منذ اليوم الأول للثورة لم يأل النظام الحاكم في سوريا جهدا في قصف الحقيقة وإسكات الكلمة، ليصور للعالم ما يجري في سوريا من منظاره الخاص.

يتناول الفيلم الوثائقي من سلسلة "تحقيق خاص" الذي بثته الجزيرة الأحد (2016/12/18) بعنوان "مراسل حربي"، قصص مراسلين ومصورين حربيين في جبهات القتال داخل الأراضي المشتعلة بسوريا، وثقت كاميراتهم أعمال آلة القتل الدموية سعيا وراء الحقيقة، ولو كان الثمن الإصابة أو الموت.

بلا قانون
صهيب الخلف أنهى دراسة الأدب العربي في كلية الآداب بمدينة إدلب.. لم يكن يتطلع يوما لأن يصبح إعلاميا، لكنه مع انطلاقة الثورة وجد نفسه ينقل المشهد إلى العالم، على خطوط الجبهة الأمامية مراسلا حربيا لقناة الجزيرة.

يقول صهيب إن جيش النظام لا يراعي أي حرمة للصحفيين، ولا تحكم عملياته أي قوانين.. "ليست هناك قوانين تحكم الحرب التي تجري في سوريا".

طائرات وصواريخ النظام تترصد بالموت الشعب السوري (الجزيرة)

أحد المراسلين في مطار أبو الضهور العسكري بريف إدلب يقول "منذ بداية الثورة وحياتنا في خطر، لكن لو أردنا أن نخاف بمعنى الخوف الكبير فإننا لن نقوم بالثورة أصلا.. ماذا كنا نبغي من هذه الثورة؟ إن خفت سأسافر خارج هذه البلاد.. حسنا لن أخاف".

الناشط الإعلامي المستقل هادي العبد الله يوضح لماذا سوريا أخطر مكان للصحفيين على مستوى العالم، فيقول إن السبب الأول أن من يحكم سوريا "نظام مجرم مستبد لا يتورع أبدا عن قتل أي أحد يحاول أن يقف ضده أو حتى ينقل حقيقة إجرامه".

الأجانب أيضا
لم يكن الصحفيون والمصورون السوريون وحدهم  ضحايا استهداف الكلمة والصورة، فالصحفيان  الفرنسي ريمي أوشليك والأميركية ماري كولفيت قتلا في القصف العشوائي على حي بابا عمرو بحمص.

كان هناك في بابا عمرو أيضا ثلاثة صحفيين جرحى، بينهم إيديت بوفييه مراسلة صحيفة لوفيغارو الفرنسية وكانت في حالة خطرة.

تم تهريب إيديت على أيدي الثوار من مدينة حمص التي حوصرت فيها لتسعة أيام، إثر إصابتها يوم 22 فبراير/شباط 2012.

من رحم الثورة
بعد استهداف النظام عشرات الصحفيين والناشطين الإعلاميين، ومقتل وخطف الكثير من الصحفيين الأجانب، أصبح دخولهم إلى سوريا ضربا من الانتحار، فكان التحدي أن تتولى الكوادر السورية المحلية المهمة.

المراسل الميداني محمد الحوراني أول شهداء الجزيرة في سوريا (الجزيرة)
من هؤلاء خليل العشاوي، وهو مراسل حربي ومصور فوتغرافي، يقول إن الجبهة مكان خطير وصعب جدا، "عليك دائما أن تكون حذرا وأنت تلتقط أي خبر تستشعره، ودائما العزيمة والدعاء مرافق لنا".

معاذ الشامي -ناشط إعلامي مستقل- يقارن بينه وبين الصحفي الأجنبي فيرى أن الأخير يتخذ عمله مهنة، مثل النجار أو الحداد أو الصحفي، "الصحفي لدينا خرج من رحم الثورة".

لولا الثورة
ويواصل الشامي القول "لولا الثورة لما كنت صحفيا، ولبقيت على مهنتي وجامعتي أتابع عملي الطبيعي، ولما انتشر في سوريا أكثر من ثلاثة آلاف إعلامي بكافة محافظاتها الثائرة ومناطق النزاع فيها".

أدرك السوريون أهمية العمل الإعلامي في ثورتهم، وبدأ الأمر باستخدام هواتفهم المحمولة، ثم تطورت جهودهم ليصبح نقل التقارير المصورة بالكاميرات الاحترافية مشهدا يوميا.

حتى يوم 3 مايو/أيار 2016 وفي اليوم العالمي لحرية الصحافة، تم توثيق مقتل 481 إعلاميا على أيدي قوات النظام، منهم 34 قُتلوا تحت التعذيب في مراكز الاحتجاز، كما سجلت 876 حالة خطف واعتقال بحق الناشطين الإعلاميين.

شهداء الجزيرة
أعلنت قناة الجزيرة في السابع من ديسمبر/كانون الأول 2015 عن استشهاد مصوّرها زكريا ابراهيم في ريف حمص الشمالي شهيداً سادساً للجزيرة على الأرض السورية. 

الصحفية الفرنسية إيديت بوفييه أصيبت في قصف بابا عمرو (الجزيرة)

سبق زكريا زميله محمد الأصفر أثناء تغطية معارك في مدينة درعا في يونيو/حزيران 2015، كذلك استشهد مهران الديري مراسل الجزيرة نت في مدينة الشيخ مسكين في ديسمبر/كانون الأول 2014.

مراسل الجزيرة محمد عبد الجليل القاسم الذي استشهد في كمين تعرض له في ريف ادلب في سبتمبر/أيلول 2014، وحسين عباس المنتج الميداني لقناة الجزيرة الذي استشهد بقذيفة سقطت على سيارته في القلمون في ريف دمشق في أبريل/نيسان 2014.

 أما محمد الحوراني مراسل الجزيرة الميداني فقد كان أول شهداء الجزيرة في سوريا والذي استشهد نتيجة برصاصة قناص في ريف درعا في يناير/كانون الثاني 2013.

تقول الفرنسية إيديت "أنا لا أغطي فقط الحروب، إنما سوريا هي منّي، والشيء الذي وعدت به ووعدني به السوريون، أنه إذا تحررت دمشق سأكون معهم.. آمل أن يبقوا على قيد الحياة".

سنوات الثورة السورية تمضي وما زالت الكاميرات تقاوم استبداد الدكتاتورية وتواجه آلة القتل الدموية بمزيج من الإرادة والمهنية، وتلاحق الحقيقة وتُوثق الحرية.