في ربيع 2011؛ اندلعت في سوريا مظاهرات سلمية مطالبة بالحرية وإسقاط حكم الاستبداد بقيادة عائلة الأسد، فواجهتها قوات أمن النظام بالحديد والنار منذ اليوم الأول، لكن سرعان ما تحولت المظاهرات إلى ثورة شعبية شملت أرجاء البلاد، فأحالها النظام إلى حرب مفتوحة ضد السوريين، حرب تحصد أرواحهم وأحلامهم المجسدة في البشر والحجر.

في فيلم "على أنقاض حلم" –وهو من إنتاج قناة الجزيرة الوثائقية- يروي نشطاء في الثورة السورية وربات بيوت قصص بيوتهم المدمرة جراء قصف النظام لها عقابا لهم على ثورتهم عليه من أجل الحرية والكرامة، وكيف تشرد أكثر من ثلاثة ملايين سوري عن بيوتهم -بما تعنيه لهم من أحلام عُمْر وذكريات عيش- هربا مما لحقهم في هذه البيوت من ترويع وتخريب وسرقة وحرق للبيت وما فيه من متاع وحتى أشجار.

فعند الإنسان السوري العادي؛ تتراكم مجهودات سنوات العمر لكي يتحقق له "حلم صغير اسمه البيت"، بيت يستقل فيه فيجسد له انتماءه إلى وطنه وتاريخه الشخصي ويحفظ به الذكريات المكانية له ولعائلته؛ فتتحول البيوت بالنسبة له إلى "رائحة غسيل الأم وشجرة المشمش وكعك العيد وحكايات ما قبل النوم". ولذلك فإن خطوة بناء البيت تبدأ في سوريا بعد الزواج وليس قبله، وفيه تنطلق الحياة الزوجية بما تعنيه من أمان وراحة وأحلام بتربية أولاد يواصلون امتداد الأسرة في المستقبل.

حريق الاستبداد
وبعد فشل النظام في السيطرة على ثورة الشعب السوري؛ اتبع سياسة الأرض المحروقة ضد المدن والبلدات السورية المقاومة التي رفضت الإذعان لتهديدات الأمن والجيش، ورفع شعار: "الأسد أو نحرق البلد"، فكان كان يريد إعادة السوريين لهيمنته أو تحويل بيوتهم إلى ركام. وحينها لم يعد الزمان في المدن والبلدات -التي دعمت الثورة- مصنوعا من دقائق وساعات وأيام، بل صار مصنوعا من طائرات مُغِيرة ودبابات ومدفعية تقصف، ومن رصاص وقذائف وبراميل متفجرة ومظلات تحمل حمم النار.

وهكذا أصبحت جدران البيوت وحدها الشاهد على هذا الدمار، ووحدها التي تعرف ما الذي حدث لهذه البيوت "الأحلام الكبيرة والأوطان الصغيرة"، بفعل قصف الطيران الحربي الروسي والسوري، وإلقاء بالبراميل المتفجرة وقنابل المظلات على رؤوس المدنيين لقتل أكبر عدد منهم وبشكل عشوائي، دون إصابة أي هدف عسكري حقيقي. وهو دمار يقول بشأنه رئيس بعثة المراقبين الدوليين في سوريا الجنرال روبرت مود: "إن حجم الدمار الذي لحق بسوريا لم يُشهد له مثيل منذ الدمار الذي تسببت فيه الحرب العالمية الثانية".

ترك السوريون بيوتهم وفروا بعد ضياع أحلامهم للحفاظ على ما تبقى من عوائلهم في مخيمات اللجوء في الشمال السوري، حاملين معهم هموم الحاضر والمستقبل، ومحاولين تأسيس بيوت في بيئة النزوح والشتات الجديدة. وحين سمحت لبعضهم الظروف للعودة إلى بيوتهم التي عمروها ونشؤوا فيها رأوا ما يكسر قلوبهم بسبب أحلامهم المحطمة، وذكريات أيامهم الهانئة فيها مع أحباء قضوا نحبهم في سبيل تحرر وطنهم من الظلم والاستبداد أو بوفاة طبيعية؛ ورغم ذلك ما زالوا يحدوهم الحنين إلى أول منزل فيحلمون بالعودة إليه.