يبدو أن العراق على وشك الدخول في مرحلة جديدة من تاريخه المضطرب، فبالإضافة إلى المعارك الميدانية التي تخوضها قواته على أكثر من جبهة، هناك جبهة أخرى ساخنة يحتدم فيها صراع سياسي على النفوذ.

وقد بدا ذلك من خلال انفتاح سعودي مفاجئ على العراق تُوّج بتطبيع العلاقات بين الرياض وبغداد،  وبتأسيس مجلس تنسيق مشترك بينهما برعاية أميركية.

ويرى مراقبون أن هذا المجلس بمشاريعه الضخمة التي أُعلن عنها يرمي إلى منافسة إيران في  مجالات كثيرة داخل العراق.

عودة الرياض المتأخرة والمطلوبة كما يبدو إلى العراق يروج لها الإعلام السعودي باعتبارها فتحا مبينا سينتشل بغداد من براثن إيران، إذ يتردد أنها ستسعى لإعادة توحيد القوى السنّية والتقرب منن  التيارات الشيعية العروبية والمدنية.

فهل تنجح المساعي السعودية الأميركية لاحتواء نفوذ طهران الذي توسع وترسخ في المنطقة بعد غياب عربي طويل؟ وهل من السهل كسب رهان كبير كهذا، لا سيما أن حجم الملفات الموكلة للمجلسس وتغليب الاتفاق لمنافع العراق على مصالح السعودية؛ يثير شكوكا حول قدرة الرياض على إضعاف الدور الإيراني أو منافسته ناهيك عن إزاحته؟

كما أن هناك مخاوف من أن يتحوّل العراق إلى ساحة صراع جديدة مباشرة بين الرياض وطهران عبر تحريك الأولى للجماعات السنية المسلحة والثانية للمليشيات الشيعية المختلفة.


رؤية واشنطن
حول هذا الموضوع، يقول المسؤول السابق بوزارة الخارجية الأميركية باتريك ثيروس إن الولايات المتحدة ليس لديها الكثير من الخيارات في التعامل مع العراق، كما أن الشعب الأميركي لا يريد استمرار وجود قوات عسكرية كثيرة لبلاده هناك، وكذلك الحكومة العراقية.

وأضاف أن الانسحاب الأميركي من العراق فتح الطريق لتنظيم الدولة الإسلامية وتنظيمات أخرى، لذلك لا بد من إيجاد طريقة لربط العراق وجعله أقرب إلى التحالف الدولي ضد التنظيم، معتبرا أن أقرب شيء لذلك هو السعودية.

ويرى ثيروس أن واشنطن لو استطاعت أن تهندس تحسين العلاقات بين البلدين، وإذا فهم السعوديون أن من مصلحتهم تعميق التعاون مع العراق، فإن ذلك سيجذب بغداد أكثر نحو الدول الغربية، ويبعدها عن إيران.

ورفض المسؤول الأميركي السابق ما يقال من أن بلاده قصدت تقديم العراق على طبق من ذهب إلى إيران، مؤكدا أن العراقيين لم يرغبوا في بقاء القوات الأميركية في بلادهم.

عودة عربية
من جهته، قال النائب في البرلمان العراقي عن ائتلاف دولة القانون جبار العبادي إن العراق بلد عربي ويعتبر البوابة الشرقية للعالم العربي، ودائما ما كان يشعر بانتمائه العربي الأصيل، لكن بعد عام 2003 تغيرت كل معالم الدولة ونظامها السياسي والاقتصادي، ولوحظ ابتعاد المحيط العربي عن العراق، على اعتبار أن هناك ارتماء في أحضان إيران وسيطرة إيرانية على القرار، وكأن الموضوع استسلام لهذا المشهد.

ورغم إقراره بأن هناك بعض القيادات في العراق لا تحبذ أن تكون العلاقة طيبة مع المحيط العربي، فقد أكد أن هذه القيادات لا تمثل قاعدة عريضة، فالشارع العراقي معظمه يرغب في عودة العراق إلى محيطه العربي.

ترحيب إيراني
بدوره، اعتبر الباحث والأكاديمي الإيراني حسن أحمديان أن العداء العربي للعراق بعد عام 2003 أزعج إيران أكثر من انفتاح الدول العربية على بغداد، لأن هذا العداء أتى بكوارث على العراق كانت ذات تأثير على الأمن القومي الإيراني.

ويؤكد الباحث الإيراني أن بلاده منفتحة بشكل عام على العراق كبوابة وصل مع الدول العربية، لكن الرؤيا المقابلة قد يكون لها تفسيرات مختلفة، مما قد يأتي بمشاكل في القراءة الإيرانية مستقبلا.

وأضاف أن السعودية والولايات المتحدة إذا كانتا تنظران إلى العراق والدور الجديد الذي يراد للسعودية أن تلعبه بهدف إعادة الاستقرار والأمن في العراق، فهذا لن يزعج إيران بل سيساعدها في علاقاتها بالدول العربية. أما إذا كان الهدف ضرب وتقزيم دور إيران، فإن ذلك سيأتي بالمزيد من المشاكل على العراق.

ويرى أحمديان أن المقومات السعودية في العراق محدودة، وإيران تدرك ذلك، ولذلك فهي لا تنزعج، أما إذا حاولت السعودية القيام بدور أكبر من مقوماتها فإن العراق سيُحدث مشاكل في علاقاته وسيردع هذه التحركات، لاسيما أن التوازن السياسي في العراق لا يتحمل الكثير من العبء الذي قد يراد من هذا التحرك الجديد وضعه على أكتاف بغداد.