من برنامج: فلسطين تحت المجهر

مستشفى الشفاء بغزة.. يوميات الجحيم

سلطت حلقة “فلسطين تحت المجهر” الضوء على مستشفى الشفاء بغزة، مسجلة يوميات أسطورية لكفاح الطواقم الطبية والتمريضية والمسعفين دفاعا عن الجرحى الفلسطينيين تحت العدوان “الهمجي” الإسرائيلي، في ذكراه السنوية الأولى.

حين انتهت الحرب في أغسطس 2014، ظننت أنها لحظات صعبة واندثرت، ولم أكن أتصور أنني سأقاسي معايشتها يوميا، وأتجرّع مرارتها في كل مرةٍ أتسمّر فيها أمام شاشات المونتاج!

كان من المفترض أن أنهي مونتاج هذه الحلقة من برنامج "فلسطين تحت المجهر" في أشهر معدودة، لكن الأمر استغرق أضعاف ما توقعت، لأنني كنت والفريق معي نصاب بنوبات من مزيج الصدمة والقهر والألم، أوصلتني حد النحيب في أحيان.

 لم أكن أقوى على البقاء أمام مشاهد مستشفى الشفاء لفترات طويلة، ولا أحتمل الاستماع للكثير من حكايا الألم التي حملتها لنا أجهزة التسجيل، بقصد وبغير قصد.

51 جرعة من الوجع المتوالي، بين جدران مستشفى الشفاء، المغلف ظاهرا بالطلاء الجديد الذي يخفي خلفه ضعفا في الإمكانيات وتواضعا في التجهيزات الطبية وعجزا في الأدوية واللوازم الضرورية، فالحصار والعدوان أضعف المستشفى، لكن ذلك المجمع يكتنز كفاءات بشرية عالية اكتسبت الخبرة العملية من خلال تعاملها مع الآلاف من الحالات عبر أزمات صعبة وحروب طاحنة، حيث يتحمل مستشفى الشفاء ما تنوء عن حمِله كبرى المستشفيات العالمية، ثم إنه يختزل بين جدرانه معاناة غزة ما بين الحصار والحرب، وفي هذا الفيلم "مستشفى الشفاء" نكتشف مستشفى الشفاء غير الصورة النمطية التي تنتقل عبر الأخبار.

عشت وفريق العمل ومن خلال هذا الفيلم الاستثنائي مع أناس من غزة تنوعت حكاياتهم ما بين ألم الجراح ووجع الفقد ولوعة الغياب ومرارة العجز وبهجة السلامة والمعافاة وعزة النفس ولذة التعب والتضحية في سبيل خدمة الآخرين.

صعوبة هذا الفيلم فنيا بالنسبة لي كمخرج تأتي من كونه واقعياً مجرداً إلى حد بعيد، لا مجال أمامك أن تتدخل حتى في أبسط التفاصيل، كتتابع القصص في بعض الأحيان. حتى من ناحية الموسيقى، وجدت أنني أترك للإيقاع النفسي للمَشاهِد ومحتواها أن يعوّض الإيقاع الموسيقى الذي يكاد لا يخلو منه فيلم درامي أو وثائقي.

إن هذا العمل هو نسيج لقصص وحكايات لأناسٍ عاشوا لحظات الموت وأصرّوا على الحياة، إن أبطال هذا العمل: معصب وحنين وشفاء وزايد ودينا، لم يعيشوا أصعب اللحظات في مستشفى الشفاء فحسب مصابين وجرحى أو معالجين وأطباء، لكن معاناتهم استمرت بعد ذلك بسبب ما شهدوه في ذلك العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. 

أتمنى أن أكون قد وُفّقت مع فريقي الميداني في قطاع غزة وفريق الإشراف في الدوحة في نقل الصورة الحقيقية لعذابات وهموم أهلنا في غزة من خلال أيقونة هذه المعاناة – مستشفى الشفاء –  وأن أكون قد تمكنت من إيصال بعض الرسائل التي حمّلنا إياها العديد من الفلسطينيين الذين عايشناهم أوتحدثنا إليهم وأثقلوا كاهلنا بأمانيهم وتطلعاتهم وأحلامهم البسيطة في حياة كريمة وآمنة.

المخرج: أحمد الوحيدي
غزة – فلسطين