهله كانت علاقة إعجاب وصراع، فهم حاولوا ثنيه عن السير في طريق الفن ولكنهم سرعان ما أدركوا أن فنه يرفع الرأس بالتزام وليس فن البارات وعلب الليل، ومن يسمعه يغني أو يقرأ ديوانه الشعري يدرك كم أن الأم حاضرة في قلبه والوجدان، تلك الأم التي أرادته كما كل أمهاتنا في تلك الفترة طبيبا أو مهندسا فإذا بها تصاب بالخيبة بداية ثم بالفخر والاعتزاز.

سميح شقير: الوالدة لها الحضور الطاغي بالبيت وأيضا هالصراع هذا مع النشأة هذه مع المفاهيم التقليدية يعني عشناها، وهي نفسها اللي اليوم تعتبر من أقرب أصدقائي كانت بلحظة يعني ضد كل خياراتي دفعة واحدة، ولكن هذه هي الحياة، يعني اليوم وقت منقعد سوا هيك منتذكر، فتقول لي وشو عرفني أنه كان بده يطلع معك هذا الشيء العظيم مثلا اللي بعدين طلع يعني..

سامي كليب: تحب أغانيك؟

سميح شقير: كثيرا.

سامي كليب: تستمع إليها دائما.

سميح شقير: من أجمل أوقاتها اليوم هي وقت بتشوف لي مقابلة، وقت بتقرأ بجريدة عني، عندها دوسيه خاص ملف يعني أي شيء بتطالب بأي صحيفة بتكتب عني أو.. بتابع أي شيء.

سامي كليب: طيب نوجه لها تحية كبيرة..

سميح شقير: أكيد، محبتنا.

سامي كليب: وكتبت طبعا للأم ولكن لكل الأمهات حسب ما فهمت من كتابتك، ليس فقط لأمك وإنما لأي أم في أي مكان في أي زمان..

سميح شقير: أكيد.

سامي كليب: تقول في هذه العلاقة الجميلة بين الأم وحيفا الفلسطينية،

دخل الأغراب إلى حيفا

سأقرأ عنك لأنك لا تحفظ شعرك..

سميح شقير: آه بيسرني.

سامي كليب:

دخل الأغراب إلى حيفا

فزعت أمي

وازدحمت سفن في الميناء

من يعطينا وعدا بالسلم

ونحن رأينا القادم يلبس ثوب الحرب

وعن منزلنا ينفينا

أمي تعبر نهر الأردن

وتمضي نحو شتات التيه

وأمي من بقيت

بقيت من القدس..

سميح شقير: بقيت في القدس.

سامي كليب: في القدس ببيت..

سميح شقير: هي أجمل ما فيه.

سامي كليب: هي أجمل ما فيه. إلى أمك فقط أم إلى كل الأمهات؟ الأم الفلسطينية؟

سميح شقير: لا، الأم المقاومة الأم التاريخية بهالمنطقة يعني اللي هي استحضار من الأم الشخصية للأم الشعب الأم القضية يعني كلها مختصرة في هذا النص.

سامي كليب: هي الأم في رواية مكسيم غوركي يعني التي تحفظ..

سميح شقير: على طريقتي، بدون بافل.

سامي كليب: وأيضا الأم هي متكأ للأحزان للأشجان، كتبت لها أغنية جميلة "على كبر سني شو اشتهيت.."

سميح شقير:

شو اشتهيت حط راسي على صدرك

وأقول لك يا ماما..

سامي كليب: على كتف مش على صدر..

سميح شقير: على كتفك، بتيجي بمحل ثاني بالأغنية على صدرك أيضا

وأقول لك يا ماما كبر همي..

سامي كليب: يا أمي ضميني..

سميح شقير: ضميني ماما.

سامي كليب: هذه أقرب إلى أمك لا شك.

سميح شقير: إيه، إيه صح هون في تخصيص أكثر العلاقة مع الأم بأقول لها بالأغنية يعني أنه احميني من ضوضاء هذه المدينة اللي عم يسحبني إلى مكان آخر عم يجعلني مغتربا ولو في مكاني، فيها مضامين لطيفة للأغنية.

سامي كليب: لم يكتف سميح شقير بالخروج على تقاليد منطقته في جبل العرب بسوريا والاتجاه صوب الفن الملتزم وإنما جر معه -إذا صح التعبير- جرا شقيقته سهير صاحبة الصوت ذي الطبقات الكثيرة والجميلة والذي حدّ الالتزام من انتشاره خصوصا لأن شركات الإنتاج الكبيرة لم تعد تنحو صوب الكلمة المنظمة.

[أغنية رجع الصدى تغنيها سهير شقير]

سامي كليب: تعيش سهير حاليا في الإمارات العربية وتعمل في إحدى التلفزات المحلية لكي تعيش فالفن الملتزم لم يسمح لها بحياة أفضل.

سهير شقير/ شقيقة سميح شقير: يبدو أنه في تيار من محاولة تناسي ما يحصل على الساحة، يعني بتخلي الشكل العام يجمح باتجاه رفض تفكيره، يعني أنه إحنا قاعدين عم نذكر بأن انتبهوا بعد في عنا أسرى، بعد في عنا ناس معتقلين في السجون، أهلنا في سجون العدو يعني في السجون الإسرائيلية، ففي ناس ما عاد قادرين أبدا أبدا أن يتذكروا هذا الألم، بدهم يبعدوا.

سامي كليب: كرر سميح شقير وشقيقته سهير ولو بمضامين وأهداف وأزمنة مختلفة تجربة فريد الأطرش وأسمهان فهما خرجا من جبل العرب وناقضا كل التاريخ المحافظ في تلك المنطقة السورية العريقة، ولكن التزامهما لم يوفر لهما حياة مرفهة خلافا للثنائي الفني التاريخي الشهير.

سهير شقير: في سنة 1997 -رح أذكر شيئا بسيطا هو رد على هذا السؤال- في 1997 أنا شاركت بمهرجان لتكريم السيدة أسمهان، فسألوني هذا السؤال أنه أنت جاية من الجبل أيضا وعم تغني وأيضا أنت وأخوك، فقلت لهم هيك ببساطة شديدة يمكن نحن شمينا نفس الهواء -لأنه نحن من نفس الضيعة حتى- يعني شمينا نفس الهواء مشينا بنفس الدروب أعطتنا نفس الأحاسيس هيك صقلت أصواتنا بشكل ما، ما بعرف يمكن.

سامي كليب: كسرتم التقاليد كمان أنت وأسمهان، لأنه صعب لفتاة من الجبل بسوريا أن تغني حتى لو كانت بتغني للوطن، عانيت من هالشيء؟

سهير شقير: أنا كنت تقريبا.. بدون شك، بدون شك والأهل عانوا، لكن لما كانت يوم بعد يوم عم تثبت هذه الحالة ثقلها يعني ثقلها المعنوي -خلينا نحكي- ثقلها الثقافي أيضا، وجودها الثقافي، بلشوا بلشت تخف الأزمة بلش يخف الضغط علينا، بلش.. يعني صاروا يقبلونا أكثر.

سميح شقير: أنا قلبي مع السلام والرخاء اللي بيستحقه البشر والناس، وإذا أنا يعني شكلت هذه العلاقة العميقة مع المقاومة لأنه ما شفت أقرب طريق من المقاومة للوصول لهذا السلام، السلام لا تحرسه الإرادة القوية ولا تحرسه حتى البنادق، عرفت كيف؟ بشروط هذه المنطقة مستحيل، فوهم وحلم.

سامي كليب: حين أجريت هذا الحوار مع سميح شقير الفنان السوري الملتزم كان قد أنهى لتوه مع شقيقته سهير المشاركة في إحياء أحد المهرجانات الثقافية في قطر، وهو لا يزال على حاله منذ أكثر من ربع قرن يقلق قلق كل فنان ملتزم ومحترم لنفسه قبل الحفل، ويفرح فرح طفل بعد انتهائه.

سميح شقير: يمكن أنا من الصبح اليوم وكمان من كثر الحبايب حوالينا يعني مثل مانك شايف حتى في عنا أصدقاء إجونا من دولة إلى دولة يعني أكثر من مشكورين، فسعداء جدا فيهم وأكيد منكمل السهر بفرحة يعني فرحة إنجاز حفل باتمنى يكون جميل.

[أغنية ولا يوم]