رسالة من 67 كلمة بعثها قبل مئة عام وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور إلى عضو يهودي في مجلس اللوردات البريطاني، لتولد من بين سطورها إسرائيل.

كيف انتقلت الرسالة التي عرفت باسم وعد بلفور من عنوان اللورد روتشيلد في وسط لندن إلى آفاق سياسية بعيدة مدفوعة بمصالح بريطانية وأحلام صهيونية؟

هذا ما سلط الضوء عليه الفيلم الوثائقي "وعد بلفور" الذي بثته الجزيرة الأحد (2017/10/29) قبيل حلول مئوية هذا الوعد الذي أعطي يوم 2 نوفمبر/تشرين الثاني 1917.

في عام 1914 اندلعت الحرب العالمية الأولى بين قوى دولية متصارعة: فرنسا وروسيا وبريطانيا من جهة، ومن جهة أخرى قوى في مقدمتها ألمانيا والدولة العثمانية.

المدافع والمفاوضات
لم تكن المدافع هي من يغير شكل العالم، بل كانت ثمة اجتماعات سرية بين الحلفاء الذين تقاسموا الغنائم منتظرين لحظة إعلان النصر.

في أحد هذه الاجتماعات كان الدبلوماسي البريطاني مارك سايكس ونظيره الفرنسي فرانسوا بيكو يخوضان مفاوضات شاقة انتهت بتقاسم أراضي الخصم العثماني بعد أن تضع الحرب أوزارها.

تقاسم الفرنسيون والبريطانيون الدول العربية الواقعة شرقي المتوسط عام 1916، فيما عرفت باتفاقية سايكس بيكو. أما فلسطين فوضعت تحت وصاية دولية، خارج الاتفاقية.

مصالح بريطانيا
يقول المؤرخ الفرنسي فيليب بريفوست إن الإنجليز والروس والفرنسيين لم يتمكنوا من إبرام اتفاق لأن الجميع كانوا يريدون فلسطين، لأنها تمثل ماضيا عريقا لبريطانيا وفرنسا وقريبة من قناة السويس.

لكن الاتفاقية لم ينظر إليها في بريطانيا بارتياح وفق ما يقوله رئيس قسم الشرق الأوسط بجامعة أكسفورد يوجين روغان، وإن المسؤولين البريطانيين بمن فيهم مارك سايكس يرون أنها اتفاقية سيئة، لأنها لم تراع مصالح بريطانيا.

ويوضح المؤرخ الفلسطيني بشير نافع أنه في هذا المناخ وهذا الجدل أثير مشروع الحركة الصهيونية وأحلام جزء من اليهود في أن يكون لهم وجود بفلسطين، مبينا أن هذا ما "أسس لإعلان بلفور".

استخدام الصهاينة
كانت الحركة الصهيونية وقتذاك تنشط في بريطانيا كواحدة من جماعات الضغط السياسي. ويوضح يوجين روغان أن بريطانيا باتت تنظر إلى الصهاينة كشريك محتمل لتبرير إعادة التفاوض مع الفرنسيين بشأن اتفاقية سايكس بيكو.

ويشير إلى أن البريطانيين لو طالبوا بفلسطين لهم سيخلق هذا مشكلة دبلوماسية مع الفرنسيين، ولكن لو قالوا لهم "نريد فلسطين ليس لمصلحتنا بل خدمة لفكرة تاريخية تقضي بعودة اليهود إلى وطنهم المذكور في الكتاب المقدس، فسيكون مبررا لتعديل الاتفاقية".

صفقة ورشوة
المؤرخ والأستاذ بجامعة تل أبيب موطي غولاني يقول إن الصهاينة كانوا أقلية صغيرة بين اليهود، ثم جاءت دولة عظمى تقول لهذه الأقلية أنتم تمثلون اليهود ونحن على استعداد لعقد صفقة معكم.

أما المؤرخ الأميركي جوناثان شنير فيختصر المأساة قائلا إن فلسطين كانت رشوة بريطانية لليهود.