كشف التحقيق الخاص الذي بثته الجزيرة بتاريخ (2019/9/8) ويحمل عنوان "الثروات المنهوبة" عما تعرض له الصندوق السيادي الماليزي من فضائح فساد، وصندوق "وان أم دي بي" الذي أنشأه رئيس الوزراء الماليزي السابق نجيب عبد الرزاق عام 2009، قبل أن تتراكم الديون على الصندوق بمليارات الدولارات في 2015.

وتحدث التحقيق عن طريقة إنشاء الصندوق والتربح من خلاله وفشله في تحقيق الأهداف المعلنة له وإهدار ما يقارب 10 مليارات دولار بصفقات فساد لم يعد منها للصندوق شيء، وكادت تصل بماليزيا حد الانهيار.

وعند تسلمه الرئاسة انتهج نجيب سياسة أكثر انفتاحية في المجال الاقتصادي، خصوصا مع الشرق الأوسط، ولم يكن نجيب هو الشخص الوحيد الذي انتهج هذا الطريق فقد كان رجال الأعمال الماليزي المقرب منه جون لو هو عراب العلاقات التجارية والاقتصادية مع الشرق الأوسط.

وما سهل للو تكوين علاقات واسعة هو دراسته في مدرسة وارتون التجارية الأميركية التي تخرج فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وكان لو يرأس رابطة الطلاب الماليزيين في المدرسة، مما سهل له تكوين علاقات مع باقي الروابط الطلابية، وإقامة علاقات مع بعض أبناء الأسر الحاكمة في الشرق الأوسط.

كما كون صداقة مع السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة، وقدم له العديد من فرص الاستثمار في ماليزيا، وهو ما دفع العتيبة لتقديم لو إلى مراكز صنع القرار في الإمارات، وقد انتهج لو سياسة عقد الصفقات المالية الضخمة واقتطاع مبالغ بسيطة لنفسه، وهو ما لم يلاحظه أحد بحسب اعتقاده.

تعزيز العلاقات
وبعد أربعة أشهر من تولي نجيب عبد الرزاق رئاسة الحكومة زار برفقة لو أبو ظبي وأعلن منها تشكيل صندوق ثروة ماليزي جديد يهدف إلى جذب الاستثمار الدولي للبلاد، وسمي هذا الصندوق "وان أم دي بي" ومول بأكثر من مليار دولار من السندات الإسلامية، وأعطى نجيب لو سيطرة كاملة على الصندوق ومخصصاته دون حصوله على أي صفة رسمية.

وسعى لو على الفور إلى إقامة مشروع مشترك مع شركة خدمات نفطية تدعى "بترو سعودي"، وقد أنشئت هذه الشركة عام 2005 من قبل شخص يدعى طارق عبيد يشاركه فيها الأمير تركي بن عبد الله آل سعود نجل الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز آل سعود -وأحد معتقلي فندق الريتز كارلتون بالرياض فيما بعد- وعقدت الصفقة في عام 2009 لكن الشركة لم تكن ذات أصول ولا تملك أي شيء.

كما توجه لو إلى بنك "غولدمان ساكس" بعد أن حصلت شركته "غولدن ستار" على مبلغ 350 مليون دولار في عام 2011، وبعدها توجه إلى أبو ظبي لمقابلة الشيخ منصور بن زايد الرئيس التنفيذي لشركة الاستثمارات البترولية الدولية "آيبيك" والشركة التابعة لها آبار للاستثمار، وطلب من الشيخ منصور ضمان سندات بـ3.5 مليارات دولار لشركة "وان أم دي بي" لشراء العديد من محطات الطاقة.

ووافق الشيخ منصور على أن تتدفق الأموال عبر بنك "فالكون" التابع لشركة "آيبيك" في سنغافورة وأن يدير البنك كل من خالد القبيسي ومحمد الحسيني اللذين يترأسان شركة "آبار"، وقد تم إيداع مبلغ 3.5 مليارات دولار في حساب شركة "وان أم دي بي"، وتم تحويل مبلغ 1.3 مليار إلى حساب شركة "آبار المحدودة للاستثمار" المؤسسة حديثا من قبل القبيسي والحسيني التي اتضح أنها شركة وهمية.

نهاية سريعة
بلغت مديونية صندوق "وان أم دي بي" 7 مليارات دولار، لكنه حافظ على قيمته المعنوية بسبب ارتباطه بأكبر بنوك العالم وأضخم شركات الاستثمار، وموافقة القيادة الماليزية المسبقة على كل الصفقات، وبعد انتشار العديد من التقارير الصحفية التي تفيد بوقوع فساد داخل "وان أم دي بي" واستمرار نجيب بقبضته الحديدية منع أي تحقيق داخلي في الموضوع.

غير أن المدعية العامة الأميركية وجهت في مؤتمر صحفي بتاريخ 20 يوليو/تموز 2016 الاتهام إلى نجيب عبد الرزاق وزوجته ولو والقبيسي والحسيني وطارق عبيد والأمير تركي بن عبد الله وآخرين بالتورط في قضايا غسيل أموال مسروقة من الصندوق السيادي الماليزي، وبعد الإعلان تم تجميد العديد من أصول وممتلكات لو في الولايات المتحدة.

وبدأت الأوضاع بالتغير بعد أن خسر نجيب الانتخابات عام 2018 ووصول رئيس الوزراء السابق مهاتير محمد إلى رئاسة الحكومة مجددا، فحاول نجيب وزوجته الهروب من البلاد لكن السلطات ألقت القبض عليه بتهمة إساءة السلطة وخرق الثقة، وتمت إضافة أكثر من 25 جريمة إلى لائحة اتهامه، مما يجعله يواجه عقوبة السجن مدى الحياة.

وقد صادرت الشرطة خلال حملتها على عقارات نجيب 12 ألف قطعة مجوهرات، وأكثر من 500 حقيبة يد، و400 ساعة رولكس، وما يقارب ربع مليار دولار نقدا، وتم استدعاء زوجته للتحقيق بتهمة الفساد وتلقي الرشوة، وهي تواجه عقوبة بالسجن المؤبد.